رأي

دراما (حكايات المنطقة X): الفن مقاومة وبطولة وإزميل لتشكيل الحقيقة

الدكتور فضل الله أحمد عبد الله

1

من أكثر التعابير وضوحا عن مسألة الفن والمقاومة هي للمبدع الجنوب إفريقي ” ثامي منيلي ” إذ قال :

“ يجب أن يكون العمل الفني مكملًا لعملية خلق مأوى لعائلتي أو تحرير بلادي. هذه هي الثقافة ”.

كما ذهب من قبله الزعيم الشيوعي الصيني ” ماو تسي تونغ ” باتجاه المعنى نفسه قائلا :

” يجب جعل الأدب والفن جزءًا فعَّالًا من جهازنا الثوري، ليصبحا سلاحًا قويًّا، به نوحِّد ونثقف شعبنا، ونهاجم ونحطِّم العدو، ونساعد شعبنا، ليتمكَّن من محاربة العدوِّ بقلب واحد وإرادة واحدة “.

وقد يرى البعض أن تلك الدعوة هي خدش صريح لجمالية الفن.

و “جيل دولوز ” يتجاوز تلك الأطر لجميل، فيقول :

” إن الفن في مفهومه الكلي يتجاوز حدود دائرة الجميل كما هو معروف كنشاط خاص بالفنان وحده، بل بقدرما هو إثبات لمفارقات الحياة وتناقطاتها، وتحويلها إلى ظاهرة فنية وجمالية خليقة بأن تعاش ويعمل في إطار هذه الإستراتيجية على ابتداع ونحت كوكبة من المصطلحات موجهة للقضاء على إرادة النفي : الرغبة، المرح، الرقص، الضحك – فالفن يجعل الحياة ممكنة بل وجديرة بأن تعاش “. ووظيفته تماثل وظيفة العلم والفلسفة في المقاصد والأهداف. فهو نشاط إنساني خلاق، تولد ونشأ في كنف فلسفة الإنسان ومواقفه تجاه الأشياء من حوله.

وُلد الفن من رحم فكرة استخدام الإنسان الأول للحجارة مرتكز عليها لتوثيق انتصاراته فوق جدران الكهوف.

ومن ظلمة تلك الكهوف خرج الفن إلى النور الأبلج، ومن خدع رحلات الصيد إلى قصائد المقاومة، ومشى مع الناس ملازما لهم في كل طرقات حيواتهم، وعاش معهم قوانين التطور والنمو، والانتصارات والخيبات. حتى ثبت سامقا، وصار ثابتا من ثوابت الوجود.

الفن – مكتوبا أو مرئيا أو مسموعا – هو من قوالب الإمتاع والإبهاج وإبعاد الشرور، وخطا أولى خطواته بعيدًا عن رغبات الأشرار والطغاة، ملتزما بقضايا الإنسان، فحرَّره وتحرَّر معه.

الفن الجاد هو من يتخذ الأفكار جسرا للعبور إلى الحقائق الشعورية والإنسانية والإجتماعية.

والفنان هو القارئ القدير لمشاعر بيئته الاجتماعية، ويشعره أن هذا المنجز الفني هو تصوير مجيد لحياته بالفن، وكشف لذاته كإنسان أولا، ذاته بكل غموضه والتباسه، إيجابياته ونقائصه وتناقضاته وتعقيداته ومحاسنه.

ثم كشف لهويته الوطنية المقاومة لكل عوامل التجريف والطمس. كما أنها ساحة قتال رمزية، ووسيلة للتحدي وأداة لقهر الموت والعدم.

بذلك المعنى إلتمعت في الوجود الإنساني ” الإلياذة ” و “الأوديسا ” ملاحم شعر مسرحي صور وقائع أخبار وسير بطولات قدماء الأغريق ونضالهم الصلد في سبيل التغلب على مهددات الموت والإنقراض.

فالمجتمعات الإنسانية الغابرة والكائنة، عند أوقات شدة وطأة البلايا عليها، ثمة أدباء وفنانون مبدعون منهم، يجودون بمواهبهم وأدواتهم الإبداعية مناضلين.

ويصبح لديهم المجهود الفني الإبداعي كأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تخرج أوطانهم من إتون البلاء منتصرين شامخين.

