رأي

صن تزو” في الخرطوم: حين تلتقي الفلسفة العسكرية الصينية بالحرب السودانية المعاصرة (1-2)

 

د. إسماعيل ساتي

 

لم تبدأ هذه القصة في الخرطوم، ولا في ميدان قتال، بل في صيف عام 1995 داخل مبنى 1715 في مجمع أرامكو بالظهران، حين أهدى لي روب رايس، وهو صديق بريطاني اسكتلندي، كتاباً صغيراً ذا غلاف أحمر قائلاً إنه سيغير نظرتي للحروب. كان الكتاب هو “فن الحرب” لصن تزو. قرأته آنذاك، ثم غمرته موجة النسيان على رف مكتبتي الصغيرة، حيث بقي لسنوات طويلة جزءاً من ذاكرة ثقافية هادئة لا تتجاوز حدود الاهتمام الفكري.

لكن الحروب – بخلاف الكتب – لا تبقى على الأرفف. ومع اندلاع الحرب في السودان، ومتابعتي اليومية لتحولات المعارك وسقوط المدن وتبدل موازين القوى، وجدت أن ذاكرة الزمن قد نفضت غبار السنين عن محتوى هذا الكتاب، بعد عقود من النسيان. وفي أواخر عام 2024، عقب معركة تحرير الخرطوم، عاد الكتاب إلى ذهني بوصفه مفتاحاً تحليلياً، لا مجرد ذكرى شخصية.

منذ تلك اللحظة، بدأت أقرأ ما يجري من صراع عسكري وسياسي في السودان من خلال عدسة مختلفة، عدسة تبحث عن البنية العميقة للقرارات العسكرية خلف الأحداث اليومية المتسارعة، فعدت إلى الكتاب المنسي على الرف، وقررت أن أكتب.

الحرب بين النظريات العسكرية والواقع السوداني:

على بعد أكثر من 2500 عام من الزمان، وفي بقعة جغرافية مختلفة تماماً عن السودان، كتب الجنرال والفيلسوف الصيني صن تزو (Sun Tzu) خلاصة فكره العسكري في كتاب صغير لكنه خالد، عُرف باسم “فن الحرب” (The Art of War). لم يكن الكتاب مجرد دليل تكتيكي للمعارك، بل فلسفة متكاملة حول كيفية تحقيق النصر بأقل الخسائر، بل وبدون قتال إن أمكن. واليوم، وفي خضم الحرب الدائرة في السودان بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والمتمردين من قوات الدعم السريع، يبدو المشهد وكأنه مختبر حي لمحاولة تطبيق مبادئ هذه الفلسفة القديمة.

يهدف هذا المقال إلى قراءة المشهد السوداني من خلال عدسة “فن الحرب”، محاولاً الإجابة عن سؤال: كيف يسعى الفريق البرهان قائد الحرب – بوعي منه أو بدونه- لتطبيق مبادئ صن تزو ليس فقط لكسب الحرب، بل لإعادة تعريف مفهوم النصر ذاته في سياق صراع وجودي مع مليشيا تُتهم بارتكاب جرائم حرب؟

أولاً: من هو صن تزو؟ الفلسفة التي تتجاوز ساحات المعارك:

قبل الغوص في تحليل الحرب السودانية، لا بد من استعراض سريع لأهم مبادئ صن تزو. فلسفته لا تقوم على القوة الغاشمة، بل على الخداع والمعرفة والمرونة وإرهاق العدو دون الدخول في معارك طويلة. يقول صن تزو: (أعظم انتصار هو الذي لا يتطلب قتالاً). وقد حدد خمسة عوامل أساسية لتحقيق النصر:
(1) الجانب المعنوي (الانسجام بين القائد والجيش والشعب)، (2) الطقس،
(3) أرض المعركة،
(4) القائد (الحكمة، الإخلاص، الشجاعة، الصرامة)،
(5) الانضباط.
كما وضع سبعة أسئلة شهيرة لتقييم فرص النصر، أهمها:
من هو الحاكم الأكثر التصاقاً بالقانون الأخلاقي؟
من هو القائد الأكثر كفاءة؟
من هو الجيش الأقوى (معنوياً ومادياً)؟
ومن هو الأكثر تدريباً وانضباطاً؟
أظن أن الإجابة لا تحتاج لإبانة.

ثانياً: معايير النصر السبع؛ هل تنطبق على الجيش السوداني؟

في تحليل سابق نشره موقع الجزيرة نت في أغسطس 2024، حاول الكاتب تطبيق معايير صن تزو السبعة على الحرب السودانية. النتائج كانت مثيرة للاهتمام، خاصة فيما يتعلق بالجيش السوداني وقائده:
1. الشرعية الأخلاقية (الانسجام بين الحاكم والمحكومين): هنا يمتلك الجيش السوداني الورقة الأقوى. فبينما تتهم تقارير أممية موثقة قوات الدعم السريع بارتكاب “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” في الفاشر وولايات دارفور (وكذلك في مدن وقرى سودانية أخرى في أواسط البلاد)، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف الجنسي والتطهير العرقي، يظهر الجيش كحامٍ للدولة والمواطنين. هذا الالتفاف الشعبي حول الجيش، يمنح القيادة غطاءً معنوياً هائلاً، وهو ما يعادل عند صن تزو “الطاو” أو الانسجام الروحي الذي يدفع الجندي للموت من دون خوف

2. القائد الأكثر كفاءة: الفريق أول البرهان، بصفته القائد العام ورئيس مجلس السيادة، يجد نفسه في قلب اختبار صعب. ووفقاً لصن تزو، يجب أن يتحلى القائد بـ”الحكمة والإخلاص والإحسان والشجاعة والصرامة”. البرهان، من خلال خطابه السياسي، يحاول إظهار “الحكمة” في سرديته للحرب، و”الإخلاص” في الدفاع عن السودان ضد “التمرد”، و”الشجاعة” داخل الميدان وخارجه. التحدي الأكبر يبقى في تحقيق التوازن بين الصرامة العسكرية والإحسان السياسي لتحقيق المصالحة الوطنية لاحقاً، وهو موضوع نتناوله في مقال آخر.

3. الجيش الأقوى (معنوياً ومادياً): رغم الصدمة الأولى في بداية الحرب، يبدو أن الجيش استوعب الدرس. يقول صن تزو: “لكل حرب منطقها المختلف، ولا يمكن صياغة قواعد ثابتة، فالنصر يأتي من المرونة والتكيف مع العدو”.

و يبدو أن الجيش انتقل من حالة الدفاع عن المواقع الثابتة إلى استراتيجية أكثر مرونة، تعتمد على استنزاف العدو.

ثالثاً: تطبيقات عملية… كيف يقرأ البرهان “فن الحرب”؟

1. الخداع وإفساد العدو من الداخل:
يقول صن تزو: “كل الحروب تقوم على الخداع… إذا كان العدو متحداً، ففرقهم”. المشهد الأخير في شمال كردفان، حيث سلّم قائد في الدعم السريع (مكي محمد التجاني) نفسه وجنوده وعتادهم للجيش، يمكن قراءته في هذا السياق. والي شمال كردفان رحب بهم قائلاً: “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي”. هذا ليس مجرد حدث عارض، بل مؤشر على استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك تماسك قوات الدعم السريع عبر تشجيع الانشقاقات واستقطاب العائدين، وهو تطبيق عملي لمبدأ “تفريق العدو” قبل هزيمته.

2. استنزاف العدو وتجنب حرب المدن الطويلة

صن تزو يحذر بشدة من الحروب الطويلة: “لم يسبق أن رأينا الذكاء مرتبطاً بالتأخير الطويل في حسم المعارك، ولا يوجد أي مثال على دولة استفادت من حرب طويلة الأمد”. التحليلات تشير إلى أن الجيش اتبع إستراتيجية مشابهة للجنرال الروماني فابيوس ماكسيموس، تقضي بتجنب الدخول في معارك ضارية مباشرة مع قوات الدعم السريع التي كانت منتشرة في مساحات واسعة قبل أن يحررها الجيش والمستنفرون، واستبدال ذلك باستنزافها ومراوغتها على طول الخطوط.

ربط ذلك بالبرهان: هذا القرار يتطلب صبراً كبيراً من القائد، خاصة مع تصاعد المعاناة الإنسانية والضغوط الإعلامية من جميع الأطراف. لكنه يعكس وعياً بأن محاولة طرد المليشيا بالقوة من المدن الكبرى والمنشآت والأعيان قد تؤدي إلى دمار هائل. الهدف، كما يقول صن تزو، هو “إخضاع العدو دون قتال” إن أمكن، أو على الأقل، جعله ينزف حتى الموت في معارك جانبية.

3. شن الحرب المعنوية والسياسية (المعرفة)

“اعرف عدوك واعرف نفسك، ولن تتعرض للخطر في مئة معركة”. هذا هو المبدأ الأشهر لصن تزو. معرفة العدو تعني فضح نقاط ضعفه. البرهان، في خطاباته، يرسم صورة واضحة للعدو: مليشيا “تتلقى دعماً خارجياً كبيراً”، و”تقتل المدنيين”، و”تشكل خطراً على المصالح الدولية”. هذا الخطاب موجه لعدة جهات:

· داخلياً: لتذكير الشعب بطبيعة العدو.
· دولياً: لكسب شرعية الحرب السودانية كجزء من “الحرب على الإرهاب” أو لحماية المصالح الغربية، مستغلاً تقارير الأمم المتحدة التي تثبت تورط الدعم السريع في جرائم حرب.
· إقليمياً: لفضح الدول الداعمة للمليشيا، ومحاولة تجفيف منابع سلاحها.

4. إعادة بناء القوة (الانضباط والإمداد)

بعد الخسائر الكبيرة في البداية، استطاع الجيش، وفقاً لتقارير موثقة، إعادة بناء منظومة تسليحه داخلياً وخارجياً. هنا يظهر مبدأ صن تزو في “البحث عن الطعام من العدو” (أي الاستفادة من موارد الطرف الآخر)، وفي “الانضباط” الذي يسمح بإعادة تنظيم القوات المسلحة وتدريب متطوعي المقاومة الشعبية ودمجهم. القائد الحكيم، بحسب صن تزو، “لا يثقل المواطن بالضرائب” لكنه في نفس الوقت “يأتي بالإمدادات”. الحكومة السودانية تحاول تحقيق هذه المعادلة الصعبة: تعبئة شعبية واسعة دون انهيار كامل للاقتصاد.

يتبع ،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى