مرتزقة في السودان على صلة بـشركات أعمال مسؤول إماراتي رفيع المستوى

المحقق – محمد عثمان آدم
أنجز هذا التحقيق الاستقصائي، المنشور في موقع “ذا سنتري (الحارس)”، نخبة من الصحفيين الاستقصائيين الأمريكيين والغربيين الذين يُجرون تحقيقات حول الأفراد والشركات المستفيدة من الفساد والصراعات العنيفة في جمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وميانمار، وجنوب السودان، والسودان، وزيمبابوي.
و وفقاً لتعريف الموقع لنفسه فإن هذه المجموعة تعمل علي التأكد من محاسبة هؤلاء الفاسدين.
ولأهمية المحتوى الذي تضمنته المادة المنشورة، حرص موقع “المحقق” الإخباري على ترجمته ونشر الترجمة، انطلاقاً من حرص الموقع على توثيق ما ينشر عن حرب السودان في الصحافة الدولية أو المواقع المتخصصة.
بدأ إعداد هذا التحقيق ونُشر جزئيًا في نهاية عام 2025، ثم جرى تحديثه في 21 يناير 2026، تزامناً مع دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول للانضمام إلى مجلس إدارة لدعم غزة والفلسطينيين المنكوبين بالحرب المستمرة واثارها المتطاولة لاكثر من عامين.
لكن التحقيق، الذي أُعدّ في ثماني صفحات، خُصصت صفحتان منها للمراجع والمصادر، بما في ذلك المقابلات والتصريحات المباشرة، ذكر أنه من النفاق التظاهر بالعمل من أجل السلام في منطقة ما (فلسطين)، بينما يُساهم المرء ( الامارات العربية المتحدة) في تأجيج الإبادة الجماعية في ركن آخر من العالم (السودان).
ولتوضيح هذه النقطة وإضفاء طابع ملموس عليها، تتبع التحقيق وربط القيادة العليا في الإمارات العربية المتحدة، بمن فيهم شخص يُعادل منصبه رئيس موظفي البيت الأبيض، بالحرب وقوات الدعم السريع في السودان.
ويجادل التحقيق أنه بينما تستمر الحرب في السودان، وتتواصل عمليات قتل المدنيين التي ترتكبها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر غرب البلاد، ظهرت تقارير تفيد بانضمام مرتزقة كولومبيين – يُطلقون على أنفسهم اسم “ذئاب الصحراء” – إلى القتال وتدريبهم للأطفال كجنود لصالح هذه الجماعة شبه العسكرية الوحشية.
وقد كشف موقع “ذا سنتري” عن سجلات شركات تُظهر أن رجل الأعمال الإماراتي الذي يُزوّد قوات الدعم السريع بهؤلاء المرتزقة هو شريك تجاري لمسؤول حكومي رفيع المستوى في الإمارات العربية المتحدة.
ويُعدّ هذا الارتباط بمسؤول حكومي إماراتي رفيع المستوى – يشغل منصباً يُعادل منصب رئيس موظفي البيت الأبيض – دليلاً إضافياً على الروابط رفيعة المستوى بين الإمارات العربية المتحدة وقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في السودان.
ولوقف تدفق المرتزقة إلى هذه القوات، ينبغي على السلطات التحقيق مع الشركات الكولومبية والبنامية والإماراتية المتورطة على ما يبدو في توريدهم، وفرض عقوبات عليها عند الاقتضاء.
مجموعة خدمات الأمن العالمية:
تُعرّف مجموعة خدمات الأمن العالمية (GSSG)، وهي شركة مسجلة في بورصة الإمارات العربية المتحدة، نفسها بأنها “مُقدّمة خدمات الأمن الخاص المسلح الوحيدة لحكومة الإمارات العربية المتحدة”، وتُدرج من بين عملائها وزارة شؤون الرئاسة، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية. وهي مملوكة بالكامل لرجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان الزعابي.
تأسست مجموعة خدمات الأمن العالمية (GSSG) لأول مرة عام 2016 على يد أحمد محمد الحميري، الأمين العام السابق للديوان الرئاسي في الإمارات العربية المتحدة. يرأس االديوان الرئاسي حاليًا نائب الرئيس، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، الذي يُعتقد أنه مسؤول عن دعم الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع.
في عام 2017، نقل الحميري جميع أسهم شركة GSSG إلى شريكه التجاري القديم الزعابي. و يمتلك الزعابي والحميري حاليًا غالبية أسهم شركة أمنية واحدة، بالإضافة إلى أسهم في شركتين أخريين. وكانا يمتلكان سابقًا حصة في ثلاث شركات أمنية أخرى؛ تركز هذه الشركات على توفير الأمن المادي وأمن البني التحتية لتكنولوجيا المعلومات لعملاء في الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك الدوائر الحكومية، وهي شركات كبيرة الحجم. شركة سكيورتك ذ.م.م، وهي شركة أمن تكنولوجيا المعلومات، تضم أكثر من 600 موظف، بينما كانت شركة أخرى تابعة لرجل الأعمال (سكيور غارد الشرق الأوسط)، التي كانت توفر حراس الأمن، تضم أكثر من 10000 موظف. وفي عام 2023، استحوذت شركة (بالم سبورتس)، وهي شركة لإدارة الرياضيين، على شركة (سيكيور غارد الشرق الأوسط) مقابل 82 مليون دولار (300 مليون درهم إماراتي).
وتعود ملكية الشركة الأم إلى مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان. وكان الحميري يمتلك 75% من أسهم كل من سيكيورتك وسيكيور غارد الشرق الأوسط، بينما امتلك الزعابي ومؤسس سيكيورتك 12.5% لكل منهما في الشركتين. ويقول موقع “ذا سنتري” إنه استند في تقاريره علي مقابلات وبحوث وثائقية، وتحليلات مالية جنائية عند الاقتضاء.
علاقات تجارية بين الحميري والزعابي:
منذ عام 2024 على الأقل، تعاقدت مجموعة GSSG مع شركة كولومبية لتجنيد أفراد الأمن، وكشفت وثائق مسربة حصلت عليها صحيفة “لا سيلا فاسيا” الكولومبية أن وكالة الخدمات الدولية (المعروفة أيضًا باسم أكاديمية التدريب الأمني، أو A4SI) ستوفر مئات الجنود السابقين للعمل في السودان. ويُقال إن A4SI تخضع لسيطرة ألفارو كيخانو، وهو عقيد كولومبي متقاعد مقيم في الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من أن زوجته، كلوديا أوليفروس، هي المالكة لها.
وتُجيز العقود الموقعة من قبل المرتزقة الكولومبيين لشركة GSSG تحويل رواتبهم إلى شركة “جلوبال ستافينج” المسجلة في بنما، والتي تدفع رواتب الجنود عبر حساب خارجي وتشغل أوليفروس أيضًا منصب مدير في الشركة البنمية، وتتشارك مواقع الويب الخاصة بكل من A4SI وجلوبال ستافينج في البنية التحتية للاستضافة.
ويبدو أن كيخانو وشركة GSSG تربطهما علاقات وثيقة تتجاوز هذا الاتفاق، حيث يُشير سجل جماعات الضغط في تشيلي إلى أن كيخانو تواصل مع لجنة النحاس التشيلية في عام 2024 نيابةً عن .GSSG
مشاركة الإمارات مع المرتزقة:
يُعدّ دور مجموعة دعم القوات الخاصة (GSSG) في توفير مقاتلين كولومبيين للخدمة في دارفور جزءًا من اتجاه أوسع في الإمارات، حيث يلعب الجنود الأجانب أدوارًا مهمة. أولًا، وكما هو الحال مع الفيلق الأجنبي الفرنسي، تجنّد الإمارات أجانب في قواتها المسلحة.
يزعم شريك كويخانو السابق في شركة A4SI أنه وكويخانو عملا في اللواء السابع للقوات الخاصة التابع للجيش الإماراتي؛ وبحلول عام 2014، ترقّى كويخانو ليصبح قائدًا لإحدى كتائب اللواء الثلاث.
إضافةً إلى ذلك، من المعروف أن الإمارات تنشر وحدات مرتزقة كاملة التشكيل للقتال في الخارج نيابةً عنها. على سبيل المثال، أرسلت قوات الدعم السريع مقاتليها إلى اليمن، كما نشرت الإمارات مرتزقة كولومبيين في اليمن كذلك، وقد ظهرت شركات عسكرية خاصة محلية وشركات حراسة أمنية.
عقد بين مرتزق كولومبي ومجموعة خدمات الأمن العالمية:
ويقول الموقع إن إحدى الشركات قامت بتجنيد أفراد أمن سودانيين للخدمة في ليبيا، على سبيل المثال أفاد مرتزقة كولومبيون سابقون وحاليون تم نشرهم في السودان بتلقيهم تدريبات على حرب الطائرات بدون طيار في أبوظبي، وتناوبوا على العمل في قاعدة عسكرية في بوصاصو في بونتلاند، الصومال.
في سبتمبر 2025، قدمت الحكومة السودانية شكوى إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، سمّت فيها كلاً من مجموعة خدمات الأمن العالمية ومنظمة A4SI، واتهمت الإمارات العربية المتحدة بالتدخل في حربها الدائرة وقد ندد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بـ”المرتزقة” واعتذر لحكومة السودان. نفت الإمارات العربية المتحدة تقديم أي إمدادات أو دعم لقوات الدعم السريع، مؤكدةً أن الادعاءات بتزويدها مرتزقة تستند إلى أدلة ملفقة.
سبق أن فصّل موقع “ذا سنتري” كيف تسمح الإمارات باستخدام هياكلها القانونية التجارية وبنوكها من قبل شركات واجهة تابعة لقوات الدعم السريع. إن استخدام الزعابي، وهو رجل يحظى بثقة الحميري لدرجة أنه شريكه التجاري منذ فترة طويلة، لتزويد قوات الدعم السريع بالمرتزقة، وإن لم يكن دليلاً قاطعاً بحد ذاته، قد يكون مؤشراً على دعم هذه الميليشيا من أعلى مستويات الحكومة الإماراتية.
إن سمعة الإمارات التي حرصت على بنائها بعناية – والتي بُنيت جزئياً على العلاقات الأمنية والتجارية والطاقة مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والدول الأوروبية – معرضة للخطر جراء دعمها لقوات الدعم السريع الوحشية في حرب تستقطب مقاتلين من عدد متزايد من الدول.
ويشير الموقع قائلاُ: “لم يستجب الزعابي، والحميري، وكويجانو، وأوليفروس، والشيخ طحنون، والشيخ منصور لطلب من طرفنا للتعليق.”
ويخلص الموقع الي توصيات أجملها في الآتي:
-ينبغي على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التحقيق مع محمد حمدان الزعابي، ومجموعة خدمات الأمن العالمية، وألفارو كيخانو، وكلاوديا أوليفروس، ووكالة الخدمات الدولية (A4SI)، وشركة التوظيف العالمية (Global Staffing SA)، وفرض عقوبات عليهم، عند الاقتضاء، بموجب الصلاحيات المتعلقة بالسودان أو غيرها من البرامج المعمول بها، وذلك لتورطهم في أنشطة تُقوّض السلام والأمن والاستقرار في السودان، وتقديم الدعم المادي لأعضاء قوات الدعم السريع الخاضعين للعقوبات.
-ينبغي على المؤسسات المالية (الامريكية) إجراء تدقيق مُعزز على العملاء والمعاملات التي تشمل شركات الأمن الخاصة الإماراتية، ومالكيها، ومورديها، ولا سيما المعاملات التي تشمل محمد حمدان الزعابي، ومجموعة خدمات الأمن العالمية، وألفارو كيخانو، وكلاوديا أوليفروس، ووكالة الخدمات الدولية (A4SI)، وشركة التوظيف العالمية (Global Staffing SA).



