تقارير

خبير قانوني دولي: السودان يتمزق و لا استقرار دون التفكيك الكامل لقوات الدعم السريع

المحقق – محمد عثمان آدم
كلّفت مجلة “جورست نيوز”، وهي مجلة قانونية أمريكية، ديفيد كرين، المدعي العام المؤسس للمحكمة الخاصة للأمم المتحدة لسيراليون، بكتابة مقالٍ يُسلّط الضوء على الفظائع التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع في السودان، وخلصت المقالة إلى أنه على الرغم من الحاجة إلى هدنة وتسوية سلمية، إلا أنه لا يوجد حلٌّ دائمٌ في السودان ما لم يتم تفكيك قوات الدعم السريع، بوصفها جماعةً مسلحةً موازيةً في السودان، وإخراجها تمامًا من المشهد السوداني.

ويجادل الكاتب، وهو المدعي العام المؤسس للمحكمة الخاصة للأمم المتحدة في سيراليون، بأن استجابة المجتمع الدولي للحرب الأهلية المدمرة في السودان اتسمت باهتمام شكلي أكثر من كونها إجراءات فعّالة، وأن وقف إطلاق نار منسق، وعملية سلام موحدة بقيادة أفريقية، وإصلاحات هيكلية حقيقية هي وحدها الكفيلة بمنع المزيد من الفظائع.

ويُعد كرين باحثًا مرموقًا في القانون الدولي، ومسؤولًا سابقًا رفيع المستوى في الأمن القومي الأمريكي، وصوتًا رائدًا في مجال سيادة القانون، ومسؤولية الدولة، والحدود القانونية لاستخدام القوة. وقد استشهد بفقرة من تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان كمثال على كيفية تعامل العالم مع الأزمة والفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين السودانيين.

وذكر كرين أن القوات شبه العسكرية في السودان (مليشيا الدعم السريع) شنت “موجة من العنف الشديد… صادمة في نطاقها ووحشيتها” خلال هجومها الأخير للاستيلاء على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. لا تعكس هذه الصياغة المهنية الواقع بدقة و هو: مدينةٌ جُوِّعت، وحوصرت، ثم هوجمت بوحشيةٍ أجبرت العائلات على الفرار عبر شوارعٍ تناثرت فيهاٍ جثث القتلي. لم تكن هذه حادثةً معزولة، بل كانت أحدث فصول حملةٍ من الفظائع التي اختار العالم أن يكتفي بمشاهدتها بدلًا من إيقافها.

وأشار كاتب المقال إلى أن قوات الدعم السريع (RSF) استخدمت، على مدى عامين تقريبًا، أسلوبًا بسيطًا للسيطرة على الأراضي: الحصار، والتجويع، والترهيب، والإخلاء. وأن المجتمعات في دارفور عانت من عمليات قتلٍ عند نقاط التفتيش، واعتداءاتٍ على من يحاولون الفرار، واستخدامٍ ممنهجٍ للعنف الجنسي لكسر الروابط الاجتماعية. و دُمِّرت الأسواق والعيادات ومصادر المياه أو صودرت، ما حوّل البقاء اليومي إلى مفاوضاتٍ مع مسلحين. وقال إن هذه ليست تجاوزات مقاتلين غير منضبطين، بل هي سمات استراتيجيةٍ مُصممةٍ لجعل الحياة المدنية مستحيلة.

وأشار التقرير الذي حررته إنغريد بيرك فريدمان، المديرة التحريرية لـ “جورست”، إلى أنه على الرغم من حجم المعاناة، فإن رد فعل العالم كان مزيجًا مكروراً من الغضب والجمود. وقد أصدر مسؤولو الأمم المتحدة تحذيرات متزايدة الإلحاح، وناشدت المنظمات الإنسانية السماح بالوصول، وأعرب دبلوماسيون عن “قلقهم البالغ”. لكن القلق لا يوقف قصف المدفعية، والبيانات لا تفتح ممرات إنسانية. وقد أسفرت مسارات الوساطة المتعددة – الإقليمية والغربية والخليجية – عن اجتماعات وبيانات، لكنها لم تُسفر عن أي ضغط مستدام قادر على فرض وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، تستمر الأسلحة والأموال في الوصول إلى الأطراف المتحاربة، غالبًا بمباركة ضمنية من دول تدعو علنًا إلى السلام.

وأضاف ديفيد إم. كرين، وهو – كما سبقت الإشارة- رائد دولي في مجال العدالة الجنائية الدولية والمدعي العام المؤسس للمحكمة الخاصة للأمم المتحدة في سيراليون، وفقًا لـ”جورست نيوز”، أن الصمت الأكثر إثارة للقلق ربما هو صمت الاتحاد الأفريقي. إذ تلزم وثائق تأسيس الاتحاد الأفريقي بالتحرك عندما تهدد الفظائع الجماعية السكان الأفارقة. كان ينبغي أن يكون السودان لحظةً يُصبح فيها لمبدأ “عدم اللامبالاة” معنىً حقيقي.
و “بدلاً من ذلك، ظل الاتحاد الأفريقي على الهامش، يُصدر بيانات، ويعقد اجتماعات متفرقة، دون أن يقود جهداً دبلوماسياً موحداً أو يتبنى مساراً موثوقاً للمساءلة. في هذا الفراغ، تُرك المدنيون السودانيون دون مؤسسة قارية مستعدة لفرض معاييرها.

“أن صمت الاتحاد الأفريقي هو أوضح مثال على نمط أوسع: مؤسسات أُنشئت لمنع الفظائع الجماعية تعاملت مع السودان وكأنه مشكلة تخص غيرهم.” هكذا عبّر الفقيه القانوني عن أسفه.

وقال إن السؤال الآن هو ما إذا كان العالم مستعداً لفعل أكثر من مجرد رثاء انهيار السودان. واقترح عدداً من الخطوات التي يمكن اتخاذها فوراً، وأخرى تتطلب إرادة سياسية مستدامة:

أولاً، يجب وقف القتل. وقف إطلاق نار مراقب، مدعوم بضغط منسق من الدول التي تملك نفوذاً على الجماعات المسلحة، أمرٌ ضروري. يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية، مع عواقب وخيمة على أي قائد يعرقل وصول المساعدات أو يستهدف المدنيين. ينبغي فرض عقوبات محددة الأهداف على الأفراد والشبكات التي تُسهّل ارتكاب الفظائع، وإنفاذها، لا مجرد الإعلان عنها.

ثانيًا، يحتاج السودان إلى عملية سلام واحدة ذات ركائز أفريقية. فقد سمحت الدبلوماسية المجزأة للجهات المسلحة بلعب دور الوسيط ضد بعضها البعض. ينبغي للاتحاد الأفريقي أن يقود جهدًا موحدًا يضم جميع الفئات المدنية، ولا سيما سكان دارفور. وفي الوقت نفسه، يجب إنشاء آلية محاسبة مستقلة، ربما تكون هجينة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، للتحقيق في جرائم الفظائع التي ارتكبتها جميع الأطراف ومقاضاة مرتكبيها.

وأخيرًا، يعتمد استقرار السودان على المدى الطويل على تفكيك الهياكل التي جعلت هذه الحرب ممكنة. لا يمكن للبلاد أن تتقدم في ظل وجود قوات شبه عسكرية قوية تعمل خارج أي تسلسل قيادة وطني. يجب أن يكون التحول الحقيقي في القطاع الأمني – تحول حقيقي، وليس مجرد إصلاحات شكلية – جزءًا من أي تسوية سياسية. ويجب أن يعالج النظام السياسي القادم في السودان التهميش العميق للمناطق المهمشة، والذي غذى دوامات العنف لعقود.

إن وصف الأمم المتحدة لمذبحة الفاشر بأنها “صادمة في نطاقها ووحشيتها” دقيق. لكن ما يجب أن يصدمنا أكثر هو مدى إمكانية التنبؤ بها – ومدى إمكانية منعها حتى الآن. لا يطلب المدنيون السودانيون من العالم حل مشاكلهم السياسية نيابة عنهم. إنهم يطلبون فرصة للبقاء على قيد الحياة لفترة كافية لإعادة بناء بلادهم. هذا ليس طلبًا مبالغًا فيه. السؤال هو: هل هناك من يملك السلطة مستعد للتحرك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى