كينيا على حافة إعادة تشكيل كبرى … وغاشاغوا يضع السودان في قلب اللعبة

مهند عوض محمود
تشهد كينيا حراكًا سياسيًا غير مسبوق يكاد يعيد رسم الخارطة السياسية في البلاد، بعدما خرج نائب الرئيس السابق ريغاثي غاشاغوا من دائرة السلطة ليقود موجة سياسية تتجاوز حدود الخلافات الداخلية وتمتد آثارها إلى الإقليم كله. فالرجل لم يعد مجرد معارض طامح، بل مركز ثقل جديد يعيد تشكيل التحالفات داخل نيروبي ويستقطب اهتمام العواصم الإقليمية، بعد أن اتخذ من الساحة الدولية — وتحديدًا منبر الجاليات في الولايات المتحدة — منصة لمواجهة الرئيس وليام روتو، مطلقًا اتهامات تمسّ ملفات شديدة الحساسية، أبرزها الحرب في السودان وشبكات الذهب العابرة للحدود. ومع تسارع خطوات غاشاغوا لبناء معارضة واسعة قبيل انتخابات 2027، يجد السودان نفسه في قلب هذا الاشتباك، لا بوصفه ملفًا خارجيًا، بل كعامل مؤثّر في معادلة القوة الجديدة داخل كينيا.
منذ عزله في أكتوبر 2024، بدأ غاشاغوا إعادة بناء موقعه السياسي عبر تأسيس حزب “ديمقراطية من أجل المواطنين” (Democracy for the Citizens Party – DCP)، مستندًا إلى نفوذه المتجذّر في منطقة جبل كينيا (Mt Kenya region)، التي تشكّل إحدى أكبر الكتل الانتخابية في البلاد. وخلال أشهر قليلة، نسج تحالفًا مع اثنين من أبرز الشخصيات في المشهد السياسي الكيني:
كالونزو موسيوكا، نائب الرئيس الأسبق ورئيس حزب Wiper، الذي يمتلك قاعدة انتخابية واسعة في المنطقة الشرقية وقومية كامبا؛ ومارثا كاروا، وزيرة العدل والشؤون الدستورية السابقة والملقبة ”بالمرأة الحديدية“، صاحبة النفوذ العميق داخل المجتمع المدني والطبقة المتعلمة والمدافعين عن دولة القانون.
هذا التحالف منح غاشاغوا بعدًا وطنيًا يتجاوز مناطقه التقليدية، وخلق حوله كتلة سياسية قادرة على تحدّي الحزب الحاكم بشكل غير مسبوق منذ صعود روتو إلى السلطة.
وفي يوليو 2025، اتخذ صعود غاشاغوا بعدًا دوليًا حين بدأ جولة سياسية في الولايات المتحدة، أعلن عنها مكتبه وحزبه، وتنقّل خلالها بين عدد من المدن، كان أبرزها سياتل حيث عقد لقاءات جماهيرية كبيرة مع الجالية الكينية. وشملت زيارته فعاليات مفتوحة في قاعات الفنادق والكنائس ومراكز الجالية، إضافة إلى جلسات حوارية مع مجموعات من الناشطين ودوائر بحثية معنية بملفات شرق أفريقيا. وخلال هذه الجولة، قدّم نفسه بوصفه الزعيم الفعلي للمعارضة الناشئة، وطرح رؤيته حول الاقتصاد والسياسة الداخلية والدور الإقليمي لكينيا.
ورغم أن الجولة كان مخططًا لها أن تستمر لفترة أطول، غير أن غاشاغوا عاد إلى نيروبي في وقت أبكر من المتوقع بسبب تسارع التطورات السياسية داخل البلاد وبدء تشكّل تحالف واسع حوله.
إلا أن ما أثار الجدل الحقيقي في خطاب غاشاغوا الخارجي لم يكن حجم الحضور الجماهيري، بل طبيعة الاتهامات التي وجهها للرئيس روتو ؛ فقد اتهمه علنًا بالاستفادة من شبكات الذهب المرتبطة بقوات الدعم السريع المتمردة في السودان، زاعمًا أن نيروبي باتت مركزًا لغسل الذهب السوداني وتهريبه إلى الخارج، وأن هذه الشبكات تساهم في إطالة الحرب داخل السودان. كما دعا واشنطن إلى إعادة تقييم تصنيف كينيا كحليف رئيسي من خارج الناتو وفتح ملفات تتعلق بالإرهاب وغسيل الأموال وتأثيرها على أمن المنطقة.
هذه التصريحات — غير المسبوقة لمسؤول كيني سابق رفيع — وضعت الرئيس روتو في موقف دفاعي داخليًا وخارجيًا، ودفعت الحكومة إلى نفي قاطع لكل ما ورد، وطلب إفادات رسمية من غاشاغوا بشأن تلك المزاعم.
وقد تباينت ردود الأفعال داخل كينيا وخارجها. ففي الجاليات بالخارج، وجد غاشاغوا دعمًا من قطاعات واسعة من الشباب الساخطين على السياسات الاقتصادية والأمنية للحكومة، بينما اعتبره آخرون يسعى لاستغلال ملفات حساسة بهدف كسب نقاط سياسية. أما في الداخل، فقد عزّزت تصريحاته مكانته كقائد محتمل للمعارضة، ودفعت العديد من قياداتها إلى النظر إليه كواجهة قادرة على توحيد الصفوف في مواجهة روتو.
وتنعكس هذه التطورات مباشرة على السودان، الذي يجد نفسه الآن لاعبًا — أو بالأحرى موضوعًا سياسيًا — داخل معركة القوة في نيروبي. فحين يصبح ملف السودان جزءًا من خطاب الصراع الكيني، فإنه يتحوّل إلى ورقة مساومة سياسية يمكن أن تُستغل لإسقاط شرعية طرف أو تعزيز موقف آخر.
إنّ سيناريو “تسييس السودان” داخل كينيا يعني أن الخرطوم قد تتعامل مستقبلًا مع مواقف كينية متأرجحة، تُحدّدها الحسابات الانتخابية أكثر من التقديرات الاستراتيجية. كما أن انقسام القيادة الكينية — إذا تعمّق — قد يفرز رؤى متناقضة حول دور كينيا في المسار السوداني، الأمر الذي قد يؤدي إلى إرباك الجهد الإقليمي بدل تعزيزه.
ومع اقتراب انتخابات 2027، يبرز سؤال استراتيجي: هل يستطيع ريغاثي غاشاغوا تحويل هذا الزخم السياسي والشعبي إلى مكسب انتخابي حقيقي؟
تعتمد الإجابة على قدرته على توحيد المعارضة، والحفاظ على تماسك Mt Kenya region، وبناء خطاب عابر للقبائل والأقاليم يمكن أن ينافس به الحزب الحاكم. وإن نجح في ذلك، فقد تشهد كينيا أول إعادة تشكيل سياسية كبرى منذ عقدين، بما يحمله ذلك من آثار مباشرة على السودان وعلى منظومة الأمن الإقليمي.
في المحصلة، ما يجري في كينيا اليوم ليس مجرد تنافس داخلي على السلطة؛ بل هو فصل جديد من صراع النفوذ في شرق أفريقيا، حيث تتداخل السياسة الداخلية مع الحرب السودانية، وتتقاطع طموحات القادة مع اهتزازات الإقليم. وفي هذا السياق المعقد، يجد السودان نفسه — شاء أم أبى — جزءًا من لعبة سياسية كبرى تُعاد صياغتها الآن داخل نيروبي.



