في جلسة نقاشية بمركز مسارات: خبراء مصريون وسودانيون يدعون لإنشاء منتدى دائم لمراكز الفكر في البلدين

القاهرة – المحقق – صباح موسى
نظم مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية جلسة نقاشية موسعة “السبت” الماضي، تحت عنوان “دور مراكز الفكر في مواجهة مخاطر التقسيم وتعزيز استقرار السودان”، شارك فيها نخبة من أبرز الخبراء والباحثين من مصر والسودان، وناقش المتحدثون أبعاد الأزمة السودانية وأدوار مراكز الفكر في تعزيز استقرار الدولة ومنع سيناريوهات التفكك، وشهدت الجلسة الإعلان عن “مبادرة مسارات لدعم الكوادر البحثية السودانية”، التي تهدف إلى تمكين الباحث السوداني عبر تعزيز قدرته على إنتاج أوراق بحثية ومقاربات فكرية تدعم الدولة، وبناء شبكة بحثية مصرية–سودانية مشتركة، وتوفير منصة معرفية للإنتاج الفكري السوداني، ودعم الهوية الوطنية السودانية بخطاب علمي مضاد لثقافة التفكك والصراع، وأدار الجلسة الدكتورة إيمان الشعراوي مدير المركز، كما شارك فيها عدد من أبرز الخبراء من مصر والسودان، وعلى رأسهم رئيس تحرير موقع “المحقق” الإخباري العبيد مروح، ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتورة أماني الطويل، والخبير المصري بالشأن الأفريقي الدكتور رمضان قرني، والكاتب والمحلل السياسي الدكتور خالد التيجاني، ورئيس تحرير صحيفة التيار عثمان الميرغني.
مبادرة مسارات
وتتكون مبادرة المركز من أربعة برامج رئيسية: برنامج التدريب البحثي المتخصص الذي يشمل دورات مجانية في إعداد أوراق تقدير الموقف، والإنذار المبكر، ومناهج البحث السياسي والاستراتيجي، وتحليل النزاعات وبناء السلام، وكتابة أوراق السياسات، ومنصة الحوار البحثي المصرية السودانية، لعقد لقاءات افتراضية ومباشرة ،وحلقات نقاش شهرية لتعزيز التواصل العلمي، وبرنامج “صوت السودان” لنشر الإنتاج المعرفي السوداني عبر موقع المركز، والمشروع البحثي المشترك حول “سيناريوهات مستقبل الدولة السودانية” الذي يصدر عنه تقرير سنوي يُعرض في مؤتمر بالقاهرة ويشارك في إعداده باحثون من البلدين.
إعادة التأسيس

من جانبه شدد رئيس تحرير موقع “المحقق” الإخباري العبيد مروح على ضرورة إعادة التأسيس للعلاقات المصرية السودانية، وقال لابد أن يتم ذلك من خلال مراكز التفكير والبحث، وطرح عددا من الأسئلة التي تحتاج لإجابات لمعرفة جذور الأزمات التي يمر بها السودان حتى أدت إلى الانقسام الحرب، وقال هل مايحدث في السودان وليد اللحظة أم سببه النظام السابق، أم الحكومات المتعاقبة بعد استقلال البلاد، أم نتيجة سياسات المستعمر، مضيفا إن الإجابة عن هذه الأسئلة مهم لفهم جذور الأزمة بالسودان، داعيا مراكز الفكر والسياسات في إعادة رسم العلاقات المصرية السودانية بتأسيس جديد لمفهومها، وقال لابد أن توظف النخب السياسية لبعد هذه العلاقات الاستراتيجي.

تحدي وجودي
من جهتها رأت مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية الدكتورة أماني الطويل أن الاستثمار في مراكز الفكر لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية، وقالت إن مراكز الفكر تعد أداة لتجاوز سوء الفهم والتاريخ السياسي المثقل، ولإعادة تشكيل العلاقات المصرية السودانية على أسس من الثقة والشفافية والفهم المتبادل، بما يخدم استقرار البلدين والتنمية المشتركة في المدى البعيد، مؤكدة أن العلاقة بين البلدين تواجه تحدي وجودي، وتحتاج إلى رؤية استراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة، مشددة على أن البلدان يحتاج كل منهما للآخر، وقالت يمكن لمراكز الفكر أن تعيد بناء صورة كل طرف لدى الآخر، مضيفة لابد من إنتاج المعرفة، وإنشاء قنوات تواصل، وتابعت لابد من توازن المصالح بين مصر والسودان بعيدا عن توازنات القوى، لأننا نحتاج لعلاقة مستدامة، وأوضحت أن التحديات التي تواجه مراكز في الفكر في الاستدامة والتمويل، وأوصت بضرورة لفت نظر الدولة لرعاية مراكز الدراسات المهتمة بالعلاقة بين مصر والسودان، وإقامة مؤتمر سنوي لمراكز الفكر المصرية السودانية.
رهان الوعي
بدوره أكد نائب مدير مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد فهمي أن مبادرة مسارات لدعم الكوادر البحثية، تأتي انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مستقبل السودان لا يتوقف فقط على موازيين القوى في ساحات الصراع، ولا على التفاهمات السياسية وحدها، وقال بل يعتمد بدرجة أكبر على قدرة النخب الفكرية والبحثية على إنتاج معرفة جادة، وصياغة رؤى واقعية، وتقديم خطاب وطني جامع قادر على مواجهة سرديات التفكك والانقسام، مضيفا أن الرهان الحقيقي في هذه اللحظة التاريخية هو رهان على الوعي، وعلى بناء كتلة معرفية قادرة على حماية الدولة من مسارات التفكك والانهيار، لافتا إلى أن مبادرة مسارات تأتي انسجامًا مع الجهود المصرية الحكيمة التي يقودها الرئيس السيسي في دعم وحدة واستقرار السودان، وإدراكًا للدور التاريخي والمسؤولية المشتركة التي تجمع الشعبين، معربا عن أمل المركز في أن تمثل هذه المبادرة خطوة إضافية على طريق بناء تعاون بحثي مستدام، يعزز مسارات السلام، ويحمي السودان من المخاطر التي تهدد نسيجه الوطني، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الفكر والمعرفة جزءًا أصيلًا من معادلة استقرار الدولة.
مفردات جديدة
أما الخبير في الشؤون الأفريقية الدكتور رمضان قرني فقد رأى ضرورة استغلال الوضع الراهن لتقريب العلاقات المصرية السودانية، وقال لابد أن نغير الصورة الذهنية لكل طرف عن الآخر وأن نبحث عن مفردات جديدة تجمعنا، وأوصى باستضافة شباب الباحثيين السودانين في مصر، وقال لابد من الربط بين الإعلام ومراكز الفكر، وضرورة بناء جسور للعلاقة بين البلدين، مشددا على إعادة صياغة علاقات جديدة مستغلة هذا الظرف التاريخي الذي جمع بين الشعبين وأحدث نوعا مختلفا من التقارب.
مجرد اجتهادات
وذهب الكاتب والمحلل السياسي السوداني الدكتور خالد التيجاني إلى أن الدولة السودانية ليست لديها محددات للأمن الوطني. وقال إن السياسة في السودان تدار بتحديات ظرفية، وإنه ليس هناك ممسكات وطنية وعليه يجب تحديد محددات، معتبرا دور مراكز البحث في السودان مجرد إجتهادات، وقال إن طبيعة النخبة السودانية منقسمة، وإن التدخلات الخارجية تعزز الانقسام في الداخل، مشيرا إلى أن مراكز البحث السودانية بنيتها التحتية ضعيفة، مضيفا أنها تقوم على أساس فردي، ولذلك تأثيرها يكون ضعيفا.
وجود شكلي
وقال رئيس تحرير التيار عثمان ميرغني أنه لايوجد مستهلك لهذه المراكز البحثية في السودان، وإن هذه المراكز وجودها شكلي لإعطاء صورة لأصحابها، مضيفا أن المشكلة في غياب الدولة عن هذه المراكز، وأن الذي يؤسسها أفراد لمجرد الوجاهة، ودعا إلى ضرورة الاستفادة من الجانب المصري في هذا الأمر، وتابع لابد من إنشاء مركز دراسات مشترك بين البلدين بتمويل مناسب ليستطيع أن يخاطب قضية بناء الدولة.
توصيات الجلسة
وفي الختام أوصت الجلسة بإنشاء منتدى مصري سوداني دائم لمراكز الفكر، يعقد بصفة دورية بالتناوب بين القاهرة والخرطوم، ودعوة الخارجية المصرية لتبني مبادرة لدعم وتعزيز التعاون البحثي مع السودان، ودعوة الهيئة العامة للاستعلامات إلى إطلاق دورية علمية مشتركة تُخصص لنشر أوراق السياسات والأبحاث المعنية بقضايا مصر والسودان، وتوجيه الدعوة لمؤسسة الأزهر الشريف لتأسيس مرصد للأفكار والقيم بالتعاون مع مراكز الفكر المصرية والسودانية، وتنظيم برامج تدريبية وبحثية مشتركة بين مراكز الفكر المصرية والسودانية لتأهيل كوادر شابة من الباحثين في مجالات التحليل الاستراتيجي وصنع السياسات العامة، وإعداد رؤية شاملة لإعادة إعمار السودان بعد الحرب، عبر قيام مراكز الفكر بوضع برامج تفصيلية لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، مع التركيز على المدن الأكثر تضررًا، والتأكيد على ضرورة إدراج الدراسات المستقبلية والتحليل الاستشرافي كجزء أصيل من عمل مراكز الفكر المصرية والسودانية، وإطلاق حملات توعوية مشتركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز السلم المجتمعي والهوية الوطنية السودانية الجامعة، ومواجهة خطاب الانقسام، وإطلاق مبادرة بحثية مشتركة لدراسة العلاقات الثنائية بين مصر والسودان، تهدف إلى إبراز عمق الروابط التاريخية والاستراتيجية، وتعزيز فهم التحديات والفرص المشتركة، عبر نشر تقارير دورية وتقديم توصيات تسهم في توطيد العلاقات بين البلدين على مختلف المستويات، وإطلاق منصة إعلامية مشتركة بين مصر والسودان، تهدف إلى تعزيز التواصل المعرفي بين البلدين، وتقديم محتوى مهني يعكس عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين، ويسهم في مواجهة حملات التضليل، ودعم خطاب السلم المجتمعي.
نقاشات مفيدة
وعلى هامش الفاعلية، شهدت الجلسة نقاشات مفيدة في جو من الود حول العلاقات المصرية السودانية، وضرورة تأسيسها على ثوابت جديدة، والتصدي لأي محاولات تعوق دون تطور هذه العلاقة، كما تطرق النقاش إلى الوضع الحالي في السودان، وتوصيفه واقتراح حلول ناجزة للحرب بالبلاد، واختلفت الرؤى مابين إنهاء الحرب والدخول في تفاوض، وبين ضرورة اكمال الحسم العسكري وعدم دخول أي مفاوضات إلا بشروط الحكومة السودانية باستسلام مليشيا الدعم السريع ووضع سلاحها وتجمعها في مدن خارج المدن التي تحتلها تمهيدا للتفاوض على تسريحها وإعادة دمجها، واتفق الحضور على ضرورة تكرار مثل هذه الجلسات التي تثري النقاش وتبحث في كيفية التأسيس الجديد لشكل العلاقة بين البلدين، وايجاد طرق مفيدة للحلول في السودان.



