عودة العقل الأمني إلى الواجهة: كيف تعيد واشنطن والقاهرة والخرطوم تشكيل أمن السودان وحدوده؟

مهند عوض محمود
يشهد السودان خلال الأسابيع الأخيرة تحولًا لافتًا في طريقة قراءة مصر وأمريكا للمشهد السوداني، حيث يعود العامل الأمني ليحتل موقعًا مركزيًا في تقديرات الدول المعنية، لا باعتباره بديلاً للسياسة، بل باعتباره الأداة الأكثر قدرة على التعامل مع المهددات التي تتشكّل في الأطراف والحدود والممرات البحرية، لا في قلب العاصمة، وهي ساحات تتطلب معالجة أمنية تتجاوز أدوات السياسة التقليدية.
وفي هذا السياق، برزت دلالات زيارتين متتابعتين: زيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضّل إلى واشنطن ونيويورك، وزيارة الوزير اللواء حسن محمود رشاد، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، إلى بورتسودان. ورغم اختلاف الجغرافيا، فإن المسارين يلتقيان عند نقطة واحدة: إعادة صياغة مقاربة أمنية جديدة للسودان تستند إلى ثلاثية مكافحة الإرهاب، أمن الحدود، وأمن البحر الأحمر.
زيارة الفريق مفضّل إلى الولايات المتحدة لم تصدر بشأنها بيانات تفصيلية، لكن طبيعة المؤسسات التي استقبلته (وكالة المخابرات المركزية ومسؤولون في وزارة الدفاع) تكشف أن واشنطن تتعامل مع السودان من زاوية أمنية دقيقة، وترى في إعادة تنشيط القناة الأمنية مع الخرطوم ضرورة فرضتها تحولات البحر الأحمر واتساع نطاق المهددات العابرة للحدود.
وبحسب تقاطع المعطيات، فإن الملفات التي طُرحت تنتمي إلى نطاق مكافحة الإرهاب، تبادل المعلومات، ورصد البيئة الحدودية والبحرية، إلى جانب انطباع سياسي ثابت مفاده أن الولايات المتحدة لا تدعم أي مسار قد يؤدي إلى تفكيك الدولة السودانية أو إنشاء سلطة موازية خارج مؤسساتها.
هذا المسار يرتبط مباشرة بالوزن النوعي لجهاز المخابرات العامة السوداني داخل القارة الإفريقية. فالجهاز – بحكم تراكم خبرات تمتد لأكثر من ثلاثة عقود – يمتلك شبكة انتشار ميدانية تمتد من القرن الإفريقي، إلى أقصى غرب القارة، ومن دول الساحل إلى الجنوب الإفريقي، مرورًا بوسط إفريقيا بما يشمل تشاد، الكونغو، غينيا، وإفريقيا الوسطى.
هذا الامتداد جعل السودان أحد المؤسسين الأساسيين لمنظومة CISSA، أكبر منصة قارية لتنسيق العمل بين أجهزة المخابرات الإفريقية في مكافحة الإرهاب والمهددات الإقليمية. كما أن فترات سابقة من التعاون الأمني بين الخرطوم وواشنطن خلال العقدين الماضيين أسست لرصيد من الثقة المهنية تجاه قدرة الجهاز السوداني على العمل في بيئات حساسة يصعب على غيره الوصول إليها.
أما زيارة الوزير اللواء حسن محمود رشاد إلى بورتسودان، فتأتي في إطار مقاربة مصر التي تنظر إلى أمن السودان كعنصر أساسي في أمن البحر الأحمر ووادي النيل. وحضور رئيس جهاز المخابرات العامة في هذا التوقيت يعكس تقييمًا مصريًا بأن اللحظة الراهنة تتطلب قناة أمنية مشغّلة على أعلى مستوى، قادرة على قراءة التحولات على الحدود والبحر معًا.
ويجب أن يستند الحديث عن دور المخابرات المصرية إلى الوقائع المنشورة ؛ ومن أبرزها:
– استضافة القاهرة لمسارات متعلقة بالملف الليبي، بما في ذلك اجتماعات رُصدت في تقارير أممية مرتبطة بالمسار الأمني–العسكري.
– رعاية “إعلان القاهرة” في 2017 بين فصائل الحركة الشعبية لتحرير السودان داخل مقر المخابرات المصرية.
– المشاركة في المشاورات التي سبقت تشكيل إطار تعاون البحر الأحمر في 2018، في سياق مواجهة المهددات البحرية الإقليمية.
وهذه أمثلة منشورة تُظهر جانبًا من منهج عمل الجهاز في المسارح الإقليمية، وتشكل جزءًا من خبرته المتراكمة في القرن الإفريقي، فضلًا عن الإرث الاستخباري الراسخ للمخابرات العامة المصرية منذ ستينات القرن الماضي، حين برزت كأحد أكثر الأجهزة قدرة على قراءة التوازنات وإدارة الملفات الحساسة في محيطها الإقليمي.
ولا توجد دلائل رسمية على أن الزيارتين ناقشتا الملف الإثيوبي أو تحركات المليشيا في نطاق بني شنقول- قمز بصورة مباشرة. لكن طبيعة هذه التحركات، كما رصدتها تقارير ميدانية متقاطعة، تضعها تلقائيًا ضمن ملف مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، وهما العنوانان اللذان يلتقي عندهما السودان مع كل من الولايات المتحدة ومصر.
ومن هنا يمكن للخرطوم إدراج أي معطيات مرتبطة بالاتجاه الإثيوبي ضمن ملف التعاون الأمني باعتبارها جزءًا من بيئة الحدود، لا كملف تفاوضي مستقل يفتح حساسيات إقليمية غير ضرورية.
وعند جمع المسارين – مسار واشنطن ومسار بورتسودان – في قراءة واحدة، تتضح معادلة دقيقة:
– واشنطن تتحرك عبر بوابة مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية،
-،الخرطوم تسعى لفرض سيطرة كاملة على حدود واسعة ومعقدة،
– القاهرة ترى أمن السودان بصفته عنصرًا من عناصر أمن البحر الأحمر ووادي النيل.
هذا التقاطع لا يُشكّل تحالفًا معلنًا، لكنه يشير بوضوح إلى عودة العقل الأمني كإطار رئيسي في قراءة مستقبل السودان وتفاعلاته الإقليمية. فالشرق لم يعد مجرد خط حدودي، بل مساحة تتقاطع فيها شبكات التهريب، والتحركات المسلحة، وضغوط الأطراف الإقليمية، والممرات البحرية ذات الحساسية العالمية.
وفي المحصلة، يتّضح أن السودان يقف اليوم على حافة مشهد لا يرحم المترددين ؛ فالحدود التي تُترك بلا سيطرة تتحول إلى ممرات نفاذ، والمياه التي تُدار بلا قراءة أمنية تتحول إلى نقاط ضغط، والتحركات الميدانية التي تُهمل تُصبح وقائع مفروضة على الدولة. ولهذا فإن الخرطوم، إذا أرادت تثبيت المعادلة الجديدة، مطالبة بأن تتعامل مع مسار واشنطن ومسار القاهرة كفرصة لإعادة بناء القوة الضابطة للدولة، لا كملف بروتوكولي عابر.
فالفراغ لا يحمي نفسه، وما لا تمسك به الدولة يمسك به غيرها، والشرق – بحدوده وممراته واتجاهاته – لن يُدار بالتصريحات، بل بعقل أمني حاضر، ومعلومات دقيقة، وقدرة على الإمساك بالميدان قبل أن يُمسك بك الآخر.



