رأي

سياسة الأبواب المفتوحة لقحت… والمغلقة للسودان: أزمة حياد أفريقية

مهند عوض محمود

في لحظة مصيرية يواجه فيها السودان حرباً تهدد كيانه ووحدته الجغرافية والاجتماعية، يبدو المشهد السياسي أكثر انقساماً وتشوشاً من أي وقت مضى. فبينما يعمل السودانيون على حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة، ما تزال قوى سياسية — وعلى رأسها قحت وصمود — تتعاطى مع الأزمة بذات الأدوات التي أوصلت البلاد إلى هذا المنعطف الحرج: مواقف متذبذبة، شعارات مكررة، واستثمار سياسي لا علاقة له بآلام الناس ولا بواقع الدولة.

هذه القوى، التي فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية، عادت اليوم لتقدم نفسها مرة أخرى بوصفها “البديل المدني” القادر على إنقاذ البلاد، بينما لم تقدّم طوال السنوات الماضية سوى مزيداً من الانقسام والضجيج والتسويق الخارجي. ومع اشتداد الحرب، ظهر بوضوح أن ما تمتلكه هذه الكيانات من حضور هو مهارة عالية في إنتاج البيانات والترويج، لا القدرة على بناء مشروع وطني حقيقي. فخطابها السياسي يتبدل وفق اللحظة السياسية لا وفق رؤية ثابتة: مرة تعتبر الدعم السريع شريكاً، ثم تتهمه بالانقلاب، ثم تعود للحديث عنه باعتباره طرفاً “لا يمكن تجاهله”. ومرة تهاجم الجيش، ثم تناشده، ثم تطالب بإصلاحه تحت إشرافها. وفي كل حالة، يتشكل خطابها بما يخدم موقعها التفاوضي الخارجي لا بما يعكس حاجات المواطن.

ويبرز هنا الدور الأكثر إثارة للجدل: موقف الاتحاد الأفريقي مما يجري في السودان. فبدلاً من لعب دور الوسيط المحايد، بدا الاتحاد وكأنه يفتح أبوابه لطرف واحد حصراً. وقد تجلى ذلك بوضوح في الزيارة اللافتة التي قام بها وفد “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة – صمود” إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 5 نوفمبر 2025، حيث عقد الوفد سلسلة لقاءات مكثفة داخل مقر الاتحاد الأفريقي نفسه. التقى الوفد مسؤولي ملف السودان وعلى رأسهم السفير محمد بلعيش، كما عقد اجتماعاً مطولاً مع محمد الأمين سويف، كبير موظفي مكتب مفوض الاتحاد الأفريقي. وخلال هذه اللقاءات، قدمت صمود رؤيتها السياسية، وتحدثت عن وقف إطلاق النار، وربط المسارات، وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية، وكأنها الجهة المخوّلة حصرياً للحديث باسم السودان دون أي منافس أو رقيب.

وهنا تتجلى المفارقة: فبينما يعلن الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية السودان في لحظة احتياج قصوى للوساطة والدعم الإقليمي، يفتح في الوقت ذاته قاعاته لأطراف سياسية محدودة، ويستمع لرؤاها المطاطة، دون أن يفتح المجال للقوى الوطنية الأخرى التي تمثل جزءاً أصيلاً من الواقع السوداني. وهذا النوع من الانفتاح الانتقائي يخلق انطباعاً بأن الاتحاد لا يكتفي بعدم الحياد، بل يسهم — بقصد أو دون قصد — في إعادة إنتاج المشكلة نفسها التي توغلت فيها البلاد خلال الأعوام الماضية.

وتتأكد هذه الصورة أكثر عندما نلاحظ كيف تحولت المعاناة الإنسانية في السودان إلى مادة خطابية جاهزة لدى هذه القوى. فبدلاً من وجودها في ميادين الإغاثة أو غرف الطوارئ، اكتفت صمود وقحت باستثمار صور الخراب كوثائق تُعرض في العواصم الأجنبية. أصبحت أرقام النزوح، والانتهاكات، وتفاقم المجاعة، وانهيار البنية الصحية، مجرد عبارات جاهزة تضاف إلى أوراق الاجتماعات الخارجية لانتزاع “تعاطف دولي” يعزز موقعها السياسي، لا لتخفيف المعاناة داخل السودان.

لقد استخدمت هذه القوى مآسي النازحين كمنصة لعرض نفسها دولياً، دون تقديم أي دور فعلي على الأرض. وتحوّلت الانتهاكات إلى أوراق سياسية تُنتقى بعناية وفق ما يخدم الرواية المرغوبة. وأصبحت تقارير المجاعة توظف كأداة للضغط لا كصرخة لإنقاذ الناس. بل حتى القضايا الجندرية، بما فيها العنف ضد النساء، جرى تصويرها في سياقٍ يخدم أجندة خارجية، دون أي جهد حقيقي لحماية النساء أو دعمهن داخل البلاد. وهكذا تحولت الكارثة الإنسانية من مأساة وطنية إلى وسيلة تسويق سياسي، تُستخدم لانتزاع شرعية خارجية لا تستند إلى وجود حقيقي داخل السودان. وهذا السلوك يكشف للقراء — وللسودانيين كافة — أن هذه القوى مكشوفة تماماً، وأن خطابها الإنساني ليس سوى غطاء لأهداف سياسية ضيقة.

ويأتي هنا التأثير الأخطر: شرعية سياسية مصطنعة تنشأ من الاجتماعات الخارجية لا من الواقع الداخلي. فالشرعية في السودان لم تعد تُستمد من المنصات الإعلامية أو المؤتمرات الصحفية أو اللقاءات الدبلوماسية، بل من القدرة على الفعل الوطني داخل البلاد، ومن مدى الارتباط الحقيقي بالناس، ومن تحمل تبعات الحرب اليومية. وعندما تستقبل مؤسسات إقليمية طرفاً واحداً وتستمع لروايته دون غيرها، فإنها لا تمنحه شرعية مستحقة، بل شرعية بروتوكولية هشة — شرعية بلا جمهور، وبلا قاعدة، وبلا أثر فعلي على الأرض.

وهكذا تصبح هذه الزيارات جزءاً من أزمة الشرعية ذاتها، لأنها تقفز فوق الواقع وتقدم تمثيلاً مشوهاً للمشهد السياسي، وتعيد إنتاج انطباعات خاطئة لدى الاتحاد الأفريقي حول “من يمثل من” داخل السودان. فحين يجلس وفد مع الاتحاد لطرح “رؤية للسلام”، بينما لا يملك وزناً شعبياً ولا قدرة تنفيذية ولا مسؤولية عن أعباء الدولة، تصبح الشرعية مجرد ترتيبات خارجية لا تمت بصلة للواقع الوطني.

إن السودان لن يُبنى بهذا المنطق. ولن تخرج الدولة من أزمتها عبر انحياز مؤسسات إقليمية لطرف دون آخر، ولا عبر إعادة تدوير من شارك — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — في خلق بيئة الفوضى التي سبقت الحرب. الطريق الوحيد يبدأ بحوار وطني شامل يجمع كل القوى الوطنية التي لم تتورط في دعم المليشيا وتمكينها وتمويلها، لا من اعتقدوا أن الدبلوماسية الخارجية يمكن أن تعوض غيابهم عن الشارع.

فالسودان في حاجة إلى رؤية تنطلق من الواقع، لا من مكاتب الاتحاد الأفريقي. وإلى إرادة وطنية تضع مصلحة الدولة فوق كل الاعتبارات الصغيرة. وإلى وساطة إقليمية نزيهة تستمع لجميع الأطراف، لا إلى وفود تتقن الخطابة أكثر مما تتقن بناء السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى