ثقافية

الذاكرة السودانية: الخزعبلات والهترشات في التقارير الأجنبية حول السودان (2 – 2)


محمد الشيخ حسين

دون أي محاولة للدخول في معارك سياسية قد تتحول إلى حوار طرشان، يعيد قرار الولايات المتحدة بأن حكومة السودان قد استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024 إلى الأذهان قصتنا مع التقارير الاجنبية.

وجاء في التقرير الأمريكي (مما يُعد انتهاكًا لالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ونتيجة لذلك، سنفرض عقوبات جديدة، تشمل تقييد الصادرات الأميركية إلى السودان ومنع الحكومة السودانية من الوصول إلى خطوط الائتمان التابعة للحكومة الأمركية).

يعيد القرار الأمريكي إلى الاذهان تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر قبل عشر سنوات يتهم السودان باستخدام أسلحة كيماوية في دارفور.

وتؤكد هذه الإعادة بأن التقارير الأجنبية بحر واسع للعوم ومفتوح أيضاً للغرق. هنا الجزء الأخير من “خزعبلات وهترشات التقارير الاجنبية”.
(26)
يمضي التقرير في خزعبلاته (فباستخدام صور الأقمار الاصطناعية، وإجراء أكثر من 200 مقابلة متعمقة مع الناجين ومن تحليل الخبراء لعشرات الصور المروعة التي تبين الأطفال الرضع والصغار المصابين بإصابات مروعة، أظهر التحقيق أن ما لا يقل عن 30 هجمة كيماوية يحتمل وقوعها في منطقة جبل مرة في دارفور منذ يناير/ كانون الثاني 2016. وكان أحدثها عهداً في 9 سبتمبر/ أيلول 2016).
(27)
تعيدنا تيرانا حسن، مديرة برنامج الاستجابة للأزمات بمنظمة العفو الدولية، إلى استخدام صفة الهترشة حين تقول (في هذا الصدد من الصعب التعبير بالكلمات عن حجم هذه الهجمات ووحشيتها.
إن الصور وأشرطة الفيديو التي شهدناها في سياق بحثنا مروعة حقاً، ففي أحد الأشرطة طفل صغير يصرخ من الألم قبل أن يموت، وتظهر العديد من الصور الأطفال الصغار وقد غطت أجسادهم الجروح والبثور. كان بعضهم غير قادر على التنفس ويتقيأ دماً.
(28)
خير رد على خزعبلات التقرير وهترشة تيرانا شهادة دولية قدمها مارتن أوهومو بيهي رئيس بعثة “يوناميد” في دارفور، فقد قال حرفياً (إنه وبالرغم من أن بعثة يوناميد لديها 20 ألف جندي من العسكريين والمدنيين المنتشرين على الأرض في الإقليم، إلا أنه ليس من بينهم شخص واحد رأى على أي مواطن أعراضاً تشير إلى استخدام الأسلحة الكيماوية).
(29)
يدعم رئيس بعثة “يوناميد” هذا النفي الواضح بتأكيد (إنه ليس من بين النازحين فرد واحد مر على العيادات الميدانية التابعة لبعثة “يوناميد” وعليه مثل هذه الأعراض، علماً بأن النازحين يأتون لعيادات بعثة “يوناميد” بصورة طبيعية).
اتصال بال”يوناميد”
وهكذا بنت منظمة العفو الدولية تقريرها على شهادات من مقدمي الرعاية والناجين، تقدر أن بين 200 و250 شخصاً قد لقوا حتفهم نتيجة التعرض لمواد مصدرها الأسلحة الكيماوية، وكثير منهم أو معظمهم كانوا أطفالاً، متجاهلة الاتصال بأي فرد من أفراد بعثة “يوناميد” البالغ عددهم 20 ألف ويقيم بعضهم في مناطق سرتوني ونيرتيتي التي تزعم باستخدام السلاح الكيماوي فيها.
(30)
من الصعب التعبير بالكلمات عن حجم الاستهداف الذي تنضح به سطور تقرير منظمة العفو الدولية حين يقول (إن الأدلة التي جمعناها موثوقة وتصور نظاماً يسعى إلى توجيه هجمات ضد السكان المدنيين في دارفور دون أي خوف من العقاب الدولي).
وشرح العبارة أن المنظمة تسعى إلى هدف واحد، يتمثل في فرض عقوبات على السودان، متخذة من المزاعم السابقة جسراً لتحقيق هدفها.
(31)
زبدة تقرير منظمة العفو الدولية مطالبته لمجلس الأمن الدولي ب (الضغط السياسي الكافي على حكومة السودان لضمان السماح لقوات حفظ السلام والوكالات الإنسانية بالوصول إلى السكان في المناطق النائية من أمثال جبل مرة، بالتأكد من التنفيذ الدقيق لحظر الأسلحة الحالي وتوسيعه ليشمل البلاد كلها).
(32)
الملاحظ أن التوصية الأولى أهملت موضوع الأسلحة الكيماوية، لكن التقرير عاد إليها في الفقرة الثانية ليطالب مجلس الأمن الدولي ب (التحقيق على وجه السرعة في استخدام الأسلحة الكيماوية، وإذا كانت هناك أدلة كافية مقبولة، بملاحقة كل من يشتبه في مسؤوليته عن ذلك).
(33)
يبدو عنصر الاستهداف واضحاً في التوصية الأخيرة، إذ أن كل عناصر التقرير تتحدث عن تأكيد قاطع لمزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية صيغت بأسلوب درامي وكلمات (تقطع القلب)، من شاكلة ما روته منار إدريس باحثة شؤون السودان في منظمة العفو الدولية عن زيارتها لمعسكرات اللاجئين في شرق تشاد.
(34)
هذه فقرة من تقرير طويل كتبته منار (جلست ساعات طويلة وسط مجموعة من النساء في مخيمات اللاجئين أستمع إلى رواياتهن المفجعة وإلى مخاوفهن وآمالهن.
تحدثن عن ماضيهن وحاضرهن وعن مستقبلهن، لقد عانين جميعهن كثيراً. ومعظمهن فقدن أزواجهن، أو أقاربهن المقربين. وكثيرات منهن لا يدرين أين أطفالهن، وهل ما زالوا على قيد الحياة. بعض النساء ضربن أو أطلقت عليهن النار وأخريات اغتصبن).
(35)
لا تحسبن أن هؤلاء القوم بالسذاجة حين يتعاطفون مع نص منار إدريس رغم ضعفه وركاكته، فالغرض عندهم واضح جداً.
وهذا التعاطف تحسمه تيرانا حسن بقولها (وبالتأكيد لم تُتخذ تدابير فعّالة لحماية المدنيين على الإطلاق، على الرغم من كون الإقليم تحت مراقبة بعثة حفظ السلام المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.
ولم تجلب محادثات السلام واتفاقياته أمناً ولا راحة لشعب دارفور. وحتى الآن، كان رد المجتمع الدولي مزرياً.
ولا يمكن له أن يستمر في تجاهل التصدي لهذه الانتهاكات المروعة التي لا نهاية لها).
(36)
أصل الحكاية أن منار إدريس، باحثة شؤون السودان بمنظمة العفو الدولية قد أمضت أكثر من أسبوع من نوفمبر 2016، في شرق تشاد، لعقد مقابلات مع لاجئين من دارفور في مخيمين مختلفين من مخيمات اللاجئين.
تقول منار (وجدت نفسي أفكر كيف أن الموجة الأخيرة من العنف في دارفور أدت إلى تدفق المزيد من اللاجئين إلى تشاد.
وأنه بات محزناً أكثر منه مفاجئاً أن نسمع على وجه الخصوص كيف يؤثر العنف على النساء والبنات ليس في دارفور وحدها ولكن في مناطق الرحلة الخطرة إلى تشاد).
(37)
لو أن الباحثة منار كانت دقيقة ومحايدة في بحثها العلمي لوجب عليها أن تحدثنا عن موجات كبيرة من العودة الطوعية إلى القرى في مناطق واسعة من ولايات وسط وغرب وجنوب دارفور، وكيف أن مساحات واسعة من الأراضي قد زرعت في خريف ذاك العام.
(38)
قد لا يسع المجال للحديث عن أهمية النهج العلمي للنظر في مثل هذه القضايا، ولكن تبدو هذه الأهمية غائبة أو مغيبة في تقرير منظمة العفو الدولية.
ففي الوقت الذي تعترف فيه المنظمة بوضوح بأن (العثور على معلومات موثوق بها حول تأثير العنف على السكان المدنيين داخل جبل مرة أمر صعب للغاية)، تقول ببراءة عن طريق تحقيق أجرته (تجمعت لديها أدلة مروعة على الاستخدام المتكرر لما يعتقد أنها أسلحة كيمائية ضد المدنيين، بما في ذلك الأطفال الصغار جداً، من قبل القوات الحكومية السودانية في واحدة من أكثر المناطق النائية في دارفور خلال الثمانية أشهر الأولى من العام 2016).
(39)
تتابع المنظمة مزاعمها في براءة حين تقول (فباستخدام صور الأقمار الاصطناعية، وإجراء أكثر من 200 مقابلة متعمقة مع الناجين ومن تحليل الخبراء لعشرات الصور المروعة التي تبين الأطفال الرضع والصغار المصابين بإصابات مروعة، أظهر التحقيق أن ما لا يقل عن 30 هجمة كيماوية يحتمل وقوعها في منطقة جبل مرة في دارفور منذ يناير كانون الثاني 2016. وكان أحدثها عهداً في 9 سبتمبر/ أيلول 2016).
وفات على منظمة العفو الدولية أن عالم اليوم لا يسمح لمثل هذا الاتهام بالمرور دون تعليق ما، ففي البداية ينبغي الإشارة إلى أن كل التقارير الدولية حول الأوضاع في دارفور وآخرها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي صدر قبل يومين من تقرير منظمة العفو بتاريخ 27 سبتمبر 2016، لم يشر إلى اتهام للحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيماوية.
(40)
رسم تعامل حكومة السودان مع مزاعم تقرير منظمة العفو الدولية هذه المرة فصلاً جديداً في قصتنا مع التقارير الأجنبية.
فقد غادرت محطة التجاهل التام أو إصدار البيانات النافية بقوة العبارات الإنشائية، بتشكيل لجنة علمية لتقصي الحقائق حول التقرير.
وضمت هذه اللجنة تسعة أعضاء، برئاسة معاوية بابكر أحمد عثمان مدير عام الجهاز الوطني لحظر الأسلحة الكيماوية وأعضاء يمثلون الجهات التالية: الجهاز الوطني لحظر الأسلحة الكيماوية، التحقيقات الجنائية، الأدلة الجنائية، إدارة الوبائيات، والمعامل الكيمائية القومية.
وقدمت اللجنة تقريراً من 65 صفحة، احتوى على رد تفصيلي للمزاعم والاتهامات التي أوردتها منظمة العفو الدولية.
واستندت اللجنة في ردها على أدلة من أرض الحدث تفيد عدم وجود أي مؤشرات لاستخدام أسلحة كيماوية بالمناطق المذكورة في تقرير المنظمة.
(41)
يفنّد الموجز التنفيذي لتقرير اللجنة مزاعم تقرير منظمة العفو الدولية في النقاط التالية:
* استخدمت منظمة العفو برامج متخصصة لتغيير معالم الصور الفضائية والصور الجوية المقدمة في التقرير حتى تثبت الاتهامات المزعومة.
* عدد من الصور التي تم عرضها في تقرير منظمة العفو الدولية وبحسب ما تكشف من التحليل العلمي وجد أنها صور قد تم التقاطها في العام 2015، ولكن تم التلاعب فيها للإيحاء بأنها صادرة في العام 2016، ويمكن ملاحظة ذلك بكل سهولة عند تحليلها بواسطة الخبراء المختصين في هذا المجال.
* هناك عدم مصداقية في تواريخ التقاط الصور، فهناك صورة يفيد التعليق الموجود بأسفلها أنها ألتقطت في 9/3/2016 وداخل الصورة مكتوب أنها ألتقطت في 9/3/2015.
* في مناطق شرق الجبل اتضح بعد التحليل أن الصورة بتاريخ 24/12/2015 هي نفس الصورة بتاريخ 13/5/2016 ولا يوجد أي تغيير فقط الاختلاف في درجة الوضوح.
* صورة الحريق لمنطقة مستشفى كاقرو عمل تكبير للصورة، وبعد التحليل لا توجد أي آثار حرائق بالمستشفى.
* في منطقة بولا سيد أثبت التحليل استخدام برنامج تحسين الصور الفضائية، لتأكيد أنها تعرضت للحريق. والشاهد أنهم لم يقوموا بالتصوير مرة أخرى ولا يوجد آثار للحريق.
* صورة الغلاف في التقرير المعني وجدت أنها أُخذت من برنامج غوغل المتاح كما هو موضح في الرابط. وكان آخر تحديث للصورة في غوغل بتاريخ 16/11/2014
(42)
كل المؤشرات الطبيعية للحياة في مناطق جبل مرة تؤكد عدم تعرضها لأسلحة كيماوية، ومع ذلك سارت المنظمة في بث مزاعم أن لها تقارير موثقة من شهود عيان، فإذا كان الأمر كذلك فإن شهود العيان هؤلاء وهميين
(43)
خلص التحليل الفني للجنة الوطنية إلى أن مُنظّمة العفو الدوليّة استعانت في تقريرها الذي يتِّهم السودان باستخدام أسلحة كيمائية بجبل مرة بصور تم قصّها مِن مقاطِع فيديو أو مِن صور فوتوغرافية معالجة عن طريق قص جزء محدّد مِن الصورة، وفي الحالتين يؤثِّر ذلك على معلومات الصورة الأصل أو ما يسمّى بملف ال ( Exif Data ) الذي يحتوي على معلومات الصورة وتاريخ التقاطها.
وأكد التحليل الفني أن معظم الصور المنشورة بخصوص الموضوع في موقع المنظمة أو بعض مواقع البحث الأخرى هي صور تم قصها من مقاطع فيديو لذلك مِن المستحيل أن تكون لها معلومات كصور فوتوغرافية وهذا في حد ذاته مقصود من قبل المنظمة حتى لا تترك أثراً لعمليات الفبركة والدبلجة التي تمت فيها. إ
(44)
ذكرت المنظمة في تقريرها العديد من المناطق التي زعمت بأنها تعرضت للتدمير والحريق دون أن تورد لها صوراً بالتقرير إمعاناً في إخفاء الحقائق وتضليل قارئ تقريرها. والدليل على ذلك حسب التحليل الفني أن هنالِك ست صور تم التعديل عليها بواسطة برنامج رسومي هي التي تحتوي على ملف بيانات بداخلها، ولكن بمجرّد إدخال الصورة لبرنامج رسومي احترافي ينشأ ملف تعريفي جديد للصورة، فظهرت هذه الصور بالمعلومات الآتية:
أولاً: تم التعديل في برنامج الفوتشوب
ثانياً: تم التعديل في برنامج كمبيوتر الماكنتوش.
ثالثاً: بدأ التعديل في الماكنتوش في الساعة 1:35 ظهراً وانتهى في الساعة 5:05 مساءً يوم 20 سبتمبر 2016 أي قبل تسعة أيام من صدور التقرير.
(45)
يبقى القول إن هذه اللجنة قد بذلت جهداً طيبا وجديداً من جهتين: الأولى السير في طريق مختلف في تعاملنا مع التقارير الأجنبية.
الثانية: توفير حصيلة علمية مقدرة في تفنيد مزاعم منظمة العفو الدولية، ليس بعيداً من السياق الذي سارت فيه منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في بيان صدر بتاربخ 29 سبتمبر 2016 أي بعد ساعات من صدور تقرير منظمة العفو الدولية، حيث أشارت (إلى أنه ليس من الممكن في هذه المرحلة رسم استنتاجات يمكن الاستناد عليها لتأكيد تقرير منظمة العفو الدولية).
وعلى الأرض، فإن كل المؤشرات الطبيعية للحياة في مناطق جبل مرة تؤكد عدم تعرضها لأسلحة كيماوية، ومع ذلك سارت المنظمة في بث مزاعم أن لها تقارير موثقة من شهود عيان، فإذا كان الأمر كذلك فإن شهود العيان هؤلاء وهميين، لأنهم إن وجدوا لا بد أن يكونوا من الضحايا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى