منتدى الشراكة الروسية الأفريقية بالقاهرة: السودان يوصل صوته والقارة ترفض الوصاية وموسكو تحاول فك العزلة

القاهرة- المحقق- صباح موسى
تشهد السنوات الأخيرة محاولات روسية، لمزيد من كسب الثقة الأفريقية، وترقية العلاقات مع دول القارة من مستوى التعاون المتواضع إلى مستوى الشراكة الإقتصادية، بحثا من موطئ قدم ترث فيه تركة المستعمر الغربي، في وقت يستقبل فيه الآفارقة هذه المحاولات بالترحيب والتفاؤل والبحث عن علاقات مبنية على الندية والإحترام المتبادل للتخلص من الوصاية الغربية، وتحقيق عالم متعدد الأقطاب، تستطيع من خلاله أن تخلق عدالة غابت عن أفريقيا كثيرا.
تعزيز العلاقات
وفي هذا السياق استضافت العاصمة المصرية القاهرة اجتماعًا رفيع المستوى ضمن إطار التعاون الروسي-الأفريقي، بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وممثلين عن عدد من الدول الأفريقية، إلى جانب وفد روسي، وذلك في ظل تحولات متسارعة تشهدها الساحة الدولية والإقليمية، ويهدف الاجتماع إلى تعزيز الشراكة الروسية-الأفريقية، وبحث آفاق التعاون المشترك في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والأمن، إضافة إلى مناقشة قضايا التنمية، والتحديات التي تواجه القارة الأفريقية في المرحلة الراهنة، وشهدت جلسات الاجتماع نقاشات حول سبل زيادة التبادل التجاري والاستثمارات الروسية في أفريقيا، لا سيما في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، والتكنولوجيا، إلى جانب التعاون في مجال الأمن الغذائي ونقل الخبرات الصناعية، كما تناول الإجتماع تطورات الأوضاع الأمنية في عدد من الدول الأفريقية، خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، مع التأكيد على أهمية احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحلول الوطنية للأزمات.
زخم متنامي
يأتي هذا الاجتماع في سياق الزخم المتنامي للعلاقات الروسية-لأفريقية، عقب القمم الروسية الأفريقية الأخيرة في عامي 2019 و2023 بروسيا، وفي ظل توجه العديد من الدول الأفريقية إلى تنويع شراكاتها الدولية، والبحث عن نماذج تعاون قائمة على المصالح المتبادلة وعدم الإملاءات السياسية، وتحاول روسيا عن طريق هذه المنتديات أن تتفادى العقوبات والعزلة المفروضة عليها، وترى في أفريقيا ساحة مهمة لتحقيق تعاون اقتصادي سياسي وأمني وثقافي طموح، نسبة لما تمتلكه أفريقيا من امكانات كبيرة استفادت منها أمريكا والدول الغربية وعلى رأسها فرنسا كثيرا، من جهتها تحاول الدول الأفريقية التوجه إلى شريك يساعدها في مكافحة الإرهاب الذي تعاني منه منذ عقود، بالاضافة إلى الاستفادة من مزيد من التعاون الإقتصادي يعود عليها بالنفع، ويسهل عليها استيراد السلاح دون تعقيدات، وكذلك منحها قروض دون قيود، وهذا لم يكن يتحقق مع أمريكا وفرنسا بفرضهما عقبات وقيود، وهو ماتراه الشعوب الأفريقية استعمارا جديدا تريد التخلص منه، وتبحث عن بديل يساعدها في استقلالها الاقتصادي والسياسي ويخلصها من الإرهاب ويعلم ويدرب أبنائها، وهو ماتفهمه روسيا جيدا وتحاول تنفيذه، مايجعل موسكو تكسب كل المساحات التي خرجت منها فرنسا وأمريكا، والتي لم تعد الأخيرة تهتم بأفريقيا في السنوات الأخيرة، مما ساعد روسيا كثيرا في التوسع بشكل كبير في القارة، فخروج واشنطن الإرادي، وفشل فرنسا في مكافحة الإرهاب وهيمنتها الإقتصادية في أفريقيا مهد الطريق لدخول مريح لموسكو، رغم أنها حتى الآن لم تستطيع تحقيق مكاسب ملحوظة، وحتى اللحظة لم تسد الفراغ الأمني، ولم تقدم نفسها كبديل مقنع في مكافحة الإرهاب، ومازال حلم التبادل بالعملات المحلية والتخلي عن الدولار صعب المنال.
مشاركة السودان
وزيرة شؤون مجلس الوزراء، الدكتورة لمياء عبد الغفار خاطبت المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة الروسية الأفريقية اليوم “السبت”، مشيدة بالمواقف الروسية القوية الداعمة للسودان خلال الأزمة التى يعيشها الآن، وقالت الوزيرة إن السودان يتطلع لبناء علاقات استراتيجية مع روسيا مشيرة فى هذا الصدد إلى التوقيع المشترك على بروتوكول التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين فى سبتمبر الماضي، مؤكدة توفر الإرادة السياسية لتطوير العلاقات الثنائية بين الخرطوم وموسكو، والتي ستبلغ بحلول العام القادم سبعين عاماً من التعاون البناء والتفاهم المشترك والرؤية الثاقبة والمتحفزة لتطويرها، منوهة إلى أهمية الشراكة الروسية الأفريقية من خلال مخرجات القمتين والاجتماعات الوزارية وخطة العمل 2023-2026 والمخرجات المتوقعة للمؤتمر الحالي، وقالت إن ذلك التطور سوف يسهم في تحقيق الحلم الأفريقي بالتنفيذ الفاعل لأجندة القارة للعام 2063، مشيدة بتنامي العلاقات الثنائية بين روسيا وعدد من الدول الأفريقية، مشيدة بالمبادئ الروسية القائمة على السيادة المتساوية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتبادل المنافع على أساس المصلحة المشتركة، ودعت إلى أهمية إجراء إصلاحات عامة وشاملة للمنظومة الدولية بالأخص مجلس الأمن الدولي والمنظومة الدولية والاقتصادية بما يتماشى مع أسس التوزيع العادل والمتكافي للفرص وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وأكدت أن ماتنتهجه بعض الدول من أسلوب الكيل بمكيالين من ممارسات ومخالفات لايمكن أن تؤدي إلا لمزيد من التصدعات والنزاعات، و أن السودان يتطلع لأن تضع الشراكة الروسية الأفريقية الأسس المتينة لعلاقات مترابطة وبناءة تسهم فى محاربة الظواهر السالبة كالإرهاب والارتزاق والجرائم العابرة للحدود من أجل إرساء دعائم قوية للسلام والأمن والاستقرار.
أساس داعم
من جانبه أكد السفير السوداني بموسكو محمد الغزالي التجاني أن المؤتمر الوزاري الثاني للشراكة الروسية الأفريقية يمثل أهمية خاصة للسودان، وقال الغزالي لـ “المحقق” إن روسيا دعمت السودان، وإنها من أوائل الدول التي أكدت على سيادته، وأهمية المحافظة على مؤسساته الشرعية، مضيفا أن روسيا وقفت بصورة قوية ضد التدخلات الخارجية في الشأن السوداني في المحافل الدولية خاصة في مجلس الامن الدولي، لافتا إلى أن أهمية إنعقاد هذا الإجتماع تأتي من أنه يبحث الأسس الكفيلة لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، ويضع لها خطة عمل واضحة، وقال إن السودان قد وقع بروتوكول للتعاون الإقتصادي والتجاري بين البلدين في سبتمبر الماضي، يتضمن مجالات عديدة للتعاون، موضحا أن مخرجات هذا الإجتماع وخطة العمل للأعوام القادمة ستعد أساساً داعما للجهود الثنائية الروسية والسودانية لتطوير العلاقات إلى آفاق أرحب في مجالات هامة وحيوية للبلدين.
تطور كبير
وأشار غزالي أن المؤتمر ينعقد في وقت تشهد فيه العلاقات الروسية الأفريقية تطورا كبيرا جعل القادة في الجانبين يعملون على وضع الأطر الهيكلية لتعزيز هذه العلاقة، وقال إن ذلك بوضع خطوات عملية لتنميتها من خلال خطة العمل 2023-2026، التي تمت إجازتها في القمة الروسية الأفريقية التي انعقدت بروسيا في العام 2023، مضيفا أن المراقب يلحظ نمو هذه العلاقة من خلال الأرقام حيث زاد معدل التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا ليبلغ 15% بما يعادل 28 مليار دولارا، لافتا إلى أن ذلك يشكل أرضية قوية للعمل لتعزيز وتطوير هذه العلاقة، مضيفا أن هذا الإجتماع يأتي لإجازة البيان المشترك الذي تتضمن فقراته كل مجالات التعاون وسبل ترقيتها في نواحي عديدة سياسية وأمنية واقتصادية وفي مجالات التعليم والصحة والثقافة والرياضة والإعلام، وتابع أن هذا الإجتماع يمهد لإنعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة العام القادم في أفريقيا وإجازة خطة العمل الجديدة للأعوام2026-2029.
ضافية شاملة
ورأى غزالي أن مشاركة السودان بوفد رفيع برئاسة وزيرة شؤون مجلس الوزراء الدكتورة لمياء عبد الغفاركانت ناجحة، وقال إن كلمة الوزيرة أمام المنتدى كانت ضافية شاملة، تناولت رؤية السودان للعلاقات الروسية الأفريقية في ظل عالم يشهد العديد من التغيرات والتقلبات والاستقطابات الحادة، مضيفا أن الوزيرة أكدت على أهمية إحكام التنسيق والتشاور المستمر حتى تسهم هذه الشراكة في تبادل المنافع والمصالح بين الجانبين دون إملاءات أو أجندة تستهدف السيادة والوحدة للدول الأفريقية، وتابع أن السودان تمكن من إيصال صوته في محفل دولي هام يعكس حقيقة ما يدور في البلاد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية الإنسانية التي ترتكبها المليشيا الإرهابية، والدعوة لمحاسبة داعميهم وأهمية إعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب.



