مصر والدبلوماسية العلمية للمياه: دلالات إنشاء كرسي اليونسكو للمياه العابرة للحدود وانعكاساته على حوض النيل والخزان الجوفي النوبي

د. عمار أبكر عبد الله
في مساء الخميس 12 مارس 2026، استضاف المركز القومي لبحوث المياه في مصر، التابع لوزارة الموارد المائية والري، مراسم توقيع اتفاقية إنشاء كرسي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لإدارة وحوكمة المياه العابرة للحدود.
تأتي هذه الخطوة لتؤكد أهمية الجمع بين العلم والدبلوماسية في إدارة الموارد المائية المشتركة بين الدول. وقد استضاف المراسم وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، وحضرها كل من: وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي ورئيس اللجنة الوطنية لليونسكو الدكتور عبد العزيز قنصوه، إلى جانب مسؤولين وخبراء وباحثين متخصصين في مجال المياه.
يمثل إنشاء هذا الكرسي خطوة استراتيجية تعكس إدراك مصر و المجتمع الدولي لضرورة تكامل البحث العلمي مع صنع القرار السياسي في إدارة الأحواض المائية المشتركة. فالمياه العابرة للحدود لم تعد مجرد ملف فني، بل أصبحت قضية استراتيجية تتقاطع فيها الاعتبارات العلمية والقانونية والسياسية والتنموية.
ويأتي إطلاق هذا الكرسي في ظل التحديات المتزايدة التي يشهدها حوض نهر النيل، أحد أكبر الأحواض المائية المشتركة في العالم، والذي يمتد على مساحة تقارب 3.4 مليون كيلومتر مربع ويضم إحدى عشرة دولة: (مصر، السودان، إثيوبيا، جنوب السودان، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإريتريا بصفة مراقب). ويعتمد على مياه هذا النهر أكثر من 300 مليون نسمة بشكل مباشر أو غير مباشر.
وقد برزت أهمية التعاون العلمي في هذا الحوض بشكل خاص خلال العقد الأخير، في ظل التطورات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير الذي بدأ تشييده عام 2011 على النيل الأزرق، وتبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب من المياه. وقد أكدت هذه التطورات أن إدارة الأنهار المشتركة تتطلب مقاربات علمية ومؤسسية قائمة على تبادل البيانات والمعرفة وتعزيز الحوار بين الدول المتشاطئة.
وتعد كراسي اليونسكو منصات دولية لتعزيز البحث العلمي وبناء القدرات وتبادل المعرفة بين الجامعات ومراكز البحوث حول العالم. ويضم برنامج كراسي المنظمة، الذي أُطلق عام 1992، اليوم أكثر من 850 كرسياً علمياً في نحو 120 دولة، تغطي مجالات متعددة تشمل التعليم والعلوم والبيئة والهندسة.
ولا تقتصر أهمية هذا الكرسي على نهر النيل وحده، بل تمتد أيضاً إلى موارد مائية استراتيجية أخرى، من بينها (الخزان الجوفي للحجر الرملي النوبي)، الذي يعد من أكبر الخزانات الجوفية العابرة للحدود في العالم. ويغطي هذا الخزان مساحة تقارب 2.2 مليون كيلومتر مربع تمتد عبر أربع دول هي: السودان، مصر، ليبيا وتشاد، وتقدر مخزوناته المائية بنحو 150 ألف كيلومتر مكعب من المياه الجوفية العميقة.
وقد بدأت جهود التعاون الإقليمي بشأن هذا الخزان منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أُنشئت آلية للتعاون بين الدول الأربع عام 1992، وتوجت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية إطارية للتعاون عام 2013 لتعزيز التنسيق في مجالات البحث العلمي وتبادل البيانات وإدارة هذا المورد الاستراتيجي.
وتشير التجارب الدولية بوضوح إلى أن العلم يمكن أن يشكل جسراً للتعاون وبناء الثقة بين الدول. فعندما تتوفر المعرفة العلمية الدقيقة والبيانات المشتركة، يصبح من الممكن تحويل الخلافات المحتملة إلى فرص للتعاون وتحقيق المنافع المتبادلة.
ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بــ(الدبلوماسية العلمية للمياه)، حيث يلتقي البحث العلمي مع العمل الدبلوماسي لإيجاد حلول عملية ومستدامة للتحديات المرتبطة بالموارد المائية المشتركة. فالعلم يوفر الأساس الموضوعي للفهم والتحليل، بينما تتيح الدبلوماسية تحويل هذا الفهم إلى سياسات واتفاقات تعزز الاستقرار والتنمية.
وبالنسبة للسودان، تمثل مثل هذه المبادرات فرصة مهمة للانخراط في شبكات البحث والتدريب والتعاون العلمي المرتبطة بإدارة الموارد المائية العابرة للحدود. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز حضور المؤسسات الأكاديمية والبحثية السودانية في مثل هذه المنصات الدولية، بما يسهم في تطوير المعرفة الوطنية في مجالات الهيدرولوجيا وحوكمة المياه، ويقوي قدرة البلاد على دعم مواقفها الفنية والدبلوماسية في القضايا المائية الإقليمية.
وفي المحصلة، فإن مستقبل التعاون في حوض النيل والخزانات الجوفية المشتركة لن يعتمد فقط على المفاوضات السياسية، بل سيتأثر بدرجة متزايدة بقدرة الدول على إنتاج المعرفة العلمية المشتركة وتوظيفها في دعم القرار السياسي. فعندما تتحد الإرادة السياسية مع العلم والمعرفة، ويصبح القرار مبنياً على الأدلة والبيانات العلمية …. تتعزز فرص التعاون وتزداد إمكانية الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة لإدارة الموارد المائية المشتركة بما يخدم مصالح شعوب المنطقة وأجيالها.



