رأي

نهاية السيادة الوطنية والنظام العالمي في منتدى دافوس (1-2)

 

بروفيسور إبراهيم محمد آدم

تأسس منتدى الإدارة الأوروبي الذي تحول لاحقاً الى منتدى دافوس، أو المنتدى الاقتصادي العالمي، في عام 1971 على يد الأكاديمي الألماني كلاوس شواب، والذي كان يهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للشركات الأوروبية و لمناقشة قضايا الإدارة والحوكمة المؤسسية، تطور المنتدى لاحقاً ليصبح ملتقى عالمي للقادة لمناقشة تحديات العالم الاقتصادية والاجتماعية. وقد تم اختيار مدينة دافوس، بكونفدرالية سويسرا، وذلك لموقعها الهادئ الجميل مثلها مثل بقية المدن السويسرية وهي تقع في جبال الألب، على ارتفاع حوالي 1560 مترًا فوق سطح البحر. تشتهر بكونها أعلى مدينة في أوروبا، ومركزًا عالميًا للرياضات الشتوية والمؤتمرات وذلك من أجل إجراء حوارات بناءة في جو ودي لا تشوبه المشاكل السياسية أو النزاعات الدولية وقد ظل العالم يترقب نتائج حواره كل عام وقد تشعبت لتشمل فوق القضايا الاقتصادية والتجارية المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وإذا أردنا مناقشة ما صدر عن نسخة المنتدى لعام 2026 فقد عقد وسط أجواء توتر غير مسبوقة في العلاقات الدولية، و أزمات متعددة تعصف بالاستقرار العالمي في لحظة توصف بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها النظام العالمي القائم منذ نهاية  الحرب العالمية الثانية، فقد سحب البساط من الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (WBG)، وقد تأسستا عام 1945 بعد مؤتمر عام 1944 والذي عقد في غابة بريتون وودز، بولاية نيو هامبشير، بالولايات المتحدة الامريكية، بمشاركة 44 دولة وذلك لتعزيز الاستقرار المالي العالمي، تنظيم أسعار الصرف، وتمويل إعادة إعمار الدول بعد الحرب العالمية الثانية، وكأن هذه المؤسسات التي انشئت في تلك الغابة راق لها قانون الغاب حيث أصبحت الولايات المتحدة ذلك الأسد الذي لا يرضى بالقسمة إلا إذا أعطي النصيب الأكبر وأحياناً كل النصيب على طريقة التعلم من رأس الذئب الطائر.

بعدها تحول مقرها إلى واشنطن وليست نيويورك وذلك للمزيد من القبضة الأمريكية. وتهدف هذه المؤسسات حسب ما تم التوافق عليه إلى دعم التعاون النقدي، تقديم القروض، وتخفيف الفقر عبر مشروعات تنموية. وقد ربطت تلك الاتفاقيات عملات الدول بالدولار الأمريكي، وجعلت الدولار قابلاً للتحويل إلى الذهب، بهدف تحقيق الاستقرار المالي وإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية وتسهيل التجارة، ، واستمر الالتزام بهذه الطريقة قائماً حتى عام 1971 عندما فكّت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب عقب صدمة الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون ‏حين اتخاذه سلسلة من التدابير الاقتصادية وأهمها إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب.

أما الأمم المتحدة ففي حديث الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن مجلس السلام الذي أعلنه لإعادة ترتيب الأمور في قطاع غزة قال عنها أنها ضرورية لكنْ لا فائدة عملية منها وهذه حقيقة تكتوي بها كل حكومات وشعوب العالم الثالث. قوبل ذلك الحديث بتحفظات عدة، مع مخاوف عبّرت عنها أطراف من أن تتحول هذه الصيغة إلى مسار يوازي الأمم المتحدة أو يلتف على أطرها، رغم أنه لا جديد حول موضوع ضعف الأمم المتحدة فكثير من الأحداث تمت إما بواسطة حلف الناتو أو تحالفات دولية خارج تلك الاطر منذ التحالف الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة والذي قام بعاصفة الصحراء التي أخرجت العراق من الكويت وكادت أن تقتلع دول عربية عدة من جذورها ثم جاء التحالف الدولي بقيادة الناتو ضد صربيا لإخراجها بالقوة من إقليم كوسوفا وجاء بعدها ضرب الناتو لليبيا والذي نتج عنه اسقاط نظام معمر القذافي، ثم عاصفة الحزم بين( 25 مارس و21 أبريل عام 2015) والتي اشتركت فيها دول عربية رئيسية بقيادة  السعودية، وهي  السودان، الإمارات، قطر، الكويت، والبحرين، مع مشاركة رمزية ومحدودة من مصر، الأردن، المغرب، بالإضافة إلى دعم لوجستي واستخباراتي من الولايات المتحدة، ودعم من دول أخرى مثل باكستان وبريطانيا وفرنسا، بهدف دعم الحكومة اليمنية الشرعية ضد جماعة الحوثي، ولاحقا أصبح التواجد في ذلك الحلف يضم بصفة رئيسية السعودية والسودان والإمارات حتى انسحاب الامارات من العاصفة نتيجة سعيها السافر لتقويض الاستقرار في اليمن وفصل جنوبه عن شماله بهدف الاستيلاء على موانئه وموارده، حديث ترامب ذاك دفع حلفاء أوروبيين رئيسيين لعدم الانضمام لمجلس السلام في غزة بسبب هذه الهواجس.

لقد جاءت تلك التحولات بعد عقود من الاستقرار النسبي المعتمد على القواعد أثناء وبعد الحرب الباردة ، ولكن بالأمثلة التي سبقت الإشارة إليها فقد تم مغادرة العالم القائم على القواعد ودخول عصر هيمنة القوة والذي ازدادت فيه أمريكا مداً في عهد لرئيس دونالد ترامب.
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى