رأي

إستبدال العملة في السودان: بين الإصلاح الاقتصادي وتعقيدات الواقع

 

 

د. مروة قباني **

 

 

 

في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط المشهد النقدي، أطلق بنك السودان المركزي المرحلة الثالثة أبريل 2026 م – برنامج إستبدال العملة النقدية لفئتي(الألف والخمسمائة) جنية للتنفيذ في ثلاث ولايات هي (الخرطوم – الجزيرة- النيل الأبيض) مستهدفًا الحد من التضخم وكبح جماح الاقتصاد الموازي، إلى جانب تعزيز الشمول المالي وإعادة الثقة للقطاع المصرفي.

 

غير أن هذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها إصلاحية، اصطدمت بواقع معقد فرضته الحرب نسبةً للتوزيع الجغرافي في بلد بمساحات شاسعة ومترامي الأطرف بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومنفتح حدودياً علي سبع دول من الجوار، ما جعل نتائجها متفاوتة بين مناطق البلاد.

 

منذ انطلاق البرنامج (المرحلة الأولي – والمرحلة الثانية) في نوفمبر من العام 2024 م وفبراير 2025م، تم تنفيذ عملية استبدال العملة في عدد محدود من الولايات نسبة للظروف الأمنية، حيث شملت نحو 7 ولايات من أصل 18، أي ما يقارب 40% من البلاد. في المقابل، ظلت غالبية الولايات خارج نطاق التنفيذ، خاصة تلك التي تشهد نزاعات أو تقع خارج سيطرة الحكومة، مما خلق حالة من التباين النقدي غير المسبوق.

 

هذا التباين أفرز واقعًا اقتصاديًا مزدوجًا، حيث تتداول العملة الجديدة في بعض المناطق، بينما تستمر العملة القديمة أو حتى العملات الأجنبية في مناطق أخرى. ونتيجة لذلك، ظهرت سوق سوداء نشطة لتحويل الأموال، مع فرض عمولات مرتفعة، ما زاد من الأعباء على المواطنين وأضعف من كفاءة النظام المالي.

 

ورغم أن الهدف الأساسي من استبدال العملة هو إدخال الكتلة النقدية إلى الجهاز المصرفي وتعزيز الشفافية، إلا أن القيود المصاحبة للعملية، مثل صعوبة السحب النقدي وتحديد سقوفات للسحب اليومي وضعف البنية التحتية المصرفية مع عدم توفر فروع المصارف في كل الولايات ومحدودية الموظفيين العاملين في الفروع سيشكل ضغطاً على الفروع العاملة، وأيضاً سيؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات الحيوية كالتجارة والزراعة.

 

في المقابل، برزت وسائل الدفع الإلكتروني كبديل جزئي ساهم في استمرار المعاملات اليومية، خاصة في المناطق الحضرية. إلا أن هذا التحول لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف خدمات الإنترنت والكهرباء، إضافة إلى محدودية انتشار الثقافة الرقمية في بعض المناطق الريفية.

 

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الدور المتوقع لوزارة التحول الرقمي وشركات الاتصالات في دعم هذا التحول. إذ يمكن لهذه الجهات أن تلعب دورًا محوريًا من خلال إطلاق حزمة من الخدمات الرقمية التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك الفئات الأقل وصولًا إلى الخدمات المصرفية التقليدية.

 

ومن أبرز الحلول المقترحة، التوسع في خدمات المحافظ الإلكترونية المرتبطة بأرقام الهواتف، بما يتيح إجراء التحويلات المالية دون الحاجة إلى حسابات مصرفية معقدة. كما يمكن لشركات الاتصالات تقديم خدمات مالية مبسطة عبر الرسائل النصية (USSD) لتتناسب مع المناطق التي تعاني من ضعف الإنترنت.

 

كذلك، يبرز خيار نقاط الوكلاء (Agent Banking) كحل عملي لربط المناطق الريفية بالنظام المالي، عبر تمكين المتاجر الصغيرة من تقديم خدمات السحب والإيداع. إلى جانب ذلك، يمكن تطوير تطبيقات خفيفة تعمل في ظروف اتصالات ضعيفة، وتدعم اللغات المحلية لتوسيع قاعدة المستخدمين.

 

ومن الحلول المهمة أيضًا، تعزيز الشراكة بين الحكومة وشركات الاتصالات لإطلاق حملات توعية رقمية، تهدف إلى بناء الثقة في وسائل الدفع الإلكتروني، وتدريب المواطنين على استخدامها بشكل آمن وفعال. كما نوصى بالعمل على توحيد منصات الدفع الإلكتروني بين البنوك وشركات الاتصالات، لتسهيل التحويلات وتقليل التكاليف، إضافة إلى تقديم حوافز مثل الإعفاء من الرسوم أو تقديم دعم نقدي رقمي لتشجيع المواطنين على تبني هذه الوسائل.

 

وفي إطار التطوير المستقبلي، يبرز مفهوم الجنيه الرقمي ESDG كأحد الحلول الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل النظام النقدي في السودان. ويُقصد به عملة رقمية يصدرها البنك المركزي، وتكون مكافئة للجنيه الورقي، لكنها تُتداول إلكترونيًا عبر الهواتف والتطبيقات.

 

وتكمن فوائد الجنيه الرقمي والنقود الإلكترونية في عدة جوانب، أبرزها تقليل الاعتماد على النقد الورقي، مما يخفض تكاليف الطباعة والنقل والتأمين. كما يسهم في الحد من التزوير والفساد، إذ تكون جميع العمليات قابلة للتتبع والرقابة.

 

كذلك، يعزز الجنيه الرقمي من كفاءة السياسات النقدية، حيث يتيح للبنك المركزي مراقبة حركة الأموال بشكل لحظي، واتخاذ قرارات أكثر دقة للسيطرة على التضخم. كما يمكن استخدامه في توجيه الدعم الحكومي مباشرة إلى المواطنين دون وسطاء، ما يقلل من الهدر ويزيد من العدالة في التوزيع.

 

ومن الفوائد المهمة أيضًا، تسهيل المعاملات اليومية، خاصة في ظل الأزمات، حيث يمكن إجراء المدفوعات والتحويلات بسرعة وأمان، حتى في غياب البنوك التقليدية. كما يدعم دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، مما يوسع القاعدة الضريبية ويزيد من موارد الدولة.

 

ورغم هذه المزايا، يبقى نجاح الجنيه الرقمي مرهونًا بتوفر بنية تحتية رقمية قوية، وضمان الأمن السيبراني، وبناء ثقة المستخدمين في النظام الجديد، خاصة في بيئة تعاني من تحديات اقتصادية وأمنية معقدة.

 

ختاماً، يمكن القول إن استبدال العملة في السودان يمثل محاولة جادة للإصلاح الاقتصادي، لكنه يظل مشروعًا غير مكتمل في ظل الظروف الراهنة. غير أن تسريع التحول الرقمي، وتبني حلول مثل الجنيه الرقمي، قد يشكلان مخرجًا عمليًا لتقليل آثار الانقسام الاقتصادي، وفتح آفاق جديدة نحو التعافي والاستقرار.

 

**خبير تخطيط استرتيجي وتحول رقمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى