رأي

السودان : غياب العدالة و إستشراء الفساد .. مداخلة من وحي ما كتبت هبة محمود صادق (1-2)

 

 

 

علي أحمد دقاش

 

 

أحيانا يشعر الإنسان بالضيق مما تنشره بعض المواقع والصحف الالكترونية لدرجة التفكير في هجرها والإقلاع عن مطالعتها ، إذ أن كثيراً من المواقع الالكترونية تنشر الكثير من الغث الذي لا يستحق أن نقرأه ونقف عنده ناهيك عن التعليق عليه.

مع ذلك نعترف أن بعض المواقع مثل موقع “المحقق” الاخباري الذي يديره السفير الصحفي العبيد أحمد مروح وصحيفة “أصداء سودانية” الالكترونية التي يديرها الصحفي صلاح عمر الشيخ وعدد قليل من المواقع الأخرى، تنتقي مقالات وتجري تحقيقات ومقابلات جديرة بالاحترام .

 

من بين الجيد الذي قرأته آخر الأسبوع الماضي مقال للأستاذة هبة محمود صادق فريد بعنوان: “العدالة الاجتماعية – الفريضة الغائبة”

الذي نشر في موقع “المحقق” الاخباري يوم الخميس 23 أبريل 2026 الموافق السادس من ذي القعدة 1447 هج .

و رغم أن المقال طويل ومخطط له أن يصدر في ثلاثة أجزاء ونشر منه فقط الجزء الأول ، لكن حيوية المقال وحساسية الموضوع الذي يعالجه جعلني استعجل التعليق قبل اكتمال نشر الأجزاء المتبقية.

 

إذا كانت الأستاذة هبة تحدثت عن العدالة الفريضة الغائبة فإني أضيف إلي ذلك إستشراءُ الفساد كقضية تحتاج إلى وقفة.

 

مدخل:

1- توثيق الكاتب و تحرير المصطلحات :

أولا : توثيق الكاتب :

في منهج ضبط الاحاديث النبوية و تخريجها لبيان صحتها من عدمه وهو منهج صارم عرف به علماء الحديث، في هذا المنهج يهتم العلماء بتوثيق راوي الحديث وتعريضه للجرح والتعديل، أحياناً يُضعف الحديث أو يُرفض لأن الراوي مطعون في مروءته أو مشهود له بالكذب أو روايته منقطعة وغير متصلة السند، وغير ذلك من المعايير التي يتم عن طريقها التحقيق .

 

هذا المنهج يراعي طبيعة البشر وعقليتهم، إذ غالباً ما يترك الناس الرسالة ويتحدثون عن شخصية الرسول.

في القرآن قال فرعون لقومه عن موسي :

[ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) ].الشعراء

وفي الحوار الذي دار بين هرقل عظيم الروم وأبو سفيان بن حرب أحد زعماء قريش عن الرسول (ص) وفي حديث رواه البخاري في صحيحه قَالَ هرقل : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟

قال أبو سفيان قُلْتُ: لاَ‏.

قَالَ هرقل : فَهَلْ يَغْدِرُ؟

قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ ابو سفيان : وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.

 

‏قياساً على ذلك يصبح من الضرورة بمكان معرفة شخصية بعض الذين يخوضون في تناول القضايا الهامة والحساسة التي تمس المجتمع خاصة بعد إنتشار تقانة الذكاء الصناعي.

وكاتبة المقال الأستاذة هبة محمود إمرأة نجيبة غير متهمة في صدقها وأخلاقها وإخلاصها للوطن ، تخرجت في كلية القانون جامعة الخرطوم ، نالت درجة الماجستير في السياسات العامة والتخطيط الاستراتيجي من جامعة الملاي بكوالالمبور ماليزيا ، خبيرة في صنع السياسات العامة والتخطيط الاستراتيجي وتقويم المشروعات، خبيرة العمل الاجتماعي والتمويل الأصغر حيث شاركت في وضع استراتيجية التمويل الأصغر في السودان وترأست وحدة التمويل الأصغر ببنك السودان، تلقت كورسات ودراسات في معهد الدراسات الإقتصادية والاجتماعية جامعة الخرطوم ، تعاقد مركزها (رواد التغيير) المتخصص في التدريب على صنع السياسات العامة والتخطيط الاستراتيجي والتنمية البشرية مع معهد الدراسات الإقتصادية ومعهد انبونا جامعة الملاي ـ ماليزيا لإنتاج منهج تدريبي في التنمية والتخطيط الاقتصادي وصناعة السياسات العامة موجه للقيادات العليا في الدولة شارك فيه خبراء من خارج السودان (ماليزيا).

