الذهب الأخضر والأصفر: استراتيجية العبور بالاقتصاد السوداني نحو آفاق النهضة المستدامة

دكتور محمد عوض محمد متولي **
يواجه الاقتصاد السوداني في مرحلته الراهنة تحديات هيكلية معقدة تتطلب صياغة رؤية اقتصادية كلية تتجاوز الحلول الجزئية والمسكنات الآنية، لتنطلق نحو استراتيجية شاملة تضع الصادرات في قلب محرك النمو، إن فلسفة التحول الاقتصادي المنشودة ترتكز بالأساس على تعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية، وإعادة صياغة سياسات التجارة الخارجية بما يضمن تحقيق التوازن في الميزان التجاري واستقرار سعر الصرف، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا عبر منهجية علمية صارمة تحلل الإمكانيات الكامنة وتحولها إلى فرص استثمارية ملموسة، مدعومة بمصفوفة تنفيذية زمنية دقيقة، تبدأ هذه المنهجية بإعادة هيكلة سياسات الصادر بالانتقال من تصدير المواد الخام إلى مرحلة التصنيع التحويلي.
يمتلك السودان ميزات نسبية هائلة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية، ولكن استمرار تصدير المحاصيل كالسمسم والصمغ العربي والماشية في صورتها الأولية يفقد الدولة ما يقارب 70% من قيمتها السوقية العالمية، لذا فإن السياسة الناجعة تتطلب إنشاء مناطق تصنيع للصادر بالقرب من مواقع الإنتاج، مدعومة بحوافز ضريبية وجمركية مرتبطة بحجم العائد من النقد الأجنبي، وتفعيل آليات التمويل التجاري التي تضمن للمنتج والمصدر الاستمرارية، ويتطلب ذلك في المدى القصير (6-12 شهراً) تفعيل نظام النافذة الموحدة لتسهيل الإجراءات وتقليل التكلفة الإدارية، بينما يقتضي المدى المتوسط (1-3 سنوات) إنشاء مجمعات صناعية لمسالخ اللحوم وتصنيع الزيوت، وصولاً في المدى الطويل إلى غزو الأسواق العالمية بماركات سودانية مصنعة بالكامل تلبي معايير الجودة الدولية.
وفيما يخص قطاع الذهب، الذي يمثل العمود الفقري للصادرات الحالية، فإن المنهجية تقتضي تحويله من مجرد سلعة للمقايضة إلى احتياطي استراتيجي يعزز قوة العملة، مما يحتم في المدى القصير إلغاء تعدد الرسوم والضرائب على المنتجين التقليديين لضمان انسياب الذهب عبر القنوات الرسمية، وفي المدى المتوسط الانتهاء من بناء قاعدة بيانات جيولوجية رقمية وجذب كبرى شركات التعدين العالمية، وصولاً في المدى الطويل إلى اكتمال مشروع بورصة السودان للذهب لتكون المركز الإقليمي لتسعير وتداول المعدن النفيس، مع توطين كامل لصناعة التصفية والتشكيل لرفع القيمة المحققة.
أما على صعيد سياسات الاستيراد، فإن المنهجية التكاملية تحتم اتباع سياسة ترشيد الاستيراد الانتقائي بوضع قائمة سلبية للسلع الاستفزازية في المدى القصير وزيادة رسومها الجمركية، بالتزامن مع توفير تسهيلات لاستيراد المدخلات الزراعية والآلات، وفي المدى المتوسط يتم العمل على إحلال الواردات عبر دعم الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة، وصولاً في المدى الطويل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية كالقمح والسكر والأدوية.
إن تطوير الفرص المتاحة يتوقف على بناء منظومة لوجستية ورقمنة شاملة للتجارة الخارجية؛ فالسودان بموقعه الجغرافي يمثل بوابة برية وبحرية للدول الحبيسة، مما يفتح الباب أمام تجارة الترانزيت كصادر غير منظور، ويتطلب ذلك في المدى القصير إعادة تأهيل البنية التحتية للموانئ والنقل السككي، وفي المدى المتوسط تفعيل المناطق الحرة الحدودية، وفي المدى الطويل بناء شراكات استراتيجية مع التكتلات الكبرى كالصين وروسيا ومجموعة البريكس لضمان تدفق الاستثمارات النوعية في الطاقة والبنية التحتية الذكية.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، نضع عشر توصيات سياساتية دقيقة: أولاً، إنشاء المجلس الأعلى للصادرات برئاسة سيادية لتوحيد جهات اتخاذ القرار الاقتصادي ومنع تضارب الاختصاصات، ثانياً، إصدار قانون “توطين التصنيع الزراعي” الذي يمنع تصدير أكثر من 40% من محاصيل السمسم والفول السوداني في صورتها الخام كمرحلة أولى، وتنفذه وزارة التجارة والصناعة، ثالثاً، إطلاق مبادرة “ذهب السودان للبنك المركزي” عبر شراء الذهب من التعدين الأهلي بسعر البورصة العالمية مخصوماً منه تكلفة التصفية فقط، وينفذها بنك السودان المركزي، رابعاً، تأسيس الصندوق الوطني لتمويل الإنتاج لتقديم قروض بفوائد صفرية للمزارعين والمصنعين الموجهين للتصدير، بتمويل من وزارة المالية ومساهمة البنوك التجارية، خامساً، تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية عبر الملحقيات التجارية لفتح أسواق جديدة في آسيا وأوروبا والترويج للمنتجات السودانية، وتنفذها وزارة الخارجية، سادساً، فرض “ضريبة الاستهلاك الترفيهي” بنسبة عالية على السلع غير الأساسية المستوردة وتوجيه عائدها لدعم مدخلات الإنتاج، وتنفذها مصلحة الجمارك، سابعاً، إطلاق منصة “سودان لوجستيك” الرقمية لربط الموانئ والمطارات والمكاتب الجمركية بنظام تتبع موحد، وتنفذها وزارة النقل والاتصالات، ثامناً، مراجعة وتحديث اتفاقيات التجارة الحرة مع الكوميسا ومنطقة التجارة الأفريقية لضمان حماية الصناعة الناشئة، وتنفذها وزارة العدل والتجارة، تاسعاً، إنشاء “بنك المعلومات الجيولوجية” وإتاحته للمستثمرين بنظام الاشتراك لضمان شفافية فرص التعدين، وتنفذه وزارة المعادن، وعاشراً، تخصيص 5% من عائدات الذهب والصادرات لتمويل مراكز البحث العلمي والتطوير الصناعي لضمان ديمومة الابتكار، وتنفذه وزارة التعليم العالي بالتعاون مع مراكز البحوث المتخصصة.
ختاماً، إن عبور السودان من نفق الأزمات إلى رحاب النهضة ليس محض أمنيات، بل هو نتاج حتمي لتطبيق هذه المصفوفة العلمية الشاملة التي تزاوج بين عبقرية الموارد ودقة التخطيط، إن الذهب الأخضر في حقولنا والذهب الأصفر في باطن أرضنا يمثلان جناحي الطائر الذي سيحلق بالاقتصاد الوطني عالياً، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية الصارمة والمؤسسية الراسخة التي تقدس الإنتاج وتحارب الهدر.
إننا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العقد الاقتصادي الوطني، حيث يتحول السودان من سلة غذاء معطلة إلى مطبخ صناعي عالمي ومنجم دولي موثوق، ليصبح الاقتصاد القومي حصناً منيعاً ضد التقلبات، ورافعة كبرى للرفاه الاجتماعي، ومنارة للتنمية المستدامة التي تنعم بها الأجيال القادمة في وطن شامخ ومستقر.
** خبير اقتصادي مشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات



