فرصة مبادرة كامل إدريس في الحياة … وغياب التفاعل الدولي معها

محمود حسين سري
قدَّم رئيس الحكومة الانتقالية في السودان دكتور كامل إدريس، أمام أعضاء مجلس الأمن، مبادرة سلام شاملة لإنهاء الحرب المتواصلة منذ ألف يوم في بلاده. نصّت المبادرة التي قدّمها رئيس الوزراء كامل إدريس على إعلان وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المناطق التي تحتلها، وتجميع مقاتليها في معسكرات محددة يتم التوافق عليها، تحت إشراف مشترك (أممي وأفريقي وعربي).
ونصّت مبادرة رئيس الوزراء على دعم المشاريع التنموية في ولايات دارفور وكردفان وبقية الولايات المتضررة، عبر تخصيص موارد حكومية ودولية إضافية، فضلًا عن مشاريع إعادة الإعمار. كما نصّت على إنشاء مشاريع إنتاجية من خلال تأسيس صناديق للتمويل الأصغر، وتوفير فرص عمل، وبرامج تدريب مدني لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين. وأهم ما جاء في هذه المبادرة أنها أول مقترح متكامل من الحكومة السودانية أُعِدّ محلياً، وليس مفروضاً عليها من الخارج. إن المبادرة باختصار هى إعادة تقديم أو إعادة كتابة أو إعادة عرض أو إعادة طرح أو إعادة اقتراح أو تجديد عرض خريطة الطريق التي وضعتها الحكومة وسلمتها للأمم المتحدة في 10 مارس 2025 والتى كان يقول عنها المسؤولين السودانيون أنها تمثل المرجع الأساسي للمضي قدماً نحو تحقيق السلام في البلاد وأنها تعكس تطلعات الشعب السوداني.
وللأسف رفض المجتمع الدولي هذه الخريطة وأخذ يطرح مبادرات أخرى للحل. وجاء رفض المجتمع الدولي للمبادرة لخمسة أسباب رئيسية:
اولا: لأن الحكومة السودانية لم تروج لها بشكل سياسي ودبلوماسي وإعلامي كبير وأهملتها وتركتها تذهب إلى أرشيف الأمم المتحدة.
ثانيا: لم تتبن خريطة الطريق السودانية أطراف سودانية مستقلة وأحزاب سياسية وطرق صوفية وطوائف مسيحية، وقوى في المجتمع المدني ولم يتم طرحها أو تداولها بشكل منظم داخل جلسات الحوار المدني التى نظمتها المنظمات الدولية في مختلف العواصم الأفريقية والأوروبية.
ثالثا: لم تتبن الدولة بشكل رسمي خريطة الطريق وأصرت عليها وفتحت الأبواب خلف الأبواب المغلقة للاستماع إلى المبادرات القادمة من الخارج ولم تطلب من الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً في ملف السودان المساندة لموقف الحكومة للترويج للخريطة ومساندتها ودعمها وتطويرها.
رابعا: خريطة الطريق لم تعكس في صفحاتها تطور الحرب على الأرض واستلام قوات الدعم السريع لإقليم دارفور كاملا والحدود الغربية كاملة وتمددها في إقليم كردفان ووصولها إلى الحدود الشمالية المصرية وبر البحر الأحمر بتكنولوجيا المسيرات، والوضع الإنساني السيء الذى يحتاج إلى تدخل دولي والحل السياسي الذي يحتاج حواراً سودانياً يحقق المصداقية و النزاهة وثقة كل الأطراف المشاركة والاستمرارية ولا يؤدي إلى حرب أو انقلابات جديدة في أقرب تحدي أو منعطف.
ويأتي رد المجتمع الدولي على مبادرة كامل إدريس الجديدة سلبيا لعدة أسباب اهمها الصمت وعدم التعليق وعدم الرد والإصرار على العودة للمبادرات الدولية، ولكن دعونا نستعرض معاً المواقف الدولية:
موقف الرباعية:
لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية أو مصر أو الامارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية أي بيان تأييد أو رفض للمبادرة. فما زالت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصدر في البيانات تحض فيها كلاً من الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، الملقب «حميدتي»، على قبول دعوتها إلى هدنة إنسانية فورية. إن مشكلة الرباعية أنها تركز بنسبة 99 في المائة على هدنة إنسانية كمدخل للحل.
موقف الاتحاد الافريقي:
رحّب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، بمبادرة السلام السودانية التي قدّمها رئيس الوزراء كامل إدريس إلى مجلس الأمن، داعيًا إلى حوار شامل ودعم دولي. ووصف الاتحاد الأفريقي المبادرة بأنها تعد إطار عمل شامل واستشرافي يُظهر فهمًا عميقًا للأزمة الحادة التي تواجه السودان وشعبه، فضلًا عن التزام صادق بإنهاء الأعمال العدائية، ووقف العنف، وتخفيف المعاناة الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
موقف الامم المتحدة:
الأمم المتحدة لم تعلن دعمها لمبادرة كامل إدريس فقد اكتفى مكتب المتحدث باسم الأمم المتحدة بأن الأمين العام يواصل التأكيد على أن السعي لتحقيق سلام دائم وشامل أمرٌ بالغ الأهمية مع دخول النزاع عام جديد وتصر الأمم المتحدة على الاتفاق أولا على وقف فوري للأعمال العدائية والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار يليها السعي من جانب جميع الفاعلين السودانيين على إعطاء الأولوية للتوافق وصياغة رؤية مشتركة لانتقال بقيادة مدنية. وأوضح مكتب المتحدث باسم الأمم المتحدة أن المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان، السيد رمطان لعمامرة، على أتم الاستعداد لمواصلة المشاورات مع الطرفين بشأن التوصل إلى حل شامل ومستدام للنزاع، استكمالا للجهود الجارية التي تبذلها الدول الأعضاء والشركاء الرئيسيون وتعزيزا لها.
موقف تاسيس وصمود والحزب الشيوعى:
رفضت حكومة تأسيس في نيالا، وتحالف صمود، والحزب الشيوعي مبادرة كامل إدريس، واعتبروها إطالةً لأمد الحرب.
موقف الاتحاد الاوروبى:
رفض الاتحاد الاوروبى ودوله الــ27 التعليق أو الرد أو دراسة المبادرة، ومازال الاتحاد الأوروبي يصر على المخرجات التى اعتمدها مجلس وزراء الخارجية السبعة وعشرون الاوروبيين في نوفمبر 2025 والتى تؤيد الرباعية وتطالب بهدنة إنسانية وتواجد قوات دولية في دارفور.
موقف الجامعة العربية:
أفادت الجامعة العربية في بيان أمينها العام أحمد أبو الغيط عن ترحيبه بمبادرة كامل إدريس ووصفت الجامعة العربية المبادرة بأنها تحمل رؤية شاملة ومتكاملة لمعالجة الأزمة السودانية عبر مبادرة سلام قابلة للبناء والتطوير. وأشارت جامعة الدول العربية إلى أن المبادرة تضمنت أبعادا سياسية وإنسانية وأمنية ذات أهمية بالغة وأنها تشكل إطارا جادا يمكن أن يسهم في بلورة مسار شامل للحل، وإنهاء النزاع المسلح، واستعادة الأمن والاستقرار، بما يحفظ وحدة السودان ويصون تماسك نسيجه المجتمعي. وشددت الجامعة العربية على ضرورة التفاعل الدولى مع ما ورد في المبادرة من مقترحات لبناء الثقة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية الى جانب إطلاق حوار سوداني سوداني شامل.
الطريق الى الأمام:
كما استعرضنا سابقا فإن الرد على مبادرة كامل ادريس للسلام ضعيف وهزيل ويعود هذا لعدة أسباب. أول هذه الأسباب هو رفض بعض الدول والحكومات الاعتراف بحكومة كامل إدريس حيث مازال السودان خارج عضوية الاتحاد الافريقي وترفض الدول الغربية تقديم أوراق اعتمادها للحكومة في بورسودان وتكتفي بالاعتراف بها كحكومة أمر واقع فقط.
السبب الثاني يكمن في شخصية كامل إدريس وهى شخصية غير مقبولة للكل في المجتمع الدولي فالرجل إعلامه ضعيف وانجازاته لتحقيق السلام والمصالحة والاستقرار غير واضحة للخارج و لا يضم مكتبه مستشارين يخاطبون العالم باستمرار بلغة يفهمها ويقبلها العالم. وشخصية الرجل تميل إلى الحديث في العموميات فلا يوجد حوار عميق أو مناقشات مسهبة أو تبادل للافكار والحلول أو حوار مبني على الحلول التي يمكن تطبيقها.
ثالثاُ، المبادرة رغم شمولها فإنها خرجت دون تنسيق واضح مع قوى سياسية محلية مؤيدة للجيش أو مؤيدة للحكومة وهو ما يعكس غياب الحوار الداخلى. فلم تخرج خطابات التأييد وبيانات الدعم ولم يتبع المبادرة أي اجتماعات داخلية أو تنسيقية بين الدولة والقوى السياسية والفكرية والمدنية على نشر المبادرة وتعميم بنودها وتوسيع الحاضنة الوطنية لها من مختلف أطياف الشعب السوداني.
كان يمكن للقوى السياسية السودانية الداخلية بدعمها للمبادرة وتبنيها لها خلق حالة دولية وإقليمية متعاطفة ومساندة للمواقف السودانية الرسمية، ومحاصرة مليشيا قوات الدعم السريع وحواضنها السياسية في صمود وتأسيس والمجتمع المدني.
رابعا، لم تنطق أو تعلق أو تؤيد دول إقليمية مهمة ومؤثرة في الصراع السوداني مثل مصر وتركيا و قطر والسعودية والإمارات وجنوب السودان وإيران وإثيوبيا و كينيا ويوغندا وتشاد باي دعم واضح للمبادرة ولم تتفاعل دول مثل الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي بالتعليق على المبادرة، وكان رد فعلهم كأنها لم تكن.
خامسا، أثارت المبادرة اعلاميا جدلاً كثيفاً في المشهد السياسي السوداني منذ تم طرحها، وولدت جملة من الأسئلة تتعلق بطبيعتها والنتائج التي يمكن أن تنتهي إليها وخلص تيار كبير إلى أن المبادرة غير حقيقية وأنها لشراء الوقت ولتجنب غضب الولايات المتحدة الأمريكية لعدم قبول الفريق البرهان لشروط الرباعية ولتجنب عقوبات دولية على الجيش السوداني تحت التحضير.
سادسا، سيطرت على المشهد الدولي والإقليمي خلال الفترة الماضية مبادرة الرباعية الدولية كورقة وحيدة مطروحة لحل المشكلة السودانية وبالتالي ستواجه مبادرة كامل إدريس رفضاً دولياً أو فتوراً دولياً في الرد الدولي ما لم تتحرك الحكومة السودانية والجيش السوداني وحلفاؤهم في الداخل والخارج على فرض المبادرة على الاجندة الدولية ونشرها و تطويرها لتتلاءم مع التطورات في الحرب واستخدامها كمدخل للحوار مع المجتمع الدولي وتضمين بنودها في أي مبادرة دولية مطروحة.
سابعا وإخيرا، ان اهم مافى هذه المبادرة هو أنها أشمل من خريطة الطريق السابقة فهي تضم الجانب الإنساني والذي يركز عليه المجتمع الدولي كخطوة أولى أو كمدخل رئيسي أو على أنه الموضوع الرئيس وهو انقاذ وحماية المدنيين.
لقد أدركت الحكومة السودانية أن حجم المعاناة التي يتعرض لها الملايين من الذين أجبروا على مغادرة مساكنهم، وارتكبت ضدهم جرائم الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري كبير و أصبح عدم تناولها أو تضمينها أو الاعتراف بها أو قبولها في الحوار مع المجتمع الدولي محل تجاذبات واختلاف مع المجتمع الدولي وخصوصا الدول الغربية.
ولكن التقدم لقوات الدعم السريع المتمردة فى كردفان وفقد الجيش لكل معابره الدولية في دارفور مع تشاد وليبيا وجنوب السودان يضعف موقف الحكومة التفاوضي لأنها فقدت مسؤليتها عن مواطنيها وسيادتها على اقليم كامل من أراضيها حيث بات المجتمع الدولي يتواصل مع قوات الدعم السريع المتمردة كسلطة أمر واقع في نيالا لإدخال المساعدات الدولية.
في الختام، إن فرص الحياة لمبادرة كامل إدريس ضعيفة جداً فهي ولدت في غرفة الانعاش تحتضر إلا إذا تحقق المثلث التالى:
أولا: استئناف الجيش خططه الحربية وانتصاراته على الأرض بإرادة صلبة من أجل تحرير المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في إقليم كردفان ودارفور واستعادة حدوده ومعابره مع تشاد وليبيا و جنوب السودان وحرمانها من المناورة بتلك المناطق كورقة من أوراق الابتزاز.
ثانيا: تطوير هذه المبادرة فتتبناها الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي بالامم المتحدة وتدعمها بعض الدول كالمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وتركيا، وقطر و الصين وروسيا. دول قادرة على فرض ودعم موقف السودان في كل المحافل الدولية مما يتطلب على وزارة الخارجية السودانية أن تتحرك وتكثف جهودها في اتجاه تبني المجتمع الدولي للمبادرة وفى اتجاه تسمية قوات الدعم السريع منظمة إرهابية واستمرار المظاهرات الشعبية في العواصم الغربية والحملات في السوشيال ميديا حول جرائم الدعم السريع وانتهاكاته البشعة وحربه على الشعب السوداني. فالمجتمع الدولى لن تتبدل مواقفه إلا من خلال حجم ما يشاهده من جرائم ضد المدنيين على أيدي قوات الدعم السريع الارهابية والمتمردة.
ثالثا وأخيرا: أن تبدأ الحكومة حوارا داخليا حول المبادرة لتكون رأي عام سوداني وأن يتبناها طيف عريض وواسع ومؤثر في الداخل السودانى. وأن تتحول المبادرة إلى حاضنة للحكومة من خلال دعم الاحزاب السياسية والجيش السوداني والحركات المسلحة والقوى السياسية من اليمين واليسار و الطرق الصوفية والطوائف الدينية المسيحية والقيادات الأهلية وقوى المجتمع المدني والاعلام السوداني والحركات الشبابية والنسائية والقوى المدنية الدولية والاجنبية المساندة للسودان.



