ثقافية

الذاكرة السودانية: قصتي مع منصور خالد وحكاية حوار مع الصفوة (2 من 2)

محمد الشيخ حسين

بدأت قصتي مع د.منصور خالد في العام 1978 عندما شاهدته وجهاً لوجه أثناء زيارته بصفته وزيراً للتربية والتعليم العالي في السودان، مدرسة الخرطوم الثانوية العليا الجديدة، التي كنت حينئذ طالباً فيها.

أما معرفتي بـ د. منصور خالد أشهر من تولى وزارة الخارجية في السودان، فقد بدأت من طرف واحد في فترة مبكرة من بدايات وعيي الشخصي تعود إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عبر كتابه الأول والأشهر (حوار مع الصفوة).

وهنا الجزء الثاني والأخير من قصتي مع منصور خالد وحكاية حوار الصفوة.

*أسئلة مهمة:*

لعل منصور خالد كان مشغولاً في (حوار مع الصفوة) بإثارة أسئلة مهمة مثل: هل يمكن لنخبة سياسية تفضل مصالحها الذاتية أن تراعي مصلحة الوطن والأمة؟ وهنا تصطدم إجابة السؤال بأن خطابات اليمين السياسي فقيرة وبئيسة، تردد نفس الألحان والأوزان وقصص البطولات.

أما اليساريون فلا يزالون تائهين بين ماضيهم ومستقبلهم وتشرذم جماعاتهم.

وضمن هذا السياق، تعيش الصفوة في الأحزاب السياسية السودانية أزمة حقيقية على مستوى تدبير اختلافاتها الداخلية ووظائفها الاجتماعية والسياسية.

فالديموقراطية الداخلية تصبح بدون جدوى كلما تم الاقتراب من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب، حيث يفرض أسلوب التزكية والتعيين نفسه بقوة، ويسود منطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية، بالشكل الذي يكرس (شخصنة) هذه الأحزاب ويحول دون تجددها.

وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى جدية ومصداقية مطالبة هذه الأحزاب للأنظمة السياسية بإعمال أسلوب الديمقراطية، وذلك في الوقت الذي تتنكر له هي نفسها في ممارساتها الداخلية.

على أن المهم في ثنايا حوار د. منصور خالد مع الصفوة السودانية تأكيده القاطع على حاجة مثقفي السودان الشديدة، إلى إلغاء الفصل التعسفي بين القول والعمل، وبين الفكر والكتابة، وبين الرأي الخاص والرأي العام، أو بين الحياة الخاصة والحياة العامة.

*تهدم الصورة المثالية:*

انتهى الفصل الأخير من كتاب د. منصور خالد (حوار مع الصفوة)، إلى أن النخبة السودانية لم يعد لها دور في صنع القرار، وبعد ذلك تهدمت صورتها المثالية وفقدت بمرور الوقت قيمتها التأثيرية على الجماهير.

وهنا يتناول د. منصور خالد، مسألة تتعلق بممارسة النخبة قد أدت إلى “خلق شعور غريب على المجتمع السوداني.. شعور الاستعلاء الطبقي الذي تبدو مظاهره ليس فقط في أسلوب الحياة، بل وفي قيم الحكم التي نسعى جاهدين لغرسها، منتهيا إلى أن هذا (خطر كبير داهم).

على أن المهم في خواطر د. منصور خالد العشرة تأكيده على أن أهم حدث سياسي عقب ثورة أكتوبر 1964، تمثل في مشاركة العمال والمزارعين في الحكومة. واستند في هذه الأهمية إلى أن الوسط السياسي في السودان يحسب أن الحكم في أحسن الأحوال، تكليفاً لصفوة تنتمي لطوائف اجتماعية أو تشريفاً لا يستحقه من ينتمون لطبقات بعينها.

ورغم أن عمر هذا التأكيد تجاوز الـ 60 عاماً، إلا أنه صالح في التجريب على كل الأنظمة السياسية التي سادت في البلاد خلال الـ 70 عاماً التي أعقبت الاستقلال، وربما كانت النتائج كارثية، بغض النظر عن نوع الحكم الذي تجرى عليه التجربة.

*استثنائية سودانية:*

ما يمكن أن نضيفه لحوار د. منصور خالد مع الصفوة التأكيد على أن ثمة (استثنائية سودانية) ليس على مستوى تطور العلاقة بين الثقافة والديمقراطية، بل على مستوى تطور العلاقة بين الأمة والهوية القومية.

وكتب التايخ تفيدنا أن عدم حسم هذه العلاقة، يؤدي إلى تفتيت الكيانات الوطنية القائمة، ويساهم أيضاً بطرق متعددة في عرقلة التحول الديمقراطي، لأنه يكرّس (السلطة)، وليس (الدولة) كضمان لوحدة الكيانات السياسية، في مقابل صراع الجماعات ما تحت القومية.

*تشكيل الرأي العام:*

ليس من ثمة شك، في أن الصفوة السودانية تربت في ظل ثقافة سياسية وأدبية مزدوجة، وعاشت في كنف حكومات مزدوجة تعلن عن الحرية والديمقراطية ثم تمارس القمع والاستبداد والقهر لكل من يخالفها الرأي، وهنا يثور سؤال ما هي المشكلة فهذه تربية تعرضت لها النخب في معظم دول العالم الثالث؟ المشكلة أن هذه النخبة هي المسؤولة عن تشكيل الرأي العام في البلاد، فهي تحتل أغلب المناصب العليا في مجالات السياسة والثقافة والأدب، وهي تعلي من شأن من نسميهم كبار السياسيين، الذين يلعبون مع هذه النخبة الدور الرئيسي في إنتاج وإعادة إنتاج الازدواجية الفكرية والسياسية والأخلاقية في حياتنا العامة والخاصة.

ورغم كل هذا فإن لـ د. منصور خالد مقام السبق في إثارة دور الصفوة.

وصحيح أنه أمضى زهرة شبابه متعالياً على مجايليه بأناقته، والبكور في الكتابة من خلال الركض في بلاط صاحبات الجلالة، والرحيل لأوروبا، وهذا يعطي الرجل حقه في أن يكون أكثر إبهاراً .. لعل د. منصور خالد مصاب بنار تقيم في داخله.

لم يسمح لقفازات الدبلوماسية أن تغتال قدرته على الغضب حين يتفشى الظلم، ولم يسمح لهيبة الوزير أن تدفع المفكر إلى النسيان، بل صاغ ببراعة ميزان التعايش في شخصه بين جدوى الواقعية ورمانسية الأحلام.

ولعل حصاد القول إن السودان أمام تحديات ولادة مشروع وطني حقيقي يلبي طموح السودانيين، ولسنا بصدد تقييم الصفوة، لكننا نقول جبر الله مصابنا في الصفوة السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى