أسلحة كيميائية في السودان: هل نعيش «عراق 2003» مرة أخرى؟

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان
في فبراير 2003م، وقف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي يلوّح بأنبوب زجاجي صغير يحتوي على مسحوق أبيض، مدّعياً أنه عينة من «الأنثراكس» العراقي.
بعد عقدين من الزمان، وصف باول تلك اللحظة بأنها «وصمة عار» في مسيرته.
اليوم، في نوفمبر 2025م، تعود القصة نفسها تقريباً، لكن المسرح هذه المرة هو السودان، والمتهم هو الجيش السوداني.
منذ يناير 2025م، بدأت الولايات المتحدة تروّج لرواية تزعم أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية ضد مليشيا الدعم السريع، ثم تحولت الرواية من «معلومات استخباراتية» إلى عقوبات على الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مايو الماضي، وأخيراً إلى طلب رسمي في 26 نوفمبر يدعو الحكومة السودانية إلى الاعتراف بالانتهاك والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية — من غير أن تصدر المنظمة أي تقرير رسمي أو تُمنح جهة مستقلة حق التحقق الميداني.
اللافت أن مليشيا الدعم السريع معروفة بولعها بتصوير المعارك ومشاهد الموت حتى بين أفرادها، ومع ذلك لم تُعرض أي أدلة مصوّرة أو شهادات موثوقة تثبت وقوع هجمات كيميائية: لا ضحايا بحروق أو أعراض تنفسية، ولا مناطق ملوثة. كما لم تُسجَّل وفيات جماعية بين المدنيين بسبب تلوث كيميائي، بينما كانت معظم حالات الاستشهاد نتيجة إطلاق نار أو نقص الغذاء والرعاية الطبية خلال سيطرة المليشيا. أما الأوبئة التي شهدتها بعض مناطق الخرطوم فهي أمراض موسمية تفاقمت بسوء البيئة.
والأهم أن الاشتباكات في هذه الحرب تجري في كثير الأحيان من المسافة صفر، ما يجعل استخدام الأسلحة الكيميائية عملاً انتحارياً لأنها ستصيب القوات نفسها.
وفي السياق، نفى وزير الخارجية السوداني السابق علي يوسف الاتهامات الأمريكية قائلاً: “الجيش السوداني لا يملك أسلحة كيميائية، وأي اتهامات موجهة له باستخدامها غير صحيحة.”
كما جدد السودان، خلال مشاركته في مؤتمر الدول الأطراف باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي الشهر الماضي، التزامه الكامل بالاتفاقية ورفضه لتسييس عمل المنظمة، مؤكداً استمراره في التحقق من الادعاءات.
يُذكر أن السودان وقّع وصادق على اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدميرها في مايو 1999م.
ختامًا هل يُعاد إنتاج مشهد باول 2003 في نسخة سودانية؟ أم أن العالم سيتعلم أخيراً أن الحقائق لا تُبنى على الأنابيب الزجاجية، وأن الاتهامات الكبرى تحتاج إلى أدلة أكبر؟



