ما دوامة يا عبد القادر

القوى الصلبة مثل المساحة والمناخ والتضاريس والقدرات الاقتصادية والقدرات العسكرية والذي منه، تبني دولة …القوى المرنة مثل التعليم والإعلام والدبلوماسية والذي منه، تبني دولة … وإذا أحسن توجيهها يمكن أن تسهم في بناء الأمة… القوى الناعمة مثل الغناء والتشكيل والدراما والرياضة وكل الذي منه تبني أمة ….
دولة السودان التي صنعت صناعة… من لدن محمد علي باشا 1821 لم يكتمل بناء الأمة فيها… لا بل حتى الدولة لم تثبت خارطتها حتى الآن …فدولة كتشنر التي أسستها اتفاقية اللورد كرومر/وبطرس غالي 1898 ..غير دولة محمد علي باشا المشار إليها أعلاه …،وفي عام 2011 انشطر السودان إلى دولتين … والآن اليوم العلينا دا تهتز خارطة دولة النص الفوق والمقص يتراقص فوقها.
….وأنا ما بفسر وانت ما تقصر …
تلك الارتدادات السياسية أثرت على بناء الأمة ولكنها لم توقف مسيرة بنائها .. وذلك لأن القوى المرنة لم تتوقف ..خاصة الغناء .. فالآن في دولة جنوب السودان الفنانين الذين لديهم (عدادات) هم الذين يغنون أغنية السودان القديم …حكى لي أحد الأساتذة الذين ذهبوا لجنوب السودان في سبعينات القرن الماضي لإقامة دورة تدريبية لمعلمي اللغة العربية، أنهم ووجهوا بعراقيل سياسية… ولم تنجح الدورة .. وفي ذات الأيام ذهب إلى أحد أندية جوبا .. فظهر الفنان وردي في التلفزيون وهو يغني (يا بلدي يا حبوب) فإذا برواد النادي يتركون الكوتشينة والضمنة والونسة وأخذوا يغنون مع وردي …فختم الأستاذ الحكاية بالقول قلت في نفسي ياريت جهد الدورة لو صرفناه في إحضار بعثة فنية …حكي لي أحد القادمين من دولة جنوب قبل حوالى عام ..أنه رغم أن اللغة الرسمية …لغة المكاتب هي اللغة الانجليزية إلا أن اللغة المسيطرة على السوق والشارع هي اللغة العربية فهي لغة التخاطب الرئيسية بين مختلف القبائل وحتى القادمين للجنوب من الخارج … الصحف التي توزع هي الصحف العربية هما اثنتان مقابل واحدة انجليزية .. معظم ساعات بث الراديو والتلفزيون باللغة العربية ..وهذا ما اصطلح عليه (باللونقا فرانكا) Lingua Franka ..ليس هذا فحسب بل إن عربي جوبا ذو الضمائر المتصلة (أنا أخو بتاع إنت) قد تراجع لصالح اللغة العربية (أنا أخوك ) حدث كل هذا بعد انفصال الجنوب شايف كيف ..
إذن يا جماعة الخير فن الغناء يبني أمة لذلك لابد تهيئته للقيام بهذا الدور ..أغنية الوسط أي الأغنية الأم درمانية رغم انتشارها ولعوامل موضوعية … اسهامها في بناء الوجدان السوداني المشترك… إلا أنها لم تعبر عن كل السودان .. لأنها تقوم على ايقاعات محدودة أشهرها التُم تُم والريقي .. ومقامها الموسيقي سباعي … استطاع النعام فرض إيقاع الدليب وهو تراث شايقي رغم أن النعام نفسه من عرب الهوارير .. لكن الإضافة الايقاعية الكبرى هي تلك التي أضافها أولاد كردفان، فقد رفدوها بثلاثة ايقاعات في زمن وجيز وهي إيقاع المردوم والجراري والهسيس … فرقة فنون كردفان رفدت العاصمة بكوكبة من الفنانين فكوا احتكار فناني الوسط للفضاء الغنائي السوداني … إبراهيم موسى أبا … عبد القادر سالم… صديق عباس .. عبد الرحمن عبد الله … أغنية (الدنيا ما دوامة) على إيقاع المردوم أقامت الدنيا ولم تقعدها .. وكذا أغنية (الليلة والليلة دار أم بادر يا حليلها) على إيقاع الجراري فعلت نفس الشيء وكذلك أغنية (كباشي كان برضى وصلني ود بنده) على إيقاع الهسيس . ..
حكى زيدان إبراهيم أنه عندما رأى الأغنية الكردفانية استلمت الأجواء استدعى صديقيه الشاعر التيجاني الحاج موسى والموسيقار عمر الشاعر وطلب منهما أغنية مردوم بأسرع فرصة … فكانت أغنية (أسير حسنك يا غالي …)
عبد القادر سالم شكل إضافة كبرى للأغنية السودانية لأنه تعامل مع الايقاعات الكردفانية بوعي وعلم، ولم يعتمد على الموهبة فقط … بدأ عبد القادر بإثبات جدارته الغنائية بأغنية الوسط …. إذ دخل على المستمع السوداني بأغنية من أغاني الوسط … وهي أغنية مكتول هواك يا كردفان، وكانت بالسلم السباعي .. شاعرها من ريفي بحري عمل بكردفان فمزج حبه لكردفان بوصف حببها لكل أهل السودان … لحنها عبد القادر لحناُ شجياً ينسجم مع الشجن الموجود فيها … فكانت أغنية الساعة وقت ظهورها (أسير غزال فوق القويز/كلام غزل مسعول لذيذ/ودمعات عتاب من زولاً عزيز/سالت بحر شال القليب في كردفان /مكتول هواك أنا من زمان)، وبعدها اتجه للأغنية التراثية الكردفانية ونقلها بوعي للمركز بل وللعالم … فكانت اللوري حلّ بي … الله الليموني والبرتكان الناير .. وليمون بارا ..شن تهدي يا الهداية .. وغيرها من الدرر وأحيانا يعود للسلم السباعي (جيناك زي وزين) وهي من كلمات فضيلي جماع فمحتواها كردفاني ..
عبد القادر سالم نقل الأغنية الكردفانية وبالتالي السودانية لمصاف العالمية وذلك لتميز ألحانه … نحن في شرخ الشباب في ذات مسامرة كان معنا هنري وهو من أولاد الزاندي قلنا له دايرين غنا بالزاندي فرفض وقال إنه لا يقل عنا وحايغني غنا بتاع رادي. ..فقلنا حاتغني شنو ؟ فقال بغني (الكراع ميموني) استغربنا في الاسم… وطلبنا منه أن يبدأ لكي نعرف ماذا يقصد …فإذا به يتناول التربيزة للايقاع ويغني الله الليموني بانضباط لحني وإيقاعي عاليين .. وشلنا معه نحن نردد الله الليموني وظل هو في الكراع ميموني وأكمل الأغنية بفهمه لها…
في وصلة غنائية كان عبد القادر يغني مكتول هواك فدخل عليه الفنان محمد الأمين بصوته القوي وأدائه المتميز …فقدم أغنية موازية على ذات اللحن والايقاع ….
الفنانة العالمية اليهودية راحيل التي عرفناها في السودانية بأغنية (القمر بضوي شن بلاني بالنجوم )…. غنت لعبد القادر (حليوه يا بساما/الفايح نساما) فجاءت عالمية يغني عليها سرور … هنري و أبو اللمين وراحيل …ما أعظم ألحانك يا عبد القادر …
عبد القادر سالم كان رمزاً اجتماعيا بارزا في سوداننا المعاصر فهو الذي درس في جميع المراحل التعليمية الابتدائي والوسطى والثانوي والجامعي وفوق الجامعي … عمل نقيبا للفنانين لعدة دورات فكانت خدماته لهم لا مثيل لها شهد لها كل الناس ..ينسب لكمال ترباس القول أنه إذا مرض أحد الفنانين يقوم النقيب عبد القادر بملازمته من الإسعاف إلى أن يخرج من المستشفى إلى بيته أو إلى قبره (لا قدر الله ) بين الأقواس ليست من ترباس ..
عندما سمعت بخبر وفاته انتابني حزن عميق وأحسست أنني فقدت صديقا عزيزاً… رغم أني لم أتشرف بمعرفته معرفة شخصية … لكنه الفن الراقي المطرز بالعلم … والسيرة الذاتية البازخة.. والحضور الدائم .. والأخلاق العالية واللسان العف… والمشروع الغنائي العظيم الذي أنجزه .. كل هذا جعله صديقا لكل الشعب الذي عاصره …نحمد الله أننا عشنا عصر عبد القادر سالم … فاللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة. ..واجعل البركة في عقبه …. فيا عبد القادر إن تفككت الدولة السودانية التي عشت فيها (لا قدر الله)… فإن الأمة السودانية التي اسمهت في بنائها قادمة بإذن الله ..



