سردية الحرب وأفق السلام (7-7): الطريق إلى المستقبل .. نحو غدٍ أفضل

تاج الدين بانقا
إن الطريق إلى المستقبل عملية مركبة، تقوم على القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والاستفادة من الإمكانيات المتاحة، ومواجهة التحديات بوعي، والتشبيك الفعّال مع الشركاء والأصدقاء في الإقليم والعالم. مع أن الواقع الراهن يختلف جذرياً عما شهده السودان في تجاربه السابقة؛ فالتمردات السابقة، على قسوتها، لم تُخلِّف ما خلّفته هذه الحرب من شرخ عميق في القيم والأخلاق، ودمار واسع في البنية التحتية، ونهب للممتلكات، وهجرة قسرية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
ولحماية المستقبل ومنع تكرار ما حدث، لا بد من البحث الجاد في جذور هذه الأزمة ودوافعها الحقيقية وجميع الأطراف الفاعلين فيها وأجنداتهم ، وصولاً إلى تعافٍ شامل ومستدام. كما يجب أن تسير العملية في مسارات متعددة ومتكاملة، من بينها مسار إنهاء الحرب، سواء عبر الحسم العسكري أو عبر تفاوض مشروط لا يكافئ المنتهكين ولا يعيدهم إلى مواقع السلطة بما يتيح لهم الإفلات من العقاب. فلا معنى لتفاوض يساوي بين الجاني والضحية، إذ إن أي عملية لا تحقق العدالة تظل ناقصة وقابلة للانهيار.
لقد شهدت هذه الحرب تعبئة مضلِّلة للمقاتلين مع الدعم السريع على أساس عداوات تاريخية مصطنعة، رغم عدم وجود قواسم قومية أو وطنية مشتركة فيما بينهم . وفي المقابل، فإن المصالح الوطنية العليا تقتضي تغليب البعد المجتمعي الذي يفتح الباب للتعافي الشامل خاصة في ظل الانتهاكات الجسيمة، ومتطلبات إعادة الإعمار لما دمرته الحرب. ويتطلب ذلك الربط المتوازن بين وقف الحرب، وتدابير المرحلة الانتقالية، والتحول الديمقراطي، وإعادة تأسيس الدولة.
وتشمل هذه الأسس بناء وتقوية الجيش الوطني المهني والموحد، ومؤسسات دولة فعّالة، ومجتمع متعافٍ، وشراكات خارجية متوازنة تحفظ سيادة البلاد وتصون كرامة الإنسان. ويتكامل ذلك مع إعلام مهني ومسؤول يحارب خطاب الكراهية، ويعزز فرص التعايش السلمي بين مكونات الوطن.
إن الطريق إلى المستقبل يبدأ بإرادة سياسية واعية ومقتدرة، تمتلك خطة عملية واضحة للخروج من الحرب إلى السلام، قائمة على المواطنة والعدل والتنمية والسيادة . وتقوم هذه الخطة على مسارات مترابطة وقابلة للتنفيذ، ترتكز على مبادئ عامة، أهمها: حماية المدنيين، ووقف الحرب، وعدم مكافأة أي مجرم أو منتهك، مع تمكين المواطنين من استعادة ممتلكاتهم، وإعادة بناء منازلهم، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، وتوفير ضمانات حقيقية لعدم تكرار الانتهاكات عبر نموذج سوداني للعدالة الانتقالية.
لتأمين مستقبل أفضل على الجيش أن يبسط سيطرته الكاملة على مناطق نفوذه ويمنع تمدد المليشيا ويشل قدرتها على التحرك على الأرض أو الجو . وتقوم الحكومة باستعادة خدمة المرافق الأساسية وتؤمن أمن ومعاش الناس وتهيئ للعودة الطوعية مناخها.
ويُعد جوهر ذلك كله تصميم عملية سياسية سودانية خالصة، – مع تقدير دور المنظمات الدولية والمجتمع الدولي المسهل والميسر_ تضمن مشاركة حقيقية لكل الفاعلين السياسيين والمجتمعيين دون إقصاء أو تهميش أو هيمنة، عبر حوار سوداني–سوداني يُجرى الإعداد له وابتداره فوراً من أعلى السلطة ويهدف هذا الحوار إلى التوافق على معالجة آثار الحرب، وتوفير الخدمات الضرورية والأساسية، وضمان الحريات، وتهيئة البيئة اللازمة لبناء مؤسسات دولة فاعلة، والتوافق على كيفية حكم السودان خلال الفترة الانتقالية، وتدابيرها العملية، وتهيئة المناخ لانتقال ديمقراطي يختار فيه الشعب، بحرية كاملة، مَن يحكم السودان ويحفظ وحدته وسيادته.
معلوم أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق؛ بلدٌ مُنهك بالحرب لكنه غني بالإمكانات، والطريق إلى المستقبل فيه الكثير من الفرص رغم التحديات. و الحرب – رغم فداحتها – فتحت نافذة لضرورة دعم القوات النظامية وتأهيلها للحفاظ على الأمن القومي وسيادة البلاد. عبر شراكات استراتيجية واتفاقيات دفاع مشترك وتطوير الأعمال الفنية والتقنية لقدرات البلاد الدفاعية لتواكب المرحلة القادمة، وكذلك تأطير علاقة المركز بالأقاليم في لامركزية حقيقية تؤمن التنمية المستدامة المتوازنة والمشاركة السياسية الفاعلة. و تتيح للدولة فرصة لتوظيف الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي للبلاد و الثروات الهائلة، في شراكات إقليمية ودولية متوازنة. تكون الأولوية فيها لمصالح البلاد العليا.



