رأي

حين تصمت اللوائح .. وتصرخ العدالة: مأساة العاملين غير المداومين في المصارف السودانية

 

نعمان يوسف محمد **

 

 

لم يعد الصمت ممكناً. فما يجري داخل بعض مؤسسات الجهاز المصرفي السوداني اليوم، في ملف العاملين غير المداومين بسبب الحرب، لم يعد مجرد “ارتباك إداري” كما يحلو للبعض تسميته، بل أصبح – في جوهره – اختباراُ حقيقياً لفكرة العدالة نفسها: هل هي مبدأ، أم مجرد شعار يرفع في أوقات الرخاء ويطوى في زمن الأزمات؟

ثلاثة أعوام من التعليق .. أم من الإقصاء؟

لأكثر من ثلاث سنوات، ظل آلاف العاملين في حالة قانونية وإنسانية شاذة؛ لا رواتب، لا امتيازات، لا قرارات واضحة ولا توصيف قانوني صريح. بل حالة لا يمكن وصفها إلا بأنها تعليق متعمد للحقوق، أو – بعبارة أدق – “فصل غير معلن”.

والسؤال الذي يفرض نفسه: بأي سند تحجب الحقوق دون قرار عادل؟ وبأي منطق تعلق حياة الناس إلى أجل غير مسمى؟

الغياب القسري .. أم التكييف الانتقائي؟

هؤلاء العاملين لم يغادروا مكاتبهم ترفا، بل أخرجوا منها قسرا بسبب الحرب والنزوح وانهيار بيئة العمل. ومع ذلك، جرى التعامل معهم في كثير من الحالات كما لو أنهم متغيبون بإرادتهم. وهنا لا نتحدث عن خطأ إداري عابر، بل عن خلل في التكييف القانوني نفسه، حيث يتم تجاهل مفهوم “القوة القاهرة” بالكامل، واستبداله بتفسيرات انتقائية تخدم قرارات مسبقة.

في أروقة المحاكم .. حين تصبح المؤسسة طرفاُ ضد موظفيها

اليوم، المحاكم تمتلئ بقضايا العاملين، مطالبات برواتبهم المجمدة، طعون في قرارات ضمنية ونزاعات حول الوضع الوظيفي وهذا وحده كاف لقرع جرس الإنذار. فحين يصل النزاع بين المؤسسة وموظفيها إلى القضاء بهذا الحجم، فالمشكلة لم تعد فردية، بل هيكلية.

لكن ما هو أخطر من تعليق الحقوق، هو ما يتداوله كثير من المتضررين عن تفاوت واضح في إستدعاء بعض العاملين للخدمة دون غيرهم وفي غياب معايير منشورة أو مفهومة. فحين تغيب المعايير، يحضر الشك. وحين يحضر الشك، تتآكل الثقة ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الجهد ليدرك المراقب أن أي نظام تدار فيه العودة بهذه الصورة، يفتح الباب واسعاً أمام الانتقائية والمزاجية وربما ما هو أخطر من ذلك حتى لو لم يعلن ذلك صراحة.

ما الذي تخسره البنوك؟

قد يظن البعض أن المسألة مجرد “إدارة أزمة”، لكن الحقيقة مختلفة.، إنها عملية استنزاف صامت لرأس المال البشري. فالكوادر المصرفية المؤهلة، التي استثمرت فيها المؤسسات سنوات، تدفع اليوم دفعا إلى الهجرة والانسحاب أو القطيعة النفسية مع مؤسساتها. وفي المقابل، ستدفع هذه المؤسسات لاحقا ثمنا مضاعفا لإعادة بناء ما تم التفريط فيه بسهولة مدهشة.

المشكلة ليست في الحرب .. بل في ما بعدها

نعم، الحرب ظرف قاهر. لكن ما يحدث الآن هو اختيار إداري، وليس نتيجة حتمية للحرب. فالفرق كبير بين مؤسسة تدير الأزمة ومؤسسة تحمل ضحايا الأزمة كلفتها.

ما المطلوب الآن؟

ليس المطلوب خطابات تعاطف ومنشورات ترضية، بل قرارات واضحة تفضي لإعتراف صريح بأن الغياب كان قسريا، لا تقصيرا. ثم إيقاف التعليق المفتوح. فلا يجوز قانونا ولا أخلاقيا ترك العامل في حالة “لا شيء”. ومن بعد، وضع معايير معلنة لإعادة الخدمة، تطبق على الجميع دون استثناء، إضافة لمعالجة مالية عادلة ولو مرحلية، تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

كلمة لا بد منها:

إن أخطر ما يمكن أن تخرج به هذه الأزمة، ليس فقدان وظائف، بل ترسيخ سابقة مفادها أن الحقوق يمكن تعليقها .. دون مسوغ عادل وأن العدالة يمكن تأجيلها .. بلا سقف.

وهذه سابقة، إن استقرت، فلن تهدد العاملين فقط، بل تهدد فكرة المؤسسة نفسها. وفي النهاية، لن يسأل أحد، كم موظفا غاب؟

بل سيسأل: مَن أنصفهم .. ومَن خذلهم؟

 

 

** مصرفي سابق – إستشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أوفيت. وكفيت..
    الخبير.. النعمان يوسف..
    نأمل ان تصل رسالتك وتتم معالجة الوضع في أقرب وقت.. وصوت العدالة عاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى