تقارير

ربكة مصرفية بسبب فقدان مستندات الديون جراء الحرب

المحقق – هالةحمزة
أفرزت الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023م تحديات جمة لم تقتصر على الجوانب الأمنية والإنسانية، بل طالت البنية الاقتصادية والمالية، وعلى نحو خاص قضية إثبات الديون، حيث أدى فقدان أو إتلاف المستندات المالية – سواء لدى البنوك أو مؤسسات التمويل أو الأفراد – لخلق إشكاليات معقدة تمس جوهر الحقوق المالية واستقرار المعاملات.

وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في اتساع نطاقها، حيث شملت القطاع المصرفي الذي فقد جزءًا من سجلاته، ومؤسسات التمويل الأصغر التي تعتمد غالبًا على أرشفة ورقية، إضافة إلى القطاع التجاري والدائنين الذين يحتفظون بأوراق تجارية مثل الشيكات والكمبيالات، مما أدى إلى صعوبة التحقق من المديونيات، وتصاعد النزاعات بين الأطراف.

وأشار مختصون وحقوقيون تحدثوا لــ”المحقق”، لتسبب فقدان مستندات الدين في ربكة مصرفية، لافتين إلى إمكانية إثبات الحقوق عبر النسخ المؤرشفة مدنياُ وليس جنائياً، فيما كشف البعض عن إحتفاظ المصارف بوسائل ضمان كافية لرد ديونها يتم حفظها في فلاش خارج المصارف وولاية الخرطوم كلها.

وقال نائب مدير أكاديمية السودان للعلوم الإدارية د. زين العابدين ياسين بريمة لـ”المحقق”: إن بعض المصارف
لم تتمكن من الوصول لحسابات العملاء، وحينما أقدم العملاء على السحب من حساباتهم سمحت لهم بالسحب بناءً على إفادات منهم أو اعتماد إبراز آخر رسالة أرسلت من المصرف للعميل وعندما توصلت المصارف إلى البيانات الصحيحة اكتشفت قيام العملاء بسحب أكثر من أرصدتهم المتاحة ما اضطرها لمطالبتهم برد المبالغ المسحوبة، مشيراً إلى أنه في مثل هذه الواقعة تورد المؤسسات رواتب العاملين، لدى المصارف بكشوفات فقط ولا توجد شيكات.

وأشار د. زين العابدين لاحتمالات أن يكون السداد بموجب تفويض للبنك بالخصم من الحساب أو ما يعرف بأمر الدفع المستديم Standing Order ، وأوضح أن الطرف الضامن يكون ملزماً بالسداد في حال فشل المدين في السداد، أما في حالة فقدان المستندات فيصعب إثبات ذلك.

وأضاف إن شيكات السداد والضمان تعتمد على السياسات الداخلية لكل بنك حسب حرصه وتفعيله لسياسات درء المخاطر،
وكشف عن إمكانية إثبات الدين مدنياً، أما جنائياً فإن الصورة المؤرشفة إليكترونيا قد لا تقبل لفتح بلاغ جنائي، لافتاً إلى أن الحرب كشفت الكثير من الإفرازات التي تحتاج لفقه شرعي وقانوني خاص لمعالجتها.

من جهته، قال مستشار التطوير المؤسسي، خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف لـ”المحقق”: إن فقدان المستندات يؤثر بشكل مباشر على الثقة في المعاملات المالية، حيث تراجعت الثقة بين المتعاملين، وتعطلت عمليات السداد، كما واجه القضاء تحديات كبيرة في الفصل في النزاعات بسبب ضعف الأدلة، ما أدى لإطالة أمد التقاضي.

وأشار نعمان لتسبب ذلك في المقابل، في بروز تسويات عرفية خارج الأطر القانونية، لا تخلو من المخاطر، إلى جانب زيادة تحفظ المؤسسات المالية في منح التمويل، موضحاً أن عبء إثبات الدين قانونياً يظل على عاتق الدائن، غير أن فقدان المستندات يضعف مركزه القانوني، رغم إمكانية الاستعانة بوسائل بديلة كالشهادة والمراسلات والتحويلات البنكية.

وقال إن الحرب تعد ظرفًا استثنائيًا يمكن اعتباره قوة قاهرة تبرر التخفيف في متطلبات الإثبات، مع الحاجة إلى تنظيم مسألة التقادم في ظل تعطل مؤسسات الدولة.

وأوضح إنه من الناحية الشرعية، فقد أكدت الشريعة الإسلامية أهمية توثيق الديون، مع إقرارها بتنوع وسائل الإثبات وعدم حصرها في الكتابة وحدها. كما تبرز قواعد مثل “لا ضرر ولا ضرار” واعتبار الأعذار في حالات الحرب، بما يفتح المجال للتيسير دون التفريط في الحقوق، ويعزز من أهمية الصلح كوسيلة أصيلة لفض النزاعات.

ودفع بمقترح لمجابهة تلك التحديات تشمل تطوير قواعد الإثبات لتكون أكثر مرونة، وإنشاء آليات بديلة لتسوية النزاعات، وتسريع التحول الرقمي لحفظ البيانات، إلى جانب إصدار تشريعات استثنائية لمعالجة آثار الحرب، وإعادة بناء السجلات المالية بالاعتماد على مصادر بديلة.

واعتبر يوسف إشكالية فقدان مستندات إثبات الديون في السودان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة القانونية والشرعية على التكيف مع الأزمات ولن يكون تجاوزها ممكنًا إلا من خلال مقاربة متكاملة توازن بين حماية الحقوق ومراعاة الظروف الاستثنائية، بما يعيد الثقة للمعاملات ويؤسس لمرحلة من الاستقرار الاقتصادي.

ويرى الخبير القانوني الفاتح الحاج في حديثه لــ”المحقق” أن وسائل إثبات الحق لا تقتصر على المستندات فقط ويمكن ذلك بأي طرق من الطرق التي حددها القانون، وأوضح قيام المصارف بعمل أرشفة إليكترونية لمستنداتها ما يمكنها من الإستعاضة عن المستندات المادية المفقودة بالإليكترونية والتي تعتبر وسيلة من وسائل إثبات الحق المتعددة التي تستطيع من خلالها رد ديونها
كشهادة الشهود والتي تثبت الحقوق والإقرار والقرائن، وتوجيه اليمين “الحلف” بالدين، وحجية الأحكام، مراجعة الشريك والحاضر للوقائع وغيرها.

أما الخبير المصرفي د.صالح جبربل فقال لـ”المحقق”: إن فقدان مستندات الدين لايعني عدم معرفة المصارف بمبلغ الدين، وأشار لإحتفاظ المصارف بوسائل الضمان بالقيام يوميا بعمل نسخ احتياطية فى فلاش تحفظ خارج كل المصرف، وأوضح أن جل المصارف تملك نسخاً احتياطية خارج الخرطوم وفي هذه النسخة يوجد إسم العميل، حجم الدين، الأقساط المستحقة، نوع الضمان.

واستبعد جبريل حدوث مشكلة في معرفة العملاء وحجم ديونهم، واعتبر مبدأ أعرف عميلك إحدى الوسائل التي يمكن التعرف بها على العملاء، بالإضافة إلى أن هذا الدين مسئولية أمام الله، مشيراً إلى أن النسخة الاحتياطية فيها كل المعلومات التي أشرت إليها عن العميل فإذا فقدت الشيكات الخاصة بالأقساط يمكن أن يتم الاتصال بالعميل وكتابة شيكات الأقساط المتبقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى