تقارير

مع دخولها العام الرابع : وكلاء وزارات ومختصون يطرحون لــ”المحقق” خطة للتعافي ويؤكدون إستمرار سيطرة الإقتصاد الموازي

المحقق – هالةحمزة
لا تزال آثار الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023 وخسائرها الإقتصادية التي شلت مفاصل القطاعات الحيوية تتمدد ببلوغها العام الرابع، في15 أبريل 2026.

وشرح مختصون في الشأن الإقتصادي لــ”المحقق” حجم الخسائر الإقتصادية وخسائر القطاع المصرفي، والثروة الحيوانية والزراعة والري بنهاية العام الثالث للحرب، لافتين لسيطرة الإقتصاد الموازي على جزء مقدر من النشاط، وفقدان القطاع المصرفي دوره الفاعل في الوساطة المالية، متقدمين بخارطة تعافي لتجاوز الأزمة.

رؤوس أموال مهاجرة

المحلل الإقتصادي مهند صديق صنف في حديثه لـ”المحقق” خسائر القطاع الاقتصادي إلى مستويات ثلاث أجملها في خسائر مباشرة في الأصول والبنية التحتية نتيجة الحرب، وخسائر غير مباشرة جراء توقف الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد وانكماش النشاط الاقتصادي، وخسائر أخرى ممتدة تتمثل في هجرة رؤوس الأموال وفقدان الثقة، وهي الأخطر لأثرها على المدى الطويل.

وقال صديق لــ”المحقق: في جانب القطاع المصرفي تحديداً، فإن الخسارة ليست فقط في الأموال التي نُهبت، بل في فقدان القطاع دوره كوسيط مالي فعال، ما يعني شللاً جزئياً في الدورة الاقتصادية ككل وبالتالي يمكن القول إن خسائر القطاع الاقتصادي عامة هي مضاعفة، لأن كل خسارة في البنوك تنعكس مباشرة على بقية القطاعات، والعكس صحيح.

إقتصاد موازي وديون متعثرة:

وأوضح المحلل الإقتصادي د. هيثم فتحي تعرض القطاع المصرفي السوداني لخسائر كبرى وفقد نسبة كبيرة من أصوله، فضلاً عن تسبب الحرب في ارتفاع نسبة الديون المتعثرة بالمصارف السودانية، حيث تشير التقديرات إلى أن 50% من القروض والتمويلات المصرفية صارت غير مستردة بسبب تعطل الأنشطة الاقتصادية وتدمير العديد من المنشآت التجارية والصناعية، بجانب تفاقم مشاكل شح السيولة وتدهور قيمة العملة الوطنية وغيرها من المشاكل التي يعاني منها القطاع المصرفي.

وأضاف فتحي إن أكبر التحديات التي تجابه النظام المصرفي هي الاقتصاد الموازي والذي يسيطر على جزء كبير من النشاط الاقتصادي السوداني ما يؤدي لإضعاف دور المصارف في التمويل، وانخفاض نسبة الأموال المتداولة داخل النظام المصرفي الرسمي، وطالب فتحي بتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتعزيز الشمول المالي القائم على التكنولوجيا المالية. مع ضرورة وضع استراتيجية لتطوير العملة والنظر في فئة العملة المثلى، وتبادل الأوراق النقدية، وميزات الأمان، وتقليل تكلفة طباعة الأوراق النقدية والمضي قدمًا في إستخدام أنواع جديدة من النقود لتحسين إدارة الاقتصاد غير الرسمي وتحسين تنفيذ السياسة النقدية وضمان نقلها.

ولفت لتعرض القطاع المصرفي بالسودان لضرر كبير منذ الـ15 من أبريل 2023، إذ حدثت عمليات نهب للعديد من المصارف، وتسبب إنخفاض قيمة العملة الوطنية في تآكل رأس مال البنوك السودانية، الأمر الذي أقعدها عن تلبية طلبات عملائها من النقد الأجنبي والتمويل، بالإضافة
لتوقف حوالي 70% من فروع البنوك بمناطق الحرب، إذ يبلغ عدد فروع البنوك السودانية حوالي 833 فرعًا، تستحوذ الخرطوم وحدها على 435 فرعًا، وهو الأمر الذي تسبب في إغلاق حوالي 583 فرعًا مصرفيًا بالسودان خلال الأعوام الماضية من عمر الحرب.

إقتصاد حرب:

و وصف الإقتصادي المعروف د.أحمد الشريف لـ”المحقق” المشهد مع دخول الحرب عامها الرابع بأنه يتسم بتحديات عميقة بإنتقال الاقتصاد من مرحلة الصدمة الأولى إلى مرحلة إقتصاد الحرب، مع ظهور ملامح هيكلية جديدة فى قطاعات الانتاج وتجارة العملة.

وأشار الشريف لاستمرار الضغوط التضخمية وارتفاعها رغم المعالجات الاقتصادية التى تنفذها الدولة، وعزا ذلك لنقص السلع الأساسية وتدهور القيمة الشرائية للجنيه السوداني ما أدى لارتفاع نسبة الفقر لحوالى 71%، فضلاً عن مجابهة القطاع الزراعي-المحرك الأساسي للاقتصاد – تحديات غير مسبوقة تؤثر على سلاسل القيمة، ويظهر ذلك في تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل وأزمة الصادرات، أضف إلى ذلك تدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية كالصوامع والمخازن وحقول النفط الإستراتيجية كهجليج ما أعاق القدرة على استعادة الإنتاج لمعدلاته الطبيعية.

إما فيما يتعلق بسوق العمل – والحديث للشريف – فقد وصلت تقديرات معدلات البطالة لمستويات قياسية تتجاوز نسبته الـ 50% مع فقد الملايين من المواطنين في القطاعات الحضرية والريفية معاً، لسبل كسب العيش.

جراحات عميقة:

من جهته قال المصرفي السابق نعمان يوسف لـ” المحقق”: إن حرب 15 أبريل لم تكن مجرد صدمة عابرة للاقتصاد السوداني، بل مثلت زلزالاً هيكلياً ضرب النواة الصلبة للنظام المالي.

وأكد نعمان إن التقديرات تشير لمواجهة القطاع المصرفي خسائر مركبة ضمن فاتورة كلية للاقتصاد تتراوح بين 150 و 250 مليار دولار.

وشرح يوسف جوهر الأزمة وقال إنها لا تكمن في الخسائر الدفترية فحسب، وإنما تخطته للتفكك الوظيفي الذي أصاب النظام، بحدوث انكشاف معلوماتي و فقد جزئي لقواعد البيانات الائتمانية وبيانات العملاء، بجانب شلل القنوات بتعطل أنظمة الدفع والتسوية اللحظية (RTGS)، وحدوث
تشوه نقدي ببروز ظاهرة إزدواجية العملة والخصم النقدي.

وأشار يوسف للتدمير المادي وخسائر الاصول السائلة التي تسببت فيها الحرب باستهداف البنى التحتية للجهاز المصرفي بشكل ممنهج، ما أدى لخروج شبكة الفروع وتضرر وتعطل ما بين 60% و 70% من إجمالي الفروع، مع توقف كامل لنحو 500 إلى 600 فرع خلال العامين الماضيين، لافتاً لاستنزاف الكتلة النقدية، وقدر حجم السيولة المنهوبة خاصة من ولايتي الخرطوم ودارفور، بنحو مليار دولار.

ولفت إلى أن فقدان أي مصرف لنحو 30% من سيولته النقدية يعني تقنياً الدخول في حالة عسر ائتماني وعدم القدرة على الوفاء بالتزامات المودعين، بجانب تعرضه لشلل تشغيلي وفقدان راس المال البشري
واكد تسبب الحرب في تآكل الكفاءة وإنخفاض الانتاجية التشغيلية لاقل من 30% نتيجة نزوح وهجرة الكوادر المصرفية بنسبة تتراوح بين 40% و60%، وتسبب تعطل اكثر من 70% من الخدمات المصرفية الالكترونية في الاشهر الاولى للحرب، في تراجع الثقة في القنوات الرقمية.
وابان يوسف إرتفاع الديون المتعثرة (NPLs) وتراوحت بين 50% و80%، ما يعكس انهيار في جودة الاصول الائتمانية وتآكل راس المال بين 30_ 50%، ما يستدعي اعادة رسملة فورية.
وقال إن الحرب اسهمت في إستمرار تدهور الجنيه بنسبة 250% الى 300%، ما ادى الى تآكل القيمة الحقيقية للمحافظ التمويلية.
واشار للتحديات الهيكلية المتمثلة في مخاطر النظام ووصفها
بالخسائر الاكثر تعقيدا، لمساسها بثقة المتعاملين وسلامة البيانات.
واكد حدوث فجوة معلوماتية بالقطاع المصرفي بفقدان ما بين 10_40% من البيانات في بعض المصارف ما يعطل تحصيل نحو 30% من المحافظ التمويلية.
بجانب ضياع المستندات الثبوتية وفقدان الشيكات والضمانات المادية ما ادى الى تراجع التعامل بالشيكات بنسبة 70%.
وقال إن الحرب اسهمت في رفع مخاطر الائتمان لمستويات غير مسبوقة، وادت لخلق حالة من الجمود الائتماني ورفض شركات التامين تغطية مخاطر الحرب ما حمل البنوك اعباء مباشرة تتراوح بين 20% و40% من الخسائر.
واوضح حدوث ظاهرة ازدواجية العملة والتشوه النقدي
حيث شهدت الاسواق نشوء نظام نقدي مواز يقوم على المفاضلة بين النقد المتاح والارصدة البنكية، او بين الاصدارات النقدية المختلفة:
الخصم النقدي (Discounting): تراوح بين 10% و30% على العملة القديمة او التحويلات.
ما نتج عنه
نشوء تضخم غير رسمي اضافي، وفقدان البنك المركزي السيطرة على الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي.

☆خارطة طريق للتعافي☆

وقال نعمان يوسف: إن خارطة الطريق نحو التعافي يتطلب ترميم القطاع المصرفي السوداني بضخ سيولة واستثمارات هيكلية تقدر بين 6 و10 مليار دولار، وإعادة الرسملة بقيمة 3 _ 5 مليار دولار لتعويض تآكل القواعد الراسمالية.
البنية التحتية، مشيرا لضرورة توفير ما بين 1 _ 2 مليار دولار لتاهيل التقنية بإعادة بناء السيرفرات والفروع، ورصد2_4 مليار دولار للاستقرار النقدي لدعم السيولة والاحتياطيات.
ودفع يوسف بجملة مقترحات لتجاوز هذه الخسائر بتأسيس صندوق سيادي لانقاذ المصارف بالشراكة مع مؤسسات التمويل الدولية لاعادة رسملة البنوك المتضررة ورقمنة الاصول والوثائق عبر اطلاق مشروع وطني لاستعادة وتوثيق البيانات المصرفية والضمانات باستخدام تقنيات سحابية آمنة.
وتوحيد المظلة النقدية من خلال اصلاح نقدي شامل ينهي ازدواجية العملة ويسحب الكتلة النقدية من السوق الموازي، وتفعيل ضمان الودائع وتعزيز دور صندوق ضمان الودائع لاستعادة ثقة المودعين وجذب المدخرات مجددا.
وقال: إن ازمة القطاع المصرفي في السودان تجاوزت مفهوم الخسائر المالية لتصبح ازمة وجودية للمؤسسة المصرفية. واستعادة دور البنوك كرافعة للاقتصاد لا تبدأ من الارقام، بل من اعادة بناء الثقة، وترميم الانظمة المعلوماتية، وتهيئة بيئة قانونية تحمي الضمانات والتعاقدات.
وزاد: التعافي ممكن، لكنه يتطلب جراحة هيكلية عميقة، وليس مجرد مسكنات مالية.

☆ قطاع الثروة الحيوانية اضرار بالجملة:
شهد قطاع الثروة الحيوانية اضرارا كبيرة خلال اعوام الحرب الثلاثة
وكشف وكيل وزارة الثروة الحيوانية عمار الشيخ ل”المحقق”: عن إعداد وزارته دراسة قبل 6 اشهر عن خسائر الحرب الدائرة، وقال: إن اكبر الخسائر التي تسببت فيهاالحرب هي تدمير عدد من المنشآت الرئيسة كالمعمل المركزي بسوبا والذي توقف إنتاجه للقاحات والتي كان يوفرها لكل السودان، بجانب تدمير مبنى رئاسة الوزارة بالشجرة وبعض المحاجر كالكدرو وغيرها ومزارع الألبان والإستزراع السمكي وتوقف التدريب.
واشار الوكيل لتضرر قطاع الثروة الحيوانية بنسبة80% وقطاع الألبان بنفس النسبة حيث خرج الاخير عن دائرة الإنتاج بشكل كامل ، فضلا عن تضرر قطاع الدواجن وتدني إنتاجه بشكل كبير خلال العامين الماضيين، غير انه بدأ في التعافي حاليا إلا انه يظل بحاحة لتوفير الأعلاف ومدخلات الإنتاج والادوية وغيرها عبر الشركات والتي تطالب بتقديم إعفاءات جمركية وضريبية لتتمكن من إستيرادها.
وكشف الشيخ عن تضاعف تضاعف إنتاج الدواجن الآن من30 الى 80 مليون فرخة
وتوقع فتح باب صادر الدواجن مع إستمرار زيادة الإنتاج.
وابان سعي الوزارة لإسترداد قطاع الألبان عبر إستيراد ابقار وعمل تلقيح صناعي للابقار الموجودة، والإتجاه لتدريب الكوادر وإستيعاب الخبرات الراغبة في العودة للبلاد من مناطق النزوح للمساهمة في إعادة إعمار القطاع.
وكشف عن المضي قدما في إقامة مشروع متكامل ومدينة للإنتاج الحيواني تستوعب عدد كبير من العمالة.

☆قطاع الزراعة:
وقال وكيل وزارة الزراعة والري مهندس ضوالبيت منصور ل”المحقق”: ان القطاع شهد دمار ممنهج طال عدد من المؤسسات الزراعية والمشاريع الكبرى كالرهد والسوكي و الجزيرة، حيث تعرض مشروع الجزيرة وحده ل150 كسر في الترع جراء الحرب، ما اثر على عمليات الري، مقارنة بمشروع حلفا والذي يشهد إستقرار لحد كبير.
وقال منصور إن الوزارة واجهت ظروف قاسية لمعالجة مشاكل هذه المشاريع خلال عامي الحرب الماضيين، وتمكنت من معالجتها بنجاح وبمساندة من القوات المسلحة، ما اسهم في إستقرار المزارعين، وتمكن عدد منهم من زراعة مساحة 30 الف فدان خاصة فى القسم الشمالي بمشروع الجزيرة، ما اسهم في
نجاح الزراعة بالمشاريع كافة فى الموسم الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى