العودة… بين جميل المقام وواجب الانتماء

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
ساعات قليلة تفصلني عن أرض الوطن، إن شاء الله. وفي هذه اللحظات، تختلط المشاعر بصورة يصعب ترتيبها؛ شيء من الراحة لاقتراب العودة، وشيء من الحنين لما كان، وشيء آخر من القلق على ما هو قادم. ثلاث سنوات ليست فترة عابرة، لكنها أيضًا لم تكن سهلة، بكل ما فيها من تفاصيل وتجارب ومواقف.
الغربة، كما يُقال، تُظهر معادن الناس. وهذا ما عشته فعلاً. مواقف بسيطة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها، كلمة طيبة، وقفة صادقة، أو حتى إحساس بأنك لست وحدك. هذه الأشياء الصغيرة هي التي تُخفف عن الإنسان ثقل الأيام، وتجعله قادرًا على الاستمرار.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن أمرّ دون أن أذكر جمهورية مصر العربية، قيادةً وشعبًا. ما وجدناه هناك لم يكن مجرد إقامة أو لجوء مؤقت، بل كان احتواءً حقيقيًا. تعامل يومي يحمل الكثير من الاحترام والتقدير، ومواقف إنسانية صادقة، وشعور بأنك بين أهلك.
مصر لم تكن فقط بلد استضافة، بل كانت—ببساطة—مكانًا وجد فيه كثير منا سندًا وقت الحاجة. وهذا لا يُنسى. الشكر هنا ليس مجاملة، بل اعتراف بجميلٍ حقيقي. جميل يُقال بوضوح، ويُحفظ في القلب، ويُقابل بالوفاء ما حيينا.
ومع كل ذلك، تبقى العودة إلى الوطن هي الأصل. لا لأن الطريق هناك مفروشًا بالورود، بل لأن هذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه. العودة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا عودة لوظيفة منتظرة، بل هي عودة إلى المسؤولية بمعناها الواسع؛ إلى دورٍ إنساني ووطني يفرضه الانتماء، ويقتضيه الواقع بكل تحدياته.
نعود ونحن نحمل معنا ما تعلمناه، لا كذكريات فقط، بل كخبرة نحتاجها في المرحلة القادمة. نعود ونحن نعرف أن الطريق ليس سهلًا، لكننا نعرف أيضًا أن الوقوف فيه واجب، لا خيار.
سيبقى لمصر مكانٌ في الذاكرة، ومكانٌ في القلب، لا يُنسى. وسيبقى الشكر لها حاضرًا، قيادةً وشعبًا، على ما قدموه في وقتٍ كان فيه الدعم يعني الكثير.
أما نحن، فواجبنا الآن أن نكون حيث يجب أن نكون، وأن نُسهم—بما نستطيع—في ما ينفع الوطن والناس، كلٌّ من موقعه، وبما يملك من جهدٍ وإمكانيات.
فالعودة ليست نهاية… بل بداية مختلفة، نأمل أن نكون فيها على قدر المسؤولية.



