رئيس الوزراء السوداني بالقاهرة… التوقيت والأهداف والنتائج المتوقعة

القاهرة- المحقق- صباح موسى
استقبلت القاهرة اليوم “الخميس” رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، في زيارة تستغرق يومين، أجرى في يومها الأول مباحثات رسمية مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومع نظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي، تناولت ملفات عدة على المستوى الثنائي بين البلدين، إلى جانب بحث التطورات الإقليمية والدولية.
عمق العلاقات
ومع استقبال السيسي لرئيس الوزراء، أكد الرئيس المصري عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مشيداً بانعقاد اللجنة التنسيقية العليا لموضوعات المياه باعتبارها إطاراً مهماً لتنسيق المواقف وحماية الحقوق المشتركة، مجددا تأكيد موقف مصر الثابت الداعم لاستقرار السودان ووحدة أراضيه، مشيراً إلى الجهود المصرية لإنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية، كما بحث الجانبان تطورات الأوضاع الإقليمية وأكدا أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلد، من جانبه أعرب إدريس عن تقديره لحفاوة الاستقبال والدعم المصري للسودان في مختلف المجالات.
تعزيز التعاون
كما بحث إدريس مع رئيس الوزراء المصري سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور حول القضايا الإقليمية، مؤكدين عمق الروابط التاريخية بين البلدين وحرصهما على دعم الأمن والاستقرار والتنمية، واتفق الجانبان على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري ودعم جهود إعادة الإعمار في السودان، خاصة في مجالات البنية التحتية والكهرباء والمياه، إلى جانب تفعيل فرق العمل المشتركة وعقد ملتقيات الأعمال واللجان الثنائية وتبادل الخبرات، كما شددا على ضرورة حماية الأمن المائي لدولتي المصب والتنسيق الكامل بشأن ملف نهر النيل، ورفض أي إجراءات أحادية قد تضر بحصصهما المائية، مع مطالبة إثيوبيا بالالتزام بالقانون الدولي ومبادئ الإخطار المسبق وعدم الإضرار، وفي ختام المباحثات، أكد الطرفان استمرار التنسيق السياسي والفني وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يعكس العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسودان ويخدم مصالح الشعبين. كما أكدت مصر دعمها لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها مجلس السيادة برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مع التشديد على أهمية تمكين مؤسسات الدولة من بسط سيطرتها واستعادة الحياة الطبيعية وتخفيف المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب.
الحليف الأهم
تأتي زيارة إدريس للقاهرة، ومازال السودان يمر بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية، وهو ما يجعل أي تحرك خارجي للحكومة الانتقالية محملاً برسائل تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي، فالقاهرة تعد الحليف الإقليمي الأهم للخرطوم، والأكثر تأثراً بما يجري داخلها بحكم الجغرافيا والتاريخ والجوار والأمن المشترك.
محطة استراتيجية
والملاحظ أن الزيارة ركزت على التعاون الثنائي، إلا أنها في الوقت نفسه جددت التأكيد على تثبيت الدعم المصري لمؤسسات الدولة السودانية، والذي يمنح ثقلا سياسيا مهما للحكومة بالسودان، كما أكدت التأكيد على أن استقرار السودان يمثل خط الدفاع الأول للأمن القومي المصري، وعلى ضرورة التنسيق العسكري والأمني بينهما سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أما الرسالة الثالثة والتي تعد جوهرية هي أنه مع اتساع حجم الدمار بالسودان، تبدو القاهرة حريصة على أن تكون شريكاً رئيسياً في إعادة بناء السودان مستقبلاً، عبر شركاتها وخبراتها في البنية التحتية والطاقة والإسكان. كما لوحظ التركيز بشكل واضح على قضية الأمن الأماني، والتي أفردت لها الزيارة حيزا كبيرا، مايعكس التقارب المصري-السوداني ورغبة مشتركة في تنسيق المواقف بشأن إدارة المياه ورفض أي إجراءات أحادية من إثيوبيا قد تؤثر على حصصهما. ومن ثم تمثل القاهرة لرئيس الوزراء السوداني محطة استراتيجية أكثر منها دبلوماسية عادية، فهي تجمع بين إدارة الأزمة الراهنة بالسودان، والاستعداد لليوم التالي للحرب، كما أنه في ظل تشابك ملفات الأمن والمياه والاقتصاد، يبدو أن الشراكة المصرية-السودانية تتجه إلى مزيد من العمق، باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار.
أهداف الزيارة
ويبدو أن الزيارة تهدف بالنسبة إلى السودان إلى الحصول على دعم اقتصادي وفني محتمل، وفتح قنوات لإعادة الإعمار والاستثمار بالبلاد لما دمرته الحرب، علاوة على تعزيز صورة الحكومة السودانية كطرف قادر على إدارة الدولة، وبالنسبة لمصر قد تهدف إلى منع انهيار الدولة السودانية وما يحمله من مخاطر أمنية، وحماية الحدود الجنوبية، والحفاظ على مصالحها المائية، وتعزيز وتأمين منطقة البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
فما أهمية زيارة إدريس للقاهرة اليوم وإلى أي مدى تسهم في استقرار السودان وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وماهي الرسائل التي تعكسها؟
مساندة الحكومة
من جانبه أكد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، أن الزيارة تأتي في إطار مساندة الحكومة السودانية بوصفها السلطة الشرعية المعترف بها، وذلك في ظل تحركات ما يُعرف بـ«كيان تأسيس» ومليشيا الدعم السريع لتعزيز حضورهما الدولي والحصول على دعم خارجي أوسع، مشيرا إلى وجود مساعٍ للحد من الدور الإماراتي، مقابل تحرك إسرائيلي متزايد يُنظر إليه باعتباره محاولة لتغطية هذا الدور. وأوضح حليمه لـ”المحقق” أن المباحثات تناولت ثلاثة ملفات رئيسية، يتصدرها ملف مياه النيل، لافتاً إلى تحرك لجنة تشاورية معنية باتفاقية عنتيبي بهدف تقريب وجهات النظر بين الدول الموقعة ومعالجة النقاط الخلافية. كما أشار إلى طرح احتمالات إنشاء مفوضية لمياه النيل، والعمل على توحيد الرؤى دعماً لجهود اللجنة التشاورية وصولاً إلى توافق شامل.
موقف موحد
وفي ما يتعلق بملف سد النهضة، تحدث حليمة عن توجه نحو بلورة موقف موحد إزاء ما وصفه بحالة الجمود في مسار التسوية، كاشفاً عن تداول أفكار بشأن مقايضة محتملة تتعلق برغبة إثيوبيا في منفذ على البحر الأحمر، لكنه أكد أن هذا الطرح لم يلق قبولاً، مشددا على أن السياسات الأحادية وفرض الأمر الواقع من جانب أديس أبابا تعقد فرص التوصل إلى حل متوازن، مضيفا أن الزيارة شددت على ثوابت الموقف المصري تجاه السودان، مع التأكيد على ما وصفه بالخطوط الحمراء، مرجحاً احتمال تنشيط مسار تنسيق تحالف يضم مصر والسعودية وتركيا في ظل ما تشهده المنطقة من حالة استقطاب دولي متصاعدة، يقع السودان في قلبها، ولم يستبعد أن تكون أوضاع السودانيين في القاهرة وما أثير حولها مؤخراً ضمن أجندة النقاشات، مؤكداً أن استمرار هذه الإشكالات لا يخدم مصالح البلدين.
تشاور دوري
من جهته أوضح الخبير الاستراتيجي السوداني الدكتور أمين إسماعيل مجذوب أن الزيارة تندرج ضمن إطار التنسيق المستمر والتشاور الدوري بين القاهرة والخرطوم بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقال مجذوب لـ”المحقق” إن ملف سد النهضة يتصدر أجندة المباحثات، لا سيما في ظل المتغيرات المتوقعة خلال العام الجاري وما قد يترتب عليها من تداعيات، مشيرا إلى أن النقاشات تناولت كذلك سبل تفعيل الربط السككي بين البلدين، وتنشيط حركة التجارة عبر الحدود، وتعزيز الشراكات بين مجتمع الأعمال المصري والسوداني، إلى جانب بحث فرص مشاركة الشركات المصرية في مشروعات إعادة الإعمار داخل السودان، كما تطرقت المباحثات بحسب حديثه، إلى التنسيق المشترك لحماية أمن البحر الأحمر في ضوء التطورات الإقليمية، خاصة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
الجالية السودانية
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي السوداني، لفت مجذوب إلى أن ملف السلام كان حاضراً في النقاشات، بما في ذلك المبادرة التي تقودها مصر والجهود المرتبطة بالهدنة المقترحة خلال الفترة المقبلة، ومدى التقدم المحرز بشأنها، مضيفا أن رئيس الوزراء من المنتظر أن يعقد لقاءات مع أبناء الجالية السودانية في مصر للاطلاع على أوضاعهم، إلى جانب اجتماعات مع رجال أعمال سودانيين، ما يفتح الباب أمام بحث قضايا الجالية ودور السفارة السودانية في القاهرة، والتي قال إنها قطعت شوطاً مهماً في هذا المسار، معربا عن توقعه بظهور نتائج ملموسة عقب انتهاء الزيارة، مع احتمال صدور قرارات مصرية ذات صلة، خاصة في ظل سماح السلطات المصرية بتسهيل عقد الامتحانات السودانية على أراضيها.



