حميدتي والنيو لوك : القماش أفريقي .. والحياكة في أبوظبي

د. الهيثم الكندي يوسف
بفرض أنه مازال حيا تعتبر زيارة محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد مليشيا الدعم السريع إلى كينيا ويوغندا وظهوره بـالزي الأفريقي التقليدي وخطابه لمجموعة من السودانيين تحولاً يتجاوز الموضة إلى كونه رسالة سياسية ذات دلالة في سياق إعادة التموضع الإقليمي.
فالزي الأفريقي حسب ما يرى يحوله من قائد مليشيا إلى زعيم مدني فهو يهدف إلى نزع صفته العسكرية ومحاولة لغسل سمعته المرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات وتقديم نفسه كشخصية سياسية مدنية مقبولة إقليمياً، كما يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن حل الأزمة السودانية يجب أن يكون أفريقياً بما يضعف من دور مصر والمملكة العربية السعودية اللتين ينظر إليهما كأبرز داعمي الحكومة والجيش السوداني ، وهو ما يحرك مشاعر الاتحاد الأفريقي الذي يرفض التدخلات الخارجية (نظريا علي الاقل) ، كما يزيح عن حليفه (الإمارات) ارتدادت هذا الإرث الثقيل.
من ناحية أخري فإن هذا التحرك لا يعتبر هروبا من الحضن الإماراتي بل هو توزيع أدوار حيث تواجه الإمارات ضغوطاً دولية هائلة وتقارير مسنودة بأدلة تتهمها بدعم مليشيا الدعم السريع ، لذا فإن ظهور حميدتي كحليف للقادة الأفارقة (المقربين أصلا من أبوظبي مثل كينيا ويوغندا ) ، يمنح الإمارات غطاءً دبلوماسياً ، فالإمارات ترغب في تبييض وجهها بإنكار نسبة الجرائم لها وفي نفس الوقت ترجو تبييض وجه حليفها ليصبح شريكا سياسيا في أي محاصصات مستقبلية بدلا من كونه مجرد قائد عسكري منبوذ دولياً.
إلا أن التناقض بين ما يرتديه حميدتي اليوم وما ينتهجه من خطاب يحشد به أنصاره قد يؤدي إلى ضعف بنية المليشيا المتآكل أصلاً، فبينما السردية التي يحشد بها مرتزقته في السهل الأفريقي هي صراع العرب ضد الأفارقة فيما يناقض ذلك اليوم مما ينبئ بخسران الداخل وإن تراءى له أنه يكسب الخارج .
أما خطابه للسودانيين في يوغندا فهو البحث عن الشرعية المفقودة فتواصله مع السودانيين في الخارج يمثل محاولة لكسر العزلة التي فرضها عليه الجيش السوداني عبر الميدان، والرئيس البرهان عبر التحرك بصفته رأس الدولة الوحيد الظهور الذي أوضح أنه يمتلك قاعدة شعبية كبيرة تتجاوز حدود القوات المسلحة ، وأنه مهتم بقضايا الخدمات والمواطنين .
فحميدتي يريد أن ينافس في سوق المشروعية هذا ، ولكن هيهات فالفرق كبير بين من يطلب هذا وسط الجماهير وبين من يبحث عن ذلك متخفيا أو خارج حدود البلاد .
حميدتي يحاول وبعملية تجميل سياسية استبدال البزة العسكرية لكونه قائد لمليشيا متوحشة بـلباس إفريقي تقليدي ارتبط بزعماء التحرر الأفارقة بينما تظل خيوط اللعبة اللوجستية والمالية مرتبطة بذات البلدان التي دعمته منذ البداية لكن بأسلوب أكثر نعومة وتخفياً وراء الأجندات الإقليمية . ولكن القول له أن العب غيرها فلن تنطلي هذه المسرحية علي شعبنا اللماح وأجهزة مخابراتنا الذكية التي إحبطت كل خطط المليشيا وحلفائها .



