ثلاثة عقود إجتماعية لا واحد فقط

أحمد التجاني الشايب
العقد الإجتماعي هو إتفاق نظري أو إفتراضي بين الأفراد والحكومة ، يتنازل فيه الأفراد عن بعض حقوقهم وحرياتهم للدولة مقابل توفير الحماية والنظام الإجتماعي ، ويحدد العقد حقوق وواجبات كل طرف ، وتعد هذه النظرية أساسا لتبرير سلطة الدولة وحدودها ، وترتبط بفلاسفة مثل توماس هويز وجون لوك وجان جاك روسو الذين قدموا رؤي مختلفة حول طبيعة العقد الإجتماعي والغرض منه.
وقد ظهرت الحاجة الماسة إلى تجديد نظرية العقد الإجتماعي عقب ثورات الربيع العربي ، والاحساس العميق بالفشل الذي لازم الدولة الوطنية أو تلك المسماة كذلك ، عبر سبعة عقود من نيلها ما يُدعى إستقلالا . وتبين أن الأزمة الماثلة أكبر من أن تعالج عبر نظرية العقد الإجتماعي الكلاسيكية التي تحدث عنها أولئك الفلاسفة الأوربيين ، فالدولة لدينا هي أصل العله إذ أنها تعاني من خلل بنيوي لازمها منذ النشأة الأولى ، إذ لم تنشأ نتيجة تطور طبيعي ، بوصفها تعبيراً عن المجتمع وقيمه وتطلعاته ومرجعيته ، وإنما هي صناعة إمبريالية (دولة مستوردة) علي حد تعبير نزيه نضيف الأيوبي وبتران بادي، فرضت علينا – وحتي أن اسمها كما في حالة السودان لم نختره – وتضخمت تضخماً شديداً على حساب المجتمع الأهلي والمدني لتحقيق مصلحتها والمحافظة على هيمنتها، عوضاً عن أن حدودها السياسية نشأت نتيجة التقاء جيشي دولتي إحتلال عند نقطة معينة صارت من بعد حدوداً جغرافية للدولة الجديدة ، وكثيراً ما تقسم وتفصل تلك النقطة الحدودية بين العرق أو الدين أو المذهب أو القبيلة أو العشيرة أو الأسرة الواحدة ، بل يبلغ الوضع أحيانا أن تفرق بين المرء وزوجه ، وعلي أية حال لا علاقة البتة بكيفية نشأة الدولة لدينا والدولة الأوروبية الحديثة التي نشأت وفقا لمعاهدات سلام وستفاليا 1648م.
عليه إزاء هذه الأزمة البنيوية العميقة للدولة وما أفرزته من تجارب حكم مأزومة ، ولتحقيق مطلب دولة القانون والديمقراطية والمواطنة لابد من إجراء الثلاثة عقود إجتماعية التالية :
أولاً: عقد إجتماعي بين الأعراق والقبائل:
وهو عقد يتم بموجبه توقيع ميثاق على وقف الصراعات والحروب وتحقيق السلام العادل والدائم ، حتي إذا اقتضى الأمر إعادة النظر في حدود الدول التي رسمها الإحتلال دون مراعاة النظم الإجتماعية للعرقيات والقبائل التي كانت موجودة ، في أن تنال تلك المجموعات حق تقرير المصير في أن تختار الإنضمام إلى أي من الدولتين المتجاورتين تشاء. كما يجب منح المجموعة العرقية الحق في الحكم الذاتي في إطار الدولة الفيدرالية ، ويتعين أن يتم التوافق من كافة العرقيات بالدولة علي العقد الإجتماعي الجديد هذا .
ثانياً: عقد إجتماعي بين المواطنين:
وهو تعاقد بين المواطنين فيما بينهم، يتم بموجبه اتفاقهم على تحويل الدولة القائمة الآن (الدولة المشخصنة ، أو دولة العرق أو الجهة أو القبيلة أو العائلة أو الحزب أو الفرد). إلى دولة مدنية ديمقراطية تعمل تحت سيادة القانون وأسس المواطنة، وأن يتجاوز مواطنها الأشكال والشعارات نحو تجذير وتعميق مضامين قيم الحرية والسلام والعدالة والمساواة والإخاء الوطني عوضاً عن حماية وحراسة هذه القيم والدفاع عنها في وجه أية عدوان عليها.
ثالثاً: عقد إجتماعي بين المواطنين والدولة:
تكفل فيه الدولة حماية الحريات العامة وحقوق الأساسية وتسوية التفاوتات الإقتصادية والإجتماعية وتجنب نظام الحكم الإقصائي ونمط التنمية المتحيز ، والتقاسم العادل للسلطة والثروة والفرص والمسؤولية ، وتداولها مع التركيز علي كرامة وهيبة المواطن وسيادة الدولة والتحرر من كافة علاقات الهيمنة وألوان الوصاية الخارجية .



