رأي

في نقد الدولة المصنوعة ومتاهة النخب… نحو قراءة بنيوية للأزمة السودانية

 

د. الهيثم الكندي يوسف

لطالما انشغل العقل السياسي السوداني بتشريح أعراض الفشل بدلاً عن البحث في ماهية المرض نفسه. ففي السجال الفكري المحتدم حول مشكلة الإنتقال في الدولة السودانية تبرز تساؤلات جوهرية أثارها الأستاذ الصحفي العبيد مروح ورفدته رؤى نقدية صالت وجالت فهي ترى أن الإشكال ليس في (من يحكم) بل في (كيف ولماذا) نشأت هذه الدولة أصلاً. وما أسباب الفشل الذي ظل ملازما لها، وحاولت بمنهجية مختلفة إثارة هذه الأسئلة الصعبة والمتعلقة بتكوين الدولة، وهي الأسئلة التي آن أوان الإجابة عنها فكانت حوارات ثرة بعيداً عن السطحية التي اعتادت على حصر الأزمة في أنظمة الحكم بدلاً عن بنية الدولة نفسها.

إذاً فقد اتفق الجميع في هذا السجال في أن المشكلة تكمن في بنية الدولة والتي وفقها تم نشوء هذه البلاد المسماة السودان ولكنهم اختلفوا حول الأسباب وطرائق الحل، وهذا في ظني هو ما أثرى النقاش وحفزني لأكون جزءاً منه.

إن الخلط الشائع بين (الدولة) ككيان قانوني وتاريخي وبين (الحكومة) كأداة إدارية، جعلنا نغفل عن حقيقة أننا ورثنا هيكلاً استعمارياً لم يشغل باله جمع الناس وتواطؤهم علي عقد اجتماعي يجمع شتات الأقاليم المختلفة، إنما انشغل بما يحقق له أكبر الفوائد عسكرية كانت أو سياسية أو إقتصادية. ولعلنا هنا وكمدخل للموضوع نسأل عن موطن الفشل، هل هو في الدولة أرضاً وشعباً أم في الحكومة ذلك الجهاز الإداري الذي يدير المكونان سالفة الذكر؟

أولاً: الدولة كصناعة استعمارية… غياب العقد الاجتماعي:

إن الدولة السودانية بحدودها التي كانت عليها قبل 2011 وتعددها الإثني والجغرافي لم تكن نتاج اندماج طوعي أو تراضي تاريخي، بل هي صناعة استعمارية. سلمت هذه الدولة لجيل الاستقلال ككتلة صماء من الأقاليم المتباينة دون أن ينشغل الساسة الأوائل بإعادة تعريف الرابطة الوطنية. لقد ظل الجزء (الحكومة المركزية) يؤثر على الكل (الدولة) فيطبعها بطابع الفشل الذي ظل ملازما للحكومات، وبدلاً من أن تكون الدولة مظلة للجميع أصبحت أداة في يد النخب الحاكمة مما جعل الانتماء القومي يتراجع لصالح الانتماءات الأولية (القبيلة والجهة)

ثانياً: النخب وماكينة التجهيل والإفقار :

تكمن المأساة في أن النخب السياسية سواء في ثوبها الحزبي التقليدي أو في قوالبها التقدمية والإسلامية اللاحقة لم تعمل على تفكيك هذه البنية المشوهة بل استثمرت فيها وأصبحت جزءاً منها. فالحزبان الكبيران اللذان قادا فجر الاستقلال (الأمة والاتحادي) استغلا الولاء الإثني والجغرافي كأحد الروافع للوصول إلى السلطة، وكذا الحال للأحزاب الفكرية التي كان مؤملاً منها أن تسع الناس بأفكارها وتقضي على الاستقطاب الجهوي والمناطقي فاستحالت إلى ذات الصورة للأحزاب التقليدية، ولا يعوذني هنا أن أذكر بأن كلاً من طرفي مفاصلة الاسلاميين في العام 1999 استخدما العامل الجهوي لترجيح كفته. والحال نفسه بالنسبة لأحزاب اليسار العقائدية (الشيوعي) أو القومية (البعث) أو الأحزاب المناطقية، فقد كانت القيادات من كل هذه الكيانات تأتي من مناطق جغرافية معينة، مما يجعل الصورة تبدو أكثر وضوحا في أن التجربة الحزبية لم تنجح في القضاء علي اشكالات الانتماء المناطقي ولربما لم تحاول حلها أصلا.

لقد مارست هذه النخب سرقة ممنهجة لأصوات الجماهير بإهمالها تطوير الإنسان تعليمياً وتوعوياً. وكذلك عدم بذلها لأي مجهود يذكر لتنمية الريف، ومظان ذلك عندي هو الانشغال بالصراع السياسي، مع وجود رأي آخر معتبر يشير بأن كل ذلك كان مقصوداً (تجهيل وإفقار الأقاليم) وذلك لإبقاء المواطن في حالة حوجة دائمة، مما يسهل ضمان ولاءاته في السباقات الانتخابية أو حشده لتأييد الانقلابات العسكرية.

نافلة القول أنه حتى حينما كانت تبرز كفاءات علمية من صلب تلك الجماهير كان يجري استقطابها لتصبح مجرد تروس في الماكينة القديمة بدلاً من أن تكون أدوات بناء لرؤية جديدة.

ثالثاً: الاقتصاد كجذر للمشكلة… (التهميش ليس قدراً):

خلافاً للتفسيرات التي تحصر الصراع في العرق أو الجهة أو الدين تبرز الحقيقة البينة بأن الأزمة اقتصادية بامتياز. فالتمرد والحروب التي اندلعت في الأطراف لم تكن رغبة في الاقتتال لذاته بل نتيجة لغياب التنمية وتفشي الفقر. إن الشمال والوسط اللذين شهدا استقراراً نسبياً، لم يكن ذلك بفضل عبقرية حكومية بل نتيجة لثقافة الاغتراب والقرب الجغرافي من دول الجوار الغنية، مما وفر لمواطنيها فرصاً للكسب المالي عجزت الحكومات عن توفيره لأقاليم الغرب والجنوب.

إن التنمية هي العدو الحقيقي للحرب والمشعر بالانتماء، فالمواطن الذي يملك مصدر رزق كريم ومشاريع إنتاجية لن يجد مصلحة في حمل السلاح. بل سيكون هو حائط الصد الأول ضد أي تمرد يهدد استقراره الاقتصادي.

رابعاً: وهم التنوع الثقافي كقيمة مجردة:

كثيراً ما يساق نموذج الولايات المتحدة الآمريكية للتدليل على أن التنوع مصدر ثراء لكن هذا القياس يغفل حقيقة أن أمريكا لم تتوحد خلف فكرة التنوع إلا بعد أن بنى اقتصادها المهاجرون الأوروبيون عبر استغلال الموارد وتراكم الثروة. إن المعرفة والاقتصاد هما اللذان خلقا القوانين التي تحمي هذا التنوع، وليس العكس.
في السودان ظل التنوع نقمة لأنه افتقر إلى القاعدة الاقتصادية الصلبة التي تجعل من الاختلاف ميزة لا عائقاً.

خامساً: مخرج الطواري… تحريك الموارد لصالح الأطراف لا المركز:

إن المخرج من الدائرة الخبيثة يتطلب ثورة تنموية شاملة تعيد السلطة للموارد (ليس المواطن فهذا ليس خطا مطبعيا) يجب أن يكون المستفيد الأول من موارد الأقاليم هم سكان تلك الأقاليم أنفسهم لتحجيم مركزية الدولة التي كانت أساس المشكلة.

هذا يعني إننا بحاجة إلى:
– تحريك الموارد الضخمة بوعي وطني وهمة عالية تتجاوز المقاومة العالمية الطامعة في ثرواتنا. وبعدالة تتوزع علي كل أقاليم السودان
– بناء الإنسان عبر تعليم يحرر الوعي من سلطة القبيلة ويولد الإستتنارة التي تضعه في رحاب الانتماء للوطن المنتج.

سادساُ وأخيراً:

إنه لمن المؤسف أننا وبعد سبعين عاما من الاستقلال لم ننجز تطورنا بعد من مكوناتنا الأولية (القبيلة) لسعة (الدولة) دعك من الأمة.

لن تضع الحرب أوزارها ولن يستقر للسودان حال طالما ظلت النخب تقتات على أزمات الهوية وتتجنب مواجهة الأسئلة الصعبة. إن الانتقال من (دولة الغنيمة) إلى (دولة الإنتاج) حسب ما أري هو العقد الاجتماعي الكفيل بجعل الانتماء للسودان أكبر من الانتماء للقبيلة وبناء مجد يبدأ من الريف المنهك لينتهي في المركز المهيمن وليس العكس. فطالما إن الاقتصاد كان هو أس المشكل فينبغي له أن يكون هو المدخل للحل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اقرأ كثيرا للدكتور الهيثم الكندي
    ما شاء الله تبارك الله على العقلية السياسية العبقرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى