رأي

زعماء افارقة مسلمون منسيون (2 – 6): الملك وار جابي، ملك التكرور

السفير عطا المنان بخيت

على ضفاف نهر السنغال، حيث تلتقي طرق القوافل الصحراوية بحياة الزراعة والرعي، نشأ أول كيان مسلم فى تاريخ غرب القارة، وذلك فى مطلع القرن الحادى عشر الميلادي. إنها مملكة التكرور، أو التوكلور التي ارتبط إسمها مبكراً بالإسلام ومايزال.

إتخذت هذه المملكة الصغيرة من إقليم فوتا تورو مقراً لها، وكثيراً ما يختلط على القراء التمييز بين فوتا تورو من جهة وفوتا جالون من جهة أخرى. فالأولى هي إقليم فوتا الواقع فى شمال جمهورية السنغال الحالية، وأهم مدنه مدينتي بودور وداقانا، وهذا الأقليم هو مركز صناعة السكر في السنغال.

يسكن هذا الإقليم قبائل الفولاني بمسمياتهم المختلفة بمن فيها إسم التكرور، وقد إرتبط الفولاني بالإسلام مبكراً جداً، وكانوا قادة ومقاتلين فى كل فتوحات الاسلام الكبرى فى غرب افريقيا، وما يزالون. وكنت أقول دائما أن الإسلام بالنسبة للفولاني ليس عقيدة فقط بل هو وطن، وبما أنهم يؤمنون بالإسلام وطناً فإن كل المسلمين بالنسبة لهم إخوة في هذا الوطن الجامع، وهذا الفهم يفسر جهاد الفولاني المستمر من أجل الإسلام منذ مملكة التكرور مروراً بمجاهدات الحاج عمر الفولاني وعثمان دانفوديو وحتى اليوم. أما فوتا جالون فهي تقع في جمهورية غينيا الحالية وسنتحدث عنها أكثر عندما نتناول سيرة المجاهد ساموري توري.

نشأت مملكة التكرور في نحو القرن العاشر الميلادي، كانت كياناُ سياسياً صغيراً يقع تحت سيطرة إمبراطورية غانا، التي تمثل القوة السياسية والإقتصادية الضاربة فى تلك العصور السحيقة. ولكنها كانت تتمتع بموقع جغرافي مهم جعلها مركزاً إقتصادياً أساسياً للتجارة العابرة للصحراء، بالذات تجارة الملح، ولذلك إرتبطت باكراً ببلاد المغرب . هذا الموقع الفريد جعلها قبلة للتجار المسلمين، وأسهم في تسهيل التواصل بينها وبين العالم الخارجي في المغرب والأندلس ولاحقاً نحو مصر والحجاز. إذن لم تكن مملكة التكرور مملكة مسلمة في الأصل، ولكنها تعرفت على الإسلام من خلال حركة التجار المسلمين عبر طرق الصحراء الكبرى.

فى حوالى العام 1030 صعد إلى عرش مملكة التكرور، أهم ملك في تاريخها، ساقته الأقدار أن يحدث تغييراً جذرياً في توجه البلاد الفكري والعقائدي، وأن يصبح أول حاكم مسلم نقل الإسلام من حضور إجتماعي محدود إلى إطار حاكم للسلطة والدولة، إنه الملك الصالح “وار جابي”. تعرف وار جابي على الإسلام من خلال تعامله مع التجار المسلمين القادمين من المغرب، فأعجبه صدقهم وأمانتهم وخلقهم، مما دفعه لإعتناق الاسلام ديناً. لم يكن دخول الملك وار جابي للإسلام بالحدث العادي، بل كان اللحظة الحاسمة على مستوى مملكة التكرور ومن ثم على مستوى كل الإقليم والقارة. فقد كان دخوله لدين الإسلام عاملا حاسماً في نشر الدين في مملكة تكرور، كان نصرا كبيرا مثل نصر رسالة الإسلام الاولى بدخول الفاروق عمر الاسلام.

لم يرض الملك وار جابي أن يكون أول ملك مسلم لمملكة التكرور فحسب، بل سعى لدعوة كبار القوم في مملكته لإعتناق الإسلام، وهكذا دخل وجهاء القوم من وزراء وقضاة وتجار فى الإسلام، وبدخول علية القوم هرع العامة من الشعب للدخول في دين الله أفواجاُ. وهكذا تحولت تكرور إلى مملكة مسلمة، صفوة وعامة، قادة وشعب.

لم يقف الملك الصالح وار جابي عند هذا الحد، بل قام بفرض الصلاة والزكاة والصوم في كل أرجاء المملكة، وبنى المساجد ودور العلم، ومراكز تعليم القرآن. وفي حوالي العام 1035، قام بإعلان الإسلام دينا رسميا لمملكة التكرور. وبهذا نقل هذا الملك الصالح، الاسلام من تدين أفراد إلى مشروع دولة.

بعد أن تجذر الإسلام في مملكة التكرور، سعى الملك وار جابي لتوسيع دائرة الإسلام، وبدأ يعد العدة للسيطرة على إمبراطورية غانا كلها وإدخالها في الاسلام ، ولكن الأجل المحتوم لم يمهله طويلا.. وبذلك يستحق هذا الملك الصالح أن نطلق عليه بإمتياز، مسمى الأب الروحي للإسلام السياسي في إفريقيا جنوب الصحراء.

توفى الملك الصالح وار جابي في حوالى 1041 للميلاد، بعد أن وضع أسس دولة إسلامية قوية وترسخت عرى الإسلام في تكرور وما حولها. وواصل إبناؤه السير في طريقه حتى بلغت مملكة تكرور ذروة نفوذها خلال القرنين 11 و 12، وإستفادت من موقعها الجغرافي على نهر السنغال فأصبحت لاعباً إقتصادياً مهماً، واستقلت موقعها ونفوذها في نشر الإسلام في الإقليم.
فى العام 1076 تحالف حفيد الملك وار جابي المسمى لوبو وار جابي مع دولة المرابطين في المغرب وسيروا جيشاً عرمرماً قضى على إمبراطورية غانا الوثنية، واستولى على عاصمتها كومبي صالح. ولا شك أن سقوط غانا قد أفسح المجال بعد سنوات لقيام مملكة مالي الإسلامية أعظم الممالك الإسلامية الأفريقية.

وبتحالفها مع دولة المرابطين أصبحت مملكة التكرور أول جسر تواصل إسلامي، بين أفريقيا جنوب الصحراء والمغرب من جهة والأندلس ومصر والحجاز من جهة أخرى. حيث تشير المصادر التاريخية أن جنوداً من التكرور شاركوا مع قوات المرابطين في جهادهم في الأندلس. وعبر المغرب وصلت أوائل طلائع الحجيج المسلمين من التكرور طريقها إلى مكة المكرمة، وكانت أول مرة يرى فيها أهل الحجاز مسلمين سمر البشرة قادمين من غرب أفريقيا، ولذلك ظل أهل الحجاز حتى اليوم يطلقون على مسلمي غرب أفريقيا مسمى التكارنة، بالرغم من أن غرب أفريقيا المسلم به عرقيات مختلفة، لكن التكرور كانوا أهل سبق. كما وصل التكارنة أيضاً الى الأزهر، ودرسوا فيه، وقد لا يعلم كثير من الناس أن حى بولاق الدكرور في القاهرة، هو تحريف للإسم الحقيقى بولاق التكرور.

وبعد، تلك ملامح قليلة من سيرة هذا الملك الصالح وار جابي ملك مملكة التكرور الذي يستحق أن نطلق عليه لقب: الأب الروحي للإسلام السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء. فهو أول ملك مسلم على الاطلاق ، وأقام أول مملكة تعتمد الاسلام شريعة ومنهاجا، ونقل الإسلام من تدين الأفراد ليكون ديناً لدولة. وأرجو أن يكون هذا المقال بعضاً من الوفاء وتسليطاً للأضواء على سيرة ومسيرة هذا الملك الصالح، والتى غابت عن الذاكرة الجماعية الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى