الثرثرة قد تُغرق السفن

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
في أوقات الاستقرار قد يبدو تداول الأخبار أمرًا عاديًا، بل ومطلوبًا في إطار الشفافية. لكن في أزمنة الأزمات والحروب، كما هو الحال اليوم في السودان، تصبح المعلومة نفسها سلاحًا، ويصبح ضبطها جزءًا من معركة لا تقل أهمية عن أي معركة على الأرض.
عبارة “الثرثرة قد تُغرق السفن” (Loose lips sink ships) ليست مجرد جملة عابرة، بل هي خلاصة تجربة إنسانية قاسية. فقد ظهرت هذه العبارة خلال الحرب العالمية الثانية، حين أدركت الحكومة الأمريكية أن كلمة عفوية أو حديثًا غير محسوب قد يؤدي إلى كارثة حقيقية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه العبارة رمزًا لتحذير بسيط في شكله، عميق في معناه: ليس كل ما يُعرف يُقال.
في هذا السياق، يثور الحديث حول نشر أخبار إحالات و ترقيات وتنقلات ضباط القوات المسلحة السودانية وجهاز المخابرات العامة السوداني. وقد يظن البعض أن هذه أمور إدارية لا تحمل حساسية كبيرة، لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا.
هذه الأجهزة تعمل في بيئة مختلفة بطبيعتها، فكل تفصيلة—حتى إن بدت صغيرة— قد تعني شيئًا في نظر طرف آخر يراقب، يحلل، ويربط الخيوط ببعضها. نشر إسم هنا، أو موقع هناك، أو حتى توقيت نقل أو ترقية، قد يفتح بابًا لقراءات لا ننتبه لها نحن، لكنها تكون واضحة لغيرنا.
ولا يتوقف الأمر عند النشر فقط، بل يمتد إلى التعليق والتحليل. أحيانًا يكون التحليل أخطر من الخبر نفسه، لأنه يضيف إليه دلالات ويمنحه سياقًا قد لا يكون متاحًا أصلًا. وهنا تتحول النوايا الحسنة إلى نتائج غير محسوبة.
ثم إن المسألة ليست مجرد تقدير شخصي، بل لها جانب قانوني واضح. فالقانون، وتحديدًا المادة (56) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، يتعامل مع هذا النوع من المعلومات باعتباره من قبيل “الأسرار العسكرية” التي لا يجوز إفشاؤها أو تداولها خارج الأطر المحددة. ويشمل ذلك بطبيعة الحال ما يتصل بالشؤون الإدارية والموارد البشرية داخل هذه الأجهزة.
في المقابل، يختلف الوضع عند الحديث عن وزارة الداخلية السودانية. فهي، بلا شك، وزارة سيادية، لكنها في ذات الوقت تحمل طبيعة نظامية مدنية خدمية من خلال إشرافها على الشرطة السودانية، التي تعمل وسط الناس وتتعامل معهم بشكل مباشر.
لذلك، لا بأس في نشر معلومات تتعلق بحركة الترقيات والتنقلات داخل الشرطة، في حدود ما يعرّف الناس بقياداتهم ويعزز قدرًا من الشفافية، كما هو معمول به في مصر وغيرها. ففي مصر تُنشر في الصحف حركة ترقيات وتنقلات ضباط الشرطة، لكن لا تُنشر بتاتًا حركة ترقيات وتنقلات ضباط القوات المسلحة المصرية أو جهاز المخابرات.
أما نشر ترقيات وتنقلات ضباط الشرطة نفسه، فينبغي أن يتوقف عند حد معين؛ فلا يمتد الأمر إلى تقييم أداء الضباط أو الخوض في مدى صلاحيتهم للمناصب القيادية. فهذه أمور مؤسسية دقيقة، لها معاييرها وأدواتها، ولا يمكن اختزالها في آراء عامة أو انطباعات.
في النهاية، المسألة ليست دعوة إلى التعتيم، بل دعوة إلى الوعي. هناك فرق بين حق المعرفة وواجب الحماية، وبين الرغبة في التحليل وخطورة الاستنتاج. قد لا ننتبه ونحن نتحدث أو نكتب إلى أثر ما نقول، لكن التجارب علمتنا أن الكلمة حين تخرج في غير موضعها قد تفتح بابًا لا يُغلق. لذلك، ليس الصمت عجزًا، بل وعيٌ بالمسؤولية… وإدراكٌ بأن حماية المعلومة في أوقات الخطر لا تقل أهمية عن أي دور في الميدان.