هبة محمود ذات خبرات متعددة هي محكم قانوني ومدرب متميز في صناعة السياسات وتقييم المشروعات وسلاسل القيمة ومجالات أخرى كثيرة لايتسع المجال لذكرها.

 

أوردت ذلك للتأكيد على أن القضية التي طرحتها (تحقبق العدالة الاجتماعية) طرحت من وجهة نظر خبيرة ممارسة، أرجلها مغروسة في تربة الوطن ، تعرف أوجاعه وكيف يتم ترتيب أولوياته،

فعندما تقول هبة :

“العدالة ليست نتيجة لاحقة للاستقرار، بل هي شرط سابق له، إذ لا يمكن بناء سلام دائم في ظل بنية تكرس للإقصاء، و التفاوت الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي و الثقافي”، نفهم أن هذه دعوة لترتيب الأولويات بحيث نبدأ بتحقيق العدالة وهذا قول من اطلع على تجارب أمم نهضت وبنت نفسها.

وعلى قيادات الدولة أن تقرأ المقال بتركيز عالي، وتناقش ما ورد فيه بشفافية.

 

ثانيا :تحرير المصطلحات وتأصيلها .

أ. العدالة الاجتماعية :

[العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ، تطبيق القانون بإنصاف دون حيز ] وهذه من الثوابت في الاسلام :

{ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}[ ص_ 26] .

وفي سورة النساء [يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ …].النساء_ 135

 

أما العدالة الاجتماعية فهي نظام إقتصادي يعمل على إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع وأن تقوم الدولة بتوزيع الحقوق والواجبات بين الأفراد حسب كفايتهم في حدود المصلحة العامة وهذا يعني عدم التهميش.

 

في الفلسفة: هي جمع الفضائل الأربع التي أجمع عليها الفلاسفة وهي :

الحكمة – الشجاعة – العفة – الصدق

فياللغة :

عدل بين المتخاصمين إذا أنصف بينهم وتجنب الظلم والجور وأعطى كل ذي حق حقه. ويكون ذلك بالإنصات وسماع حجة كل طرف قبل النطق بالحكم :

“إذا جاءك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له فلعل خصمه فقئت عيناه”..

لقد استغفر سيدنا داؤد عندما استعجل الحكم على خصمين سمع من أحدهم ولم يسمع من الآخر :

[ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ]

ب . استشراء الفساد

استشراء من الفعل استشري وتعني عم ، إزداد ، كثر ،انتشر.

إستشراء الشيئ : انتشاره وإستفحاله وزيادته.

الفساد : الف ،عطب

فسد الرجل : انحل ،انحرف ، جاوز الصواب والحكمة.

فسد الطعام : تلف وأصبح غير صالح للأكل.

الفساد عموما هو الخروج عن الاعتدال والاستقامة.

يكون معني الفساد متسقا مع السياق التي ترد فيه الجملة.

الفساد الأخلاقي :يعني انحراف ، انحطاط ،فجور ، في الأخلاق.

الفساد الإدارى: رشوة ،إختلاس ، إستغلال نفوذ ، محسوبية .

الفساد المجتمعي : انتشار الفتن ، الظلم ، الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.

الفساد العقدي : بطلان العقيدة ، عدم الصلاح ،إنحراف السلوك

وهكذا يتحدد الفساد حسب السياق التي وردت فيه الكلمة

في الجزء الثاني من هذا المقال سنعلق علي مقال هبة ونطرح رؤيتنا في محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى