الشمول المالي .. خطوة لتحقيق العدالة ومحاربة التهميش (2-2)

علي أحمد دقاش **
قلنا في الجزء الأول من هذا المقال إنه يجب علي البنوك الموازنة بين ضوابط الحفاظ علي المال وعدم تبديده بواسطة السفهاء الذين لا يحسنون إدارتة وفق قاعدة (لا تؤتوا السفهاء أموالكم ) وبين تيسير الضمانات وجعل إستثمار مال البنوك يشمل الفقراء الذين لا يملكون أصولاً لرهنها وهو ما ترمي اليه الاية القرآنية :
{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ}.
لابد للبنوك من إبتكار وسائل ضمان تناسب أصحاب المشروعات الصغيرة الذين لا يملكون عقارات لرهنها حتي لا يحرموا من تمويل البنوك.
نجاح الشمول المالي يحتاج إلى سياسات متآزرة يتم سنها في قطاعات مختلفة ، وأتفق مع هبة محمود تماماً في أن قطاع الإتصالات لعب دورا أساسيا في تسهيل عمليات الدفع الالكتروني وانشاء المحافظ الالكترونية ووصول الخدمات المالية إلى الريف، إذ أصبح الموبايل وسيلة لإجراء العمليات البنكية في كل مكان بفضل توسيع تغطية شبكات الاتصال.
بالرغم من عدم امتلاكنا لاحصائيات دقيقة عن عدد الذين يمتلكون حسابات بنكية من الشباب والمرأة وصغار المنتجين، وهم من القطاعات الأساسية في قاعدة الاقتصاد الاجتماعي إلا أن المؤشرات العامة تؤكد أن أعداد أصحاب الحسابات البنكية تضاعف أضعافاً عديدة على ماهو عليه قبل عشرين عاماً عندما بدأ قطاع المشروعات الصغيرة يتأسس و ينمو وينتعش.
واحد من العقبات التي كانت تأخر الحصول علي تمويل للمشروعات الصغيرة هو الاجراءات الطويلة والمعقدة لفتح الحساب البنكي إذ يكتنف ذلك كثير من التعقيدات ويستغرق فتح الحساب زمنا طويلا . لكن بالملاحظة العامة الآن نرى أن عدد أصحاب الحسابات البنكية قد زاد زيادة كبيرة وشمل أصحاب المهن الصغيرة أمثال بائعات الشاي وسائقي عربات الأجرة والركشات والحلاقين وأصحاب البقالة والجزارين وكآفة المهن الشعبية، وهو ما يساعد على نجاح سياسة الشمول المالي وتمويل كل القطاعات التي تمثل قاعدة الاقتصاد.
وكالة الشمول المالي المقترحة تجد اليوم بيئة مهيأة للتوسع في تمويل المشروعات الصغيرة والأصغر فقد انتشر الوعي المصرفي انتشاراً كبيراً.
يؤسفنا أن نقول إن السودان ورغم موارده الطبيعية الهائلة يحتل الآن مكانة متأخرة في العالم حسب مؤشرات الأمن الغذائي، فإذا اعتمدنا تعريف الأمن الغذائي بأنه :
(الحالة التي يتمتع فيها الناس في جميع الأوقات بإمكانية الوصول المادي والاجتماعي والاقتصادي إلى طعامٍ كافٍ ومغذٍ يلبي احتياجاتهم الغذائية لحياةٍ صحيةٍ ونشطة) وإذا كانت مؤشراته هي توافر الغذاء ، جودة سلامة الغذاء ، الاستدامة والتكيف، تحمل تكاليف الغذاء، وحسب آخر إحصائية حصلنا عليها قبل الحرب فإن الوضع في السودان عام 2022 قبل الحرب كان كالاتي :
1/ الترتيب العام لجمهورية السودان من بين 113 دولة هو 105- 113
2/ترتيبه العالمي في تحمل تكاليف الغذاء: 113/106
3/ ترتيبه في توافر الغذاء:113/92
4/ ترتيبه العالمي في جودة وسلامة الغذاء: 113/86
5/ ترتيبه في الإستدامة والتكيف: 113/109
هذه المؤشرات يمكن تحسينها بدرجة كبيرة بزيادة قاعدة الإنتاج الزراعي وتمويل أكبر عدد من المنتجين الصغار وهو ما سيتحسن بتطوير سياسة الشمول المالي وتكوين وكالة تطوير المشروعات الصغيرة.
الشمول المالي يخدم تطوير الزراعة والصناعة وتوسيع قاعدة الإنتاج ومعروف أن نماء وإستقرار الإنتاج الزراعي يؤدي إلى توفير المواد الخام عموماً ومدخلات الصناعات التحويلية الزراعية بصفة خاصة بأسعار تنافسية مما يساعد علي إزدهار الصناعة عامة والصناعات الغذائية خاصة و تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي وتوفير فرص العمل ومحاربة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.
الاهتمام بالشمول المالي وإنشاء إدارة عامة له في بنك السودان وإلحاق ذلك بإنشاء وكالة لتطوير المشروعات الصغيرة والأصغر والمتوسطة وريادة الأعمال كما اقترحت هبة وسمتها الحلقة المفقودة يحقق الآتي:
1/ يحقق العدالة الاجتماعية ويحارب التهميش ويدمج صغار المنتجين في النظام الإقتصادي للدولة ويجعل عدد المستفيدين من فرص التمويل البنكي أكبر .
2/ يحقق التنمية المستدامة ويزيد الإنتاج بزيادة عدد المنتجين
3/ يحقق الأمن الغذائي بزيادة الانتاج الزراعي والصناعي و يسهل الوصول إلى الغذاء.
4/ زيادة الصادرات وتحقيق النمو وتحسين ميزان المدفوعات
أتمنى أن يكون ما قام به بنك السودان خطوة في طريق يقود إلى العدالة الإجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة وأكرر مقترحي بتنظيم ورشة خاصة لتطوير المقترح.
** باحث مهتم بالاقتصاد الاجتماعي