 

2

 

بذلك الجوهر المشع بمعنى إنسانية الفن المقاوم للشرور الماحقة للفضائل، تصدر المخرج الفنان أبوبكر الشيخ قائمة الشرف الوطني السوداني، التزاما بالفن بوصفه مشروع إنساني، متعدَّيا به حدود خاصية البنادق والمدافع في الحروب، ليجعل منه ” إزميلا ” لتشكيل الحقيقة، ورصاصة في نحر العدو.

 

وأبوبكر الشيخ مخرج فنان باهر الموهبة، في رؤاه الكلية يهتم بأمرين :

 

أولهما، يعمل على وصل المجتمعات السودانية الحاضرة بالروح الوطنية وميراثها، أي بين تراثها القيمي الثمين، ونهضتها الحاضرة المتوثبة.

 

ولعلي من النقاد الذين يكبرون دائما في شخص أبوبكر الشيخ، أنه حامل مشعل معنى الإنتماء الوطني وفي هذه المرحلة من تاريخ بلادنا، كما أقدر في أعماله الدرامية دائما روح التجدد والواقعية.

 

أما الأمر الثاني الذي أود الإشارة إليه، هو عنايتة الحاذقة بتشكيل الدلالات المنطوقة والمرئية والمسموعة في جميع أعماله، والتي تأتي في كل الأحوال متناسبة مع مدارك جميع مستويات الجمهور المتلقي، لامتيازها بسهولة اللفظ، وبساطة الشكل والمغذى، مقدما للناس صورا ناطقة للحياة، بل وتتقدمها لتعمل على تطويرها وترقيتها، متجاوبا مع أحداثها تجاوبا بناء فعالا.

 

لقد سبق وقد أشرت في أكثر من مقال عن سيرة أبوبكر الشيخ الذاتية والفنية، أنه دخل باكرا، في معترك المهنة المحتدم، وأثبت قدرات إبداعية هائلة في فن التمثيل أولا، ثم فن الإخراج المسرحي، وتوج تجربته في المسرح بعرض مسرحية ” النظام يريد “، تلك المسرحية الجماهيرية، التي أبدع صورتها المشهدية بالبساطة والإبتعاد عن الإغماض والمستغلق من الدلالات والتعابير.

كان وقد سبقتها من انجازاته المسرحية ذات المحتوى السياسي :

مسرحية : حكومة في مزاد .

مسرحية : أريد شعبا .

مسرحية : رئيس نزيه جدا .

 

وفي شق فني آخر، أمسك أبوبكر الشيخ ناصية الإخراج الدرامي التلفزيوني، ثابر حتى عرج بتجربته ” حكايات سودانية ” من سفح السائد والمألوف في تقنيات وتشكيلات الصورة، إلى علو آخر، بارعا بأصول تكوينات الصورة، وإعتناء حاذق بتفاصيلها وثراء سيميائتها الدلالية.

 

وعندما كانت ” حكايات سودانية ” يكتبها قصي السماني، أو عبدالناصر الطائف، أو أشرف بشير وآخرين. كان أبوبكر الشيخ يجعل من تلك الحكايا المكتوبة على الأوراق، كائنات نابضة لا سردًا جامدًا، وأصوات شخوصه تعلو لا بالصراخ، ولكن تزدهر وترتفع بمستوى الموقف والمعنى.

 

ﺁمن أبوبكر الشيخ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦَّ ﻟﻴﺲ ﻋﺒﺜﺎً، ﻭﻟﻴﺲ ﺗﺮﻓﻴﻬﺎً ﻭﺣﺴﺐ، بل هو ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ، ﻓﻤﺎ ﺍْﺳﺘﺸﻌﺮﺕ نفسه ﺧﻮﻓﺎً قط. وفي أكثر إنعطافات الزمن خطورة على السودان، وقف أمام الأمام ، مقبلا بروح الفن، لا مدبرا بتصورات وهمية تزيد من أوهام المتوهمين في فضاءات الثقافة والفنون، محققا الثابت عندي، وهو أن المخرج، إذا لم يكن يظن أنه سيتجاوز السائد من المفاهيم والعادية من الأعمال، فالأفضل له أن يخرج من دائرة الإبداع، ولا يحاول الإنتاج أصلا، فالتواضع ليس صديقا حميما للمبدع، وما الفن إلا ضرب من الصمود ودعوة صدق وحق، وسير في طريق أقل أنحائه شوك.

 

3

نحن ندري معارك حرب الكرامة التي لا نزال نصلاها، ونخوضها مؤمنين.. فما الجديد الذي قاله أبوبكر الشيخ بحكايات المنطقة X ؟

وبأي مخيال استطاع أن يتجاوز حدود وقائع لا تنفصل عن حياتنا اليومية؟

هل استطاع أن يلقي ضوءا قويا على زويا أقاصيص هي من قطرات دماءنا وأحاجي هي من مزق أشلاءنا ؟

ثم كيف استطاع أن يزيح الحجب عن معنى ” البطولة ” .. والبطولة كما نعتقد في حرب الكرامة هي انعكاس لبطولة الشعب السوداني نفسه في دعمه الجسور لجيشه الوطني؟

تلك الأسئلة الاستباقية يضعها أغلب النقاد أمام كل مبدع درامي إذا رغب على سبيل المثال في دعم المجهود الحربي، أو هذا الاتجاه الثوري، أو ذاك.

والسؤال دائما، ماذا سيفعل؟

وهي أسئلة تتضمن داخلها أجوبتها المقولبة الجاهزة :

أنه سوف يتناول الأحداث الجارية والتعليق عليها وبالتالي، سنكون أمام رصد وتسجيل لأحداث عاشها المشاهد نفسه.

وذلك القول هو اعتقاد راسخ أن الثورات والحروب تحتاج إلى زمن للتعليق عليها أو لتأملها والرهان دائما أن تكون الدراما في المعركة بشكل مباشر تجربة فشلت إلى حد كبير، هذا – طبعا – بإستثناء الأغاني الوطنية لما للموسيقى من تأثير على الحواس، وكذا الشعر الغنائي الذي يحتفي بالايقاع.

بيد أن الأصوات تتعالى في الوقت نفسه، وتتساءل عن دور الأدب والفنون في الحياة، فالحروب والثورات والأزمات التي يمر بها المجتمع تعتبر إمتحانا عمليا لدورها في المجتمع، وأهميته للأفراد. فهل هو مجرد زخارف إجتماعية؟ أم ضرورة حياتية؟

من المسلمات المعرفية – كما أشرنا – أن الآداب والفنون منذ نشأتها هي فعل مقاومة لأنها تجسد صراع الإنسان مع الظروف الكائنة بكل تجلياتها سواء متخيلة أو واقعية.

وقد ذهب الباحث محمد فؤاد رشوان بالقول أن توظيف الفن في المقاومة ليس بدعة جديدة، ولا هو خاص بعصر من العصور ولا بشعب من الشعوب، فلو تتبعنا الآثار الأدبية عبر الزمان والمكان منذ نشأة الفنون الأدبية لوجدنا صنوفا وفنونا من توظيف الأدب للمقاومة، وهو ما يدل على وجود صلة وثيقة بين الإبداع واحتياجات الانسان المادية والمعنوية.

أما عن المقاومة بالفن فتتوقف على أربعة عناصر هي طبيعة الفنان وخصوصيته وثقافته ونفسيته ومدى استعداداه للتضحية في سبيل موضوع المقاومة ومدى إيمانه به، كذلك طبيعة موضوع المقاومة ذاته وخصائصه، وهو النضال ضد الاستعمار أو الاحتلال أو مقاومة فساد مع ضرورة الانتباه أن ثمة فرقا بين نضال المبدع بفنه ونضاله في ساحة المعركة، وأيضًا طبيعة الفن ذاته فما يمكن أن يؤديه الشعر من مقاومة يختلف عما تؤدية القصة أو المقال أو الأغنية، ولذلك يتم توظيف كل فن من الفنون بما يتناسب مع طبيعته في مجال المقاومة، وأخيرًا الغاية المعلقة على هذه المقاومة.

فهناك فرق كبير بين المقاومة من أجل طرد المستعمر أو المحتل وبين مقاومة الفساد أو مقاومة أوضاع سياسية خاطئة. وليس هناك منجز فني أصيل وجاد يخلو من فعل المقاومة بكل أشكالها.

وبناءا على ذلك الاستقصاء نعمل في مقالنا هذا، مناقشة الرؤية الكلية للمخرج أبوبكر الشيخ، كشفا عن المستغلق في بعض زوايا منجزه الإبداعي الدرامي التلفزيوني بحلقاته المتسلسلة : ” حكايات المنطقة X ” .. والتي تم بثها في فضائية ” قناة الزرقاء ” في اليوم الأول من شهر رمضان .. الموافق يوم 18 فبراير حتى 2026م بعدد عشرين حلقة متسلسلة.

4

دراما ” حكايات المنطقة X ” وبصياغة أخرى لمجموع أسئلتنا المذكورة آنفا.. هل هو منجز إبداعي يدخل دائرة فن المقاومة؟

فثمة ثلاثة أبعاد تميز بها أبوبكر الشيخ في حكايات منجزه الإبداعي.

أولها، البعد الاجتماعي، والثاني البعد الإنساني، ثم البعد الوطني ” القومي “.

وتلك الأبعاد الثلاثة هي جوهر أدب وفن المقاومة، ونراها شعت وتجلت في حكايات المنطقة X فتمكن أبوبكر الشيخ وباقتدار مائز أن يتجنب مواضع الانزلاق في وحل الهتاف أو التقرير المباشر الذي لا يستثير الوجدان. فقد ذهب برؤيته بعيدا من دائرة فن المناسبات الذي تنتهي صلاحيته بانتهاء المناسبة! فقد قدم فعلا نموذجا للإبداع المقاوم.

نجد جميع العنواين التي ارتسمت بوصفها شارات دلالية كبرى في الحلقات المتسلسلة لحكايات المنطقة X، وبتنوع موضوعاتها واختلافها، إلا أنها – على حد سواء – اشتركت في جوهر إبداع المقاومة الذي يعتني بالبعد الإنساني والاجتماعي والوطني باعثا للإيمان بالوطن.

استطاع أبوبكر الشيخ وبمخياله الإبداعي الباهر، أن يتحكم في مجموع العناصر الفنية المتعددة المنتجة للعمل الدرامي وأن يستحوذ على قدرات الممثلين، والمصورين، والفنيين الممسكين بأدوات تشكيل المناظر والخدع البصرية والمؤثرات الصوتية.. واحتواهم جميعا – بتعدد مواهبهم وتقاطعاتهم – وجعل منهم ضفيرة واحدة. وبحذق جميل رفع بمستوى التناسق والانسجام بينهم، مستثيرا مواضع ذكاءاتهم فأنتج حكايات المنطقة بكل ما تحمل من مضامين إنسانية مشرقة بالذات الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن أقوى أسباب الإمتاع والإبهاج في المسلسل هو عنصر ” الحوار ” .. فالحوار حقق وظيفته بنجاح في حكايات المنطقةX .. وذلك بتصويره المتميز للقصص، وتصوير الشخصيات، وخلق الجو أو الحالة. وبالحوار ازداد المدى النفسي عمقا  والحدث الدرامي تقدما، وتطوير الحبكة. والكشف عن أفكار الشخصيات وعواطفھا وأبعادھا.

والكشف عن علائق الشخصيات في إطار بنية الحدث الدرامي.

وبناء على ذاك يمكن القول أن مسلسل ” حكايات المنطقةX ” أعطى طاقة عظيمة في توسيع خيال الشعب السوداني وإلهابه بقيم التضحية والفداء، كما أنه منحه أيضا قدرة أخرى في إعادة تصور المجتمع لنفسه وتاريخه بوصفه أمة مجيدة لها تاريخ حيوي وحضارة باهرة، خلقت رموزاً كانوا منارات في التاريخ الإنساني.

وذلك هو الدور الهام الذي لعبه المخرج أبوبكر الشيخ في تقديم نموذجا للإبداع المقاوم مسهما

في تشكيل الهوية الوطنية التي هي الأساس لمواجه

العدو.

مؤكدا أن الفن وسلية ضرورية لخلق فهم جماعي للتاريخ يكون رافداً في ترسيخ الهوية التاريخية للأمة والنظر إلى الأمة في كينونتها التاريخية، أي في أبعادها الثلاث سواءً في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهو مايعطي لكل فعل مقاوم وكل تضحية معنى سامياً يتجاوز اللحظة الراهنة ويصلها بماضي الأسلاف ومستقبل الأبناء.

كشف أبوبكر الشيخ برؤيته الإخراجية في ” حكايات المنطقةX ” عن أهمية وقيمة فنون الأداء التمثيلي بوصفها أداة تخييل لازمة لخلق الهوية الوطنية المقاومة والتي يعجز الخطاب الفكري الجاف عن بلورته وخلقه كما تفعل فنون التمثيل.

5

إن كانت البطولة، هي ما يعمل الفنان دائما إلى استجلاءه للناس فالمنجز الدرامي التلفزيوني ” حكايات المنطقةX ” تفرد في عمليات استجلاء معنى البطولة نفسها وبأكثر من اتجاه .

والأحرى بنا، وقبل أن نذهب في توضيح الموضوع، نعمل أولا على أن نلقي ضوءا عاما على جوهر ” البطولة ” أو ” البطل ” هذا الإنسان الذي جاهد في سبيل الرقي والتحرر، فالناس مفطورون على الحرية والتحرر كما ذهب بذلك محمد المهدي المجذوب قائلا :

ومثل هذا الإنسان خليق دائما بالحب، ولذلك يفتش الناس عن أمثاله في القصص وقد اعتملت أصابع الإغريق فاخرجت له التماثيل … حتى عرب الجاهلية قد عبدوا الأصنام لأنها – كما قيل – صور لإناس فاضلين من الغابرين يلتمسها القوم في الاحجار والناس إذا فاتهم التعبير بالصور راحوا يؤلفون الاساطير لاشباع حاجة بشرية – ولدينا في السودان قصص كثير عن الفرسان والصالحين، الذين جرت على أيديهم الخوارق ..

والبطولة في الأثر الإبداعي العربي، حركة لا تتوقف فقد دارت عليها حياة الحرب.

فالبطولة نرى صورتها واضحة الملامح في الثقافة العربية، هي المروءة والفتوة والفصاحة وانها ذات اهداف انسانية، وانها تقف في جانب الحق.

وتأسيسا على ذلك، ووفقا لسؤالنا المركزي :

ثم كيف استطاع – المخرج – أن يزيح الحجب عن معنى ” البطولة ” ؟

والبطولة كما نرى في حرب الكرامة هو انعكاس لبطولة الشعب السوداني نفسه في دعمه الجسور لجيشه الوطني!!

برغم القول أعلاه، إلا أن الأجدر بالقول أيضا، ومن خلال النظر إلى المستوى الأعمق لهذا الجهد الإبداعي، أن البطل الأكثر إشعاعا هو المخرج نفسه.

فالبطولة كما يتصورها المرء في تاريخ الأدب العربي القديم إن المبدعين شركاء أصيلين للشعب نفسه، فأجمل الأشعار – مثلا – التي قيلت عن البطولة في الثقافة العربية، هي التي قالها شعراء أبطال، حملوا السيف مع القلم، فالبطل الكاتب أو الشاعر هو أقدر الناس على التعبير عن معاني البطولة.. إذ ” لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها ” ..

بهذا حفظ ديوان الشعر العربي القديم للشعوب العربية وحدتها في الشعور وحدتها في الأهداف.

وعلى ذات النسق ذهب بنا أبوبكر الشيخ، ليحمل أمانة الموهبة بشعاريته الدرامية المتلألأة حماسة للحياة وجاءت رؤيته الإخراجية تعبيرا عن جسارته المائزة، المتمثلة في الوقوف الصلد مع البلد والجيش والناس.

فإن كانت البطولة في تعريفات قاموسنا العربي القديم هو شجاعة القلب والجسد في القتال، والذي لا زال مفهومه باقيا في أذهان العامة وخيالهم – حسب محمد المهدي المجذوب – ولكن معنى البطولة قد يتطور مع تطور المجتمعات واختلاف نظرتها الى السلوك الإنساني فنحن اليوم – مثلا – لا نقيم كبير وزن لقادة الحروب الحديثة، لأن الحرب قد فقدت – إلى الأبد – ألوانها الفاقعة وزينتها وبريقها العتيق وتقاليدها الشريفة، أيام كان النزال قلبا لقلب وسيفا لسيف.

لامس أبوبكر الشيخ أعلى سقوف معنى ” البطولة ” أو ” البطل ” .. وفقا للتطور معناه في حاضرنا .. متجاسرا في تقديم صورة درامية ذات محتوى فكري، باسطا موقفه النبيل من الشخصيات والأحداث والصراع، مقدما للناس ملحمة درامية تلفزيونية شاعرية، فكانت بمثابة رياضة للطاقة روحية فوارة تدفعهم لإثبات الذات الجماعية والوجدان المشترك.

هو تمثيل قدم عرضا حاشدا من الشخصيات بأصوت جهيرة تحدث المتلقين بالحكمة المأثورة والأخلاق الفاضلة.

البطل في ” حكايات المنطقةX” هو المخرج بسموه وتشوفه للكمال وقدراته الروحية القوية المتفردة وشجاعته في توضيح رؤيته الخاصة في معارك حرب الكرامة ومقاوما عنيدا لتلبيس أبليس الذي يجد دائما في المبدعين تربة خصبة لزراعة الآثم الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى