إطلاق تقنية USSD للخدمات المصرفية في السودان : فرصة لتعميق الشمول المالي وتوسيع الاقتصاد الرقمي

د. مروة قباني **
يمثل إعلان وزارة التحول الرقمي والاتصالات السودانية عن إطلاق تقنية USSD للقطاع المصرفي بالتنسيق مع بنك السودان المركزي، وجهاز تنظيم الاتصالات والبريد، خطوة مهمة في مسار التحول الرقمي للقطاع المالي في السودان.
فهذه الخطوة لا تقتصر على تقديم وسيلة تقنية جديدة للوصول إلى الخدمات المصرفية، بل تمثل أداة إقتصادية يمكن أن تسهم في توسيع قاعدة المتعاملين مع الجهاز المصرفي وتعزيز الشمول المالي في البلاد.
وتأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول مالية رقمية منخفضة التكلفة وسهلة الوصول، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالبنية التحتية للإنترنت والانتشار المحدود للهواتف الذكية في بعض المناطق.
تقنية بسيطة بأثر اقتصادي واسع:
تعتمد تقنية USSD (unstructured suppplemntary services data) على بروتوكول إتصال يسمح للمستخدمين بالوصول إلى خدمات تفاعلية عبر إدخال أكواد قصيرة مثل*123#
دون الحاجة إلى إتصال بالإنترنت أو تثبيت تطبيقات على الهواتف الذكية. وتظهر للمستخدم قائمة خدمات تمكنه من إجراء عمليات مالية مختلفة مثل تحويل الأموال أو الاستعلام عن الرصيد أو الاطلاع على سجل المعاملات.
ورغم بساطة هذه التقنية، فإنها لعبت دوراً محورياً في توسيع الخدمات المالية في العديد من الدول النامية، حيث تعتمد على البنية التحتية القائمة لشبكات الهاتف المحمول وتعمل على جميع أنواع الهواتف بما فيها الهواتف التقليدية.
وفي الحالة السودانية، تكتسب هذه التقنية أهمية مضاعفة نظراً للفجوة القائمة بين انتشار الهواتف المحمولة ومستوى استخدام الخدمات المصرفية.
فجوة بين انتشار الهواتف والخدمات المصرفية:
تشير التقديرات إلى أن نسبة انتشار الهاتف المحمول في السودان تتجاوز 70% من السكان، في حين أن نسبة المتعاملين مع الجهاز المصرفي لا تزال منخفضة نسبياً، حيث تُقدّر بنحو 30% فقط من السكان.
وفي المقابل، شهدت خدمات المحافظ الإلكترونية توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، إذ يقدر عدد المحافظ الرقمية بحوالي 8 ملايين محفظة إلكترونية، ما يعكس وجود قاعدة مستخدمين قابلة للنمو إذا توفرت قنوات أكثر سهولة للوصول إلى الخدمات المالية.
هذه الأرقام تكشف عن فرصة كبيرة غير مستغلة بالكامل، حيث يمكن لتقنيات مثل USSD أن تسد الفجوة بين الانتشار الواسع للهواتف المحمولة ومحدودية استخدام الخدمات المصرفية.
تجربة السودان المبكرة في الدفع عبر الموبايل:
لم يكن السودان بعيداً عن تجربة الدفع عبر الهاتف المحمول، فقد بدأت هذه الخدمات منذ عام 2015 م من خلال نظام مركزي للدفع عبر الموبايل ( Gemalto system) ضمن منصة GMPP المركزية تم تشغيلها بواسطة شركة الخدمات المصرفية الالكترونية EBS الذراع التقني للبنك المركزي ، و تقوم المنصة علي نظام المحفظة الالكترونية.
وقد شهدت تلك المرحلة إطلاق خدمات المحافظ الإلكترونية بالتعاون بين المصارف وشركات الاتصالات، من أبرزها:
• خدمة قروشي بالتعاون بين شركة سوداني للاتصالات وبنك فيصل الإسلامي السوداني.
• خدمة موبايل كاش بالتعاون بين MTN Sudan وبنك النيل.
وقد اعتمدت هذه الخدمات بشكل أساسي على تقنية USSD لفتح المحافظ الإلكترونية وتنشيطها وتحويل الأموال بينها، إضافة إلى تنفيذ عمليات السحب والإيداع عبر شبكة واسعة من الوكلاء.
غير أن التجربة واجهت تحديات تتعلق بتكامل الأنظمة بين المصارف وشركات الاتصالات، إضافة إلى محدودية الانتشار الجغرافي للخدمة، وهو ما تحاول المبادرة الجديدة معالجته عبر إطار تنظيمي وتقني أكثر تكاملاً.
أهمية التنسيق المؤسسي:
إن إطلاق خدمات مالية عبر الهاتف المحمول يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الجهات المنظمة للقطاعين المالي والاتصالات.
فمن جانب، يقوم بنك السودان المركزي بدور رئيسي في:
• تنظيم الخدمات المالية الرقمية.
• وضع معايير الأمان والامتثال
• ربط البنوك بالأنظمة التقنية المشتركة.
• حماية بيانات العملاء.
ومن جانب آخر، تضطلع وزارة التحول الرقمي والاتصالات بدور مكمل يتمثل في:
• توفير البنية التحتية لشبكات الاتصالات.
• التنسيق مع شركات الهاتف المحمول.
• تخصيص الأكواد المختصرة للخدمات.
• ضمان استقرار الخدمة على شبكات الاتصالات.
ويمثل هذا التكامل المؤسسي أحد العوامل الحاسمة لنجاح أي منظومة للدفع الرقمي.
الأثر الاقتصادي المتوقع:
يمكن لإطلاق خدمات USSD المصرفية أن يحقق عدة مكاسب اقتصادية مهمة، من أبرزها:
أولاً: توسيع قاعدة العملاء المصرفيين:
من خلال تمكين المواطنين في المناطق الريفية ومناطق التعدين والزراعة من الوصول إلى الخدمات المالية دون الحاجة إلى فروع مصرفية.
ثانياً: خفض تكلفة الخدمات المالية:
حيث إن تقديم الخدمات عبر الهاتف المحمول أقل تكلفة بكثير من التوسع في إنشاء الفروع المصرفية التقليدية.
ثالثاً: زيادة الشفافية في المعاملات المالية:
وهو ما يسهم في إدماج المزيد من الأنشطة الاقتصادية في الاقتصاد الرسمي.
رابعاً: دعم برامج التحويلات الحكومية:
إذ يمكن إستخدام هذه القنوات في تنفيذ برامج الدعم الاجتماعي والتحويلات النقدية بصورة أكثر كفاءة.
الشمول المالي كهدف استراتيجي:
يعد الشمول المالي أحد الأهداف الرئيسية للسياسات الاقتصادية الحديثة، لما له من دور في تعزيز الاستقرار المالي وتحفيز النمو الاقتصادي.
وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن التوسع في الخدمات المالية الرقمية يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الادخار وتحسين كفاءة المدفوعات وتقليل الاعتماد على النقد.
وفي ظل الانتشار الواسع للهواتف المحمولة في السودان، يمكن لتقنية USSD أن تصبح جسراً يربط ملايين المواطنين بالنظام المالي الرسمي، خاصة أولئك الذين لا يملكون هواتف ذكية أو اتصالاً دائماً بالإنترنت.
في الختام:
يمثل إطلاق خدمات USSD للقطاع المصرفي في السودان خطوة عملية نحو بناء منظومة مالية رقمية أكثر شمولاً ومرونة. وإذا ما تم تنفيذ هذه المبادرة بكفاءة، مع تعزيز التكامل بين المصارف وشركات الاتصالات وتوسيع شبكة الوكلاء، فإنها قد تسهم في نقل جزء كبير من المعاملات المالية من الاقتصاد النقدي غير المنظم إلى الاقتصاد الرسمي.
وفي مثل إقتصاد السودان، حيث تتداخل تحديات البنية التحتية مع الحاجة الملحة إلى توسيع الشمول المالي، قد لا تكون التقنيات الأكثر تقدماً هي الحل دائماً، بل قد تكون التقنيات الأبسط — مثل USSD — هي الأكثر قدرة على إحداث الأثر الاقتصادي الأكبر.
** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي



