نظام الدفع بالموبايل .. الآن .. الآن

محمد عبد الرحيم جاويش
حقق الاقتصاد السوداني نموا كبيرا وقفزات في الناتج المحلي الإجمالي بعد تصدير البترول، إلا إن عدم التحول الكامل لنظم الدفع الالكتروني ظل أحد نقاط ضعف النظام المالي وتخلفه عن مواكبة العصر ، ومن وقت لآخر تظهر مشكلة نقص أوراق البنكنوت (أزمة انعدام الكاش) مما يؤثر سلبا على حركة السوق والإنتاج وحياة الناس. وبرغم انتشار التطبيقات البنكية، إلا أنها وقفت في عتبة محددة لم تستطع تجاوزها واستمر جزء كبير من نشاط التجارة يعتمد على تبادل أوراق البنكنوت يدا بيد (الكاش بلغة السوق) حتى في قطاعات تتعامل بمبالغ كبيرة مثل تجارة الثروة الحيوانية والعقارات، والإنتاج الزراعي، ثم حدثت خسائر ضخمة لكثير من رجال الأعمال والمواطنين عند قيام الحرب لاحتفاظهم بأموالهم أو جزءا كبيراً منها في خزن سواء في المنازل أو في المكاتب حيث تعرضت للنهب. وبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب برزت مشكلة توفر أوراق البنكنوت وظلت مستمرة والحرب تقترب من إكمال عامها الثالث. ولا ننسى أن مطبعة العملة وبنك السودان والبنوك عموما كانت من أوائل أهداف مليشيا الدعم السريع منذ الطلقة الاولى.
أبلت التطبيقات البنكية بلاء حسنا، في محاولة سد الفجوة وتحريك الأسواق وحياة الناس اليومية، إلا أن لها بعض نقاط الضعف خاصة في بيئتنا الحالية، مثل إعتمادها على شبكة الانترنت، والتي هي نفسها تعاني من ويلات الحرب، و تتطلب وجود حساب بنكي للعميل ، الشيء الذي لا يتوفر لمواطن بسيط لا يتعامل مع البنوك ، أيضا تحتاج هذه التطبيقات لأجهزة موبايل ذكية تتجاوز ميزانية بعض الفئات. أضف إلى ذلك أن المعاملات اليومية للمواطنين حاليا تعتمد على تطبيق بنكي واحد ظل مهيمناً رغم وجود تطبيقات لبنوك أخرى. هذا التطبيق يعاني في غالب الأحيان من الازدحام وتفشل كثير من معاملات المواطنين، وتتوقف حركة البيع والشراء ومصالح المواطنين في الخدمات في قطاعات حيوية.
الحل الأفضل من ناحية فاعلية وكفاءة هو إدخال نظام الدفع بالموبايل، وقد جربته عدد من الدول في ظروف شبيهة بواقعنا وحقق نتائج مذهلة في بيئة تعاني من ارتفاع الأمية، و بنية تحتية أقل من السودان في كثير من الجوانب، وأقرب الأمثلة إلينا دول في شرق أفريقيا، مثل الصومال، وكينيا ورواندا وتنزانيا وبنغلاديش.
أهم ما يميز نظام الدفع بالهاتف أنه لا يعتمد على تطبيقات بنكية، ولا يحتاج إنترنت، أو جهاز موبايل ذكي، وتكلفته التشغيلية أقل بالنسبة للمستخدم إذ أنه لا يتطلب إلا تغطية شبكات هاتف بإمكانية الرسائل القصيرة وهو الحد الأدنى الذي توفره كل الشبكات مع الاتصال الصوتي . يتم الدفع عبر كود نظام الرسائل القصيرة ( sms أو ussd ) مما يجعل استخدامه متاحا لمعظم المواطنين، و يحقق الشمول المالي والتحول الكامل للدفع الالكتروني.
النظام ليس بديلاً للتطبيقات البنكية، إذ يعمل بالتكامل معها بل يخفف الضغط عليها ، ومن أمثلة ذلك جمهورية مصر، واحدة من أكبر الاقتصادات في افريقيا تستخدم التطبيقات البنكية ونظم الدفع بالموبايل عبر شركات الاتصالات جنبا إلى جنب.
لن بتم الاستغناء عن التطبيقات البنكية فهي ضرورية للمعاملات في الحجم الاكبر، فيما يُستخدم الدفع بالموبايل في الشراء أو البيع للمعاملات السريعة والصغيرة مثل المخابز والمواصلات، والدكاكين والاكشاك وللعملاء غير المرتبطين بالنظام البنكي.
جرت عدة محاولات خلال العشر سنوات السابقة لتطبيق النظام في السودان، وقدمت شركات الاتصالات عدة مبادرات لنظم الدفع بل أعلنت عنه في أوقات سابقة، وجهزت الجوانب التقنية، ولكن لعدة أسباب ترددت الدولة في إطلاق سراحه، بل حتى خدمة تحويل الرصيد والتي كانت بديلاً لتحويل الأموال في أوقات أزمات (الكاش) تم تحجيمها.
النظام الآن موجود من ناحية تقنية، ولكن لا ندري من يمسك اللجام، أهو بنك السودان، أم الشركات نفسها؟ فوجود الخدمة تقنيا وحده ليس كافيا إن لم يعرفها الناس، وتدب فيها الحياة بينهم.
تبني وتشجيع نظام الدفع بالموبايل الآن ليس خيارا، بل ضرورة ملحة لتيسير حياة الناس و تعافي الاقتصاد الذي يحتاج لأدوات جبارة لتعويض فترة الحرب، كما أنها فرصة ثمينة لتحقيق تغيير استراتيجي بالتحول للدفع الالكتروني، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
المواطنون يحتاجون لحلول نافذة، ولحسن الحظ أن اتخاذ القرار في تركيبة الدولة في الظروف الراهنة أيسر من أي وقت مضى نسبة لقصر الظل المؤسسي.
السادة الحكام… “الدفع بالموبايل الآن …الآن” فالتاريخ لا يكرر تقديم الفرص..



