ترامب يعرض الوساطة… السعودية والإمارات في المشهد هل تتغير معادلة سد النهضة؟

القاهرة- المحقق- صباح موسى
يعود الرئيس الأمريكي ترامب مجدداً إلى الحديث عن قضية سد النهضة، وإمكانية تدخله للوساطة بين مصر والسودان وأثيوبيا، ويردد دائما أن نهر النيل مسألة حياة أو موت للمصريين، مايعطي انطباعاً أنه يقف مع الطرف المصري في هذا الملف.
مستعد للوساطة:
وقال ترامب في رسالة وجهها أمس “الجمعة” إلى الرئيس السيسي، إن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم مياه نهر النيل، وكتب ترامب في الرسالة التي نشرها على منصة “تروث سوشيال” أنا مستعد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا من أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي، مشيراً إلى الأهمية الكبيرة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، مضيفاً أريد مساعدتكم في التوصل إلى نتيجة تضمن احتياجات مصر السودان وإثيوبيا من المياه على المدى الطويل.
تقدير مصر:
و ردّ الرئيس السيسي معرباً عن تقديره لرسالة ترامب، وجهوده المٌقدّرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وتقديره لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة. وقال السيسي أثمن اهتمام ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري، مضيفا أن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري.
السودان يرحب:
من جانبه رحب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمبادرة ترامب. وقال البرهان في تغريدة على منصة “إكس” إن حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل، وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم.
وحتى -كتابة هذا التقرير- لا يوجد أي رد إثيوبي معلن رسمياً على خطاب ترامب للسيسي حول هذه الوساطة.
رغبة أم مساومة:
ويأتي خطاب ترامب للسيسي أمس بعد عدد من تصريحات للرئيس الأمريكي حول سد النهضة منذ توليه ولاياته الثانية، ودائما يتحدث ترامب في هذا الملف من منطلق عدم الإضرار بحقوق المياه والذي يؤثر سلباً على مصر، ومنذ قيادة أمريكا والبنك الدولي لمفاوضات في سد النهضة في عام 2020، والتوصل إلى اتفاق نهائي وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى، وتهربت إثيوبيا ولم تحضر، وامتنعت السودان لرغبتها في توقيع الأطراف الثلاثة معا، لم تدخل واشنطن على خط الأزمة بشكل جاد، إلا أن رغبة ترامب من آن لآخر في الوساطة في هذا الملف، قد يفسرها البعض على أنها رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق في هذه الأزمة الصعبة يضاف إلى رصيد انجازات ترامب، وقد يفسرها بعض آخر على أن ترامب يريد أن يساوم مصر في هذا التوقيت بحل أزمة سد النهضة في مقابل التنازل في قضايا أخرى في غزة التي لم تنتهِ بعد، وفي وجود إثيوبيا على البحر الأحمر، فإلى أي مدى نقرأ خطاب ترامب، وهل يمكن بالفعل أن تصل أمريكا إلى حلول مرضية في هذه الأزمة؟
ليست الأولى:
من جانبه أشار عضو وفد السودان ومستشاره لمياه النيل السابق الدكتور أحمد المفتي إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تتوسط فيها أمريكا في موضوع سد النهضة. وقال المفتي لــ”المحقق”: عندما تعثرت مفاوضات سد النهضة بعد سنوات من التفاوض دعت أمريكا الطرفين للمفاوضات في واشنطن بتسهيل منها، مضيفا أن هذه المفاوضات استمرت حوالي 4 أشهر، وفي نهايتها قامت أمريكا بصياغة إتفاقية، وطلبت من الأطراف الثلاثة التوقيع عليها، ووقعت مصر، ولكن رفضت اثيوبيا التوقيع ، وانتهت تلك الوساطة الأمريكية، موضحاً أن السبب هو أن إثيوبيا متمسكة بموقفها الذي أعلنته منذ بدء المفاوضات في العام 2005، وهو أنها لها الحق في التصرف في المياه بمفردها، لأن النيل الأزرق مياه إثيوبية وسد النهضة إثيوبي، ومولته إثيوبيا بمالها الخاص، وقال إن أمريكا حاولت الوساطة بمبعوث خاص عينته لكنها لم تنجح ، لتمسك إثيوبيا بموقفها، مضيفا تدخل مجلس الأمن والإتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية أيضا، وجميعهم طالبوا إثيوبيا بالتعاون مع السودان ومصر، وعدم التصرف أحاديا، لكن لم تغير إثيوبيا موقفها، حتي أكملت تشييد السد وملأته وشغلته أحادياً.
لايوجد فرصة:
وذكر المفتي أنه سبق وأن أعلنت أمريكا في عهد ترامب، أنها قد مولت سد النهضة، وأنها بصدد التدخل لصالح مصر، ولكنها لم تفعل شيئا وواصلت إثيوبيا تصرفاتها الأحادية إلى اليوم، رغم حديثها بأنها منفتحة على التفاوض وعدم الإضرار بالسودان ومصر، ورأى أن حديث أديس أبابا غير جاد، ظلت تردده منذ بداية المفاوضات في العام 2011، معتبرا أن حديث ترامب عن الوساطة في سد النهضة والوصول إلى إتفاق يحقق مصالح الدول الثلاث لا فرصة أمامه، مؤكدا أن الحل الوحيد هو إتخاذ موقف قوي من قبل السودان ومصر يجبر إثيوبيا علي التفاوض، وذلك بالمطالبة بالأرض التي يقام عليها السد مثلا، لأنها أرض سودانية منحت لإثيوبيا عام 1902، شرط ألا تقيم عليها منشأة مائية إلا بعد إخطار حكومة السودان، وهي لم تفعل ذلك، مضيفا أن هذا الموقف القوي سوف يجبر مجلس الأمن بالتدخل بموجب الفصل السابع، وتابع أنه نتجة لهذا الموقف القوي فإن الحل يكون هو إدارة السد الذي أصبح حقيقة، ورأى أن تكون الإدارة مشتركة لمصلحة الدول الثلاث، وقال لامانع من إعطاء إثيوبيا معاملة تفضيلية لأنها لم تحظ باستغلال المياه من قبل كما هو حال السودان ومصر، مفسرا إرسال ترامب الخطاب إلى السعودية والإمارات أيضا لأنهما جزء من الرباعية المعنية بسلام السودان، وقال إن سد النهضة يهدد السودان، ولا غرابة في أن يضعهما في الصورة، خاصة وأن الإمارات عندها علاقة بموضوع الفشقة.
ترامب جاد:
من جهته رأى الخبير المصري في المياه الدكتور عباس شراقي أن ترامب جاد هذه المرة في عرضه للوساطة في سد النهضة، وقال شراقي لـ”المحقق” إن ترامب يذكر سد النهضة في خطاب رسمي للرئيس السيسي وليس في تصريح عابر كما كان يفعل في السابق ولذلك حديثه يختلف، مؤكدا أن أمريكا لو لديها إرادة تستطيع حل هذه الأزمة في غضون أسبوع، وقال إن ترامب يريد مزيدا من الإنجازات في المنطقة ويمكنه تحقيقها، مستدركا في الوقت نفسه بأنه يمكن أن يكون هناك مساومات أو ابتزاز لمصر في هذا الموضوع، وتابع يمكن أن يُطلب من مصر الموافقة بتواجد إثيوبيا على البحر الأحمر مثلا، ورأى أن سد النهضة لم يعد أمرا مستعصيا على مصر، وقال إن الأمور استقرت الآن، ولايوجد حجز للمياه، وتم الإنتهاء من التخزين والأمور أصبحت أكثر استقرارا، معربا عن ترحيبه بوجود إتفاق وتدخل أمريكي لكن دون ابتزاز لمصر ودون مقابل في القضايا الكبرى، وقال إذا كان الموضوع خروج إثيوبيا على البحر سيكون موقفنا ضعيفا لو أمريكا وافقت على ذلك.
ضرورة التنسيق:
وشدد شراقي على ضرورة الإتفاق والتنسيق في السنوات المقبلة على التخزين والتشغيل وتبادل المعلومات، وقال على إثيوبيا أن تتشاور معنا ومع السودان قبل أي تخزين وتبادل معنا المعلومات حتى لا يتكرر الفيضان والإضرار بنا، مؤكدا على ضرورة التشاور قبل الشروع في أي مشروع جديد، وقال إن عدم وجود إتفاق ملزم مع إثيوبيا في سد النهضة سيشجعها على اقامة مشاريع جديدة على النيل دون الرجوع لمصر والسودان بطريقة الأمر الواقع، ورأى أن ارسال الخطاب لكل من السعودية والإمارات أيضا لتشجيع إثيوبيا على الموافقة، وقال إن وجود السعودية والإمارات قد يشجع إثيوبيا في القبول بالتفاوض مقابل استثمارات معينة من البلدين.
تقبل الحراك:
بدوره رأى الكاتب الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم أن الجانب الإثيوبي يمكن أن يقبل أي حراك فيما يخص الوساطة في سد النهضة. وقال إبراهيم لـ”المحقق” حتى هذه اللحظة لا يوجد أي بيان رسمي للحكومة الإثيوبية، وأتوقع أن يكون هناك بيان حول الخطاب الأمريكي، مضيفا: لا أعتقد أنه سيكون هناك رد فعل سلبي إثيوبي.. ننتظر ذلك، متوقعا أن تكون هناك تطورات الساعات القادمة في هذا الملف بصورة كبيرة ترضي الجميع.



