رأي

السودان: اقتصاد الحرب وارتدادات الإقليم .. حين يسبق الميدان القرار

 

هشام يوسف عبد الرحمن

《في السودان، لا تُختبر القرارات الدولية ببلاغتها؛ معيارها الحقيقي هو قدرتها على التأثير في واقع يتشكل خارجها. تُعلن القرارات في العواصم، بينما يُكتب مسار الصراع في مكان آخر؛ حيث اقتصاد حرب يموّل نفسه، وميدان يفرض إيقاعه، وإقليم يعيد حساباته تحت ضغط الارتدادات. في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة قابلة للحسم بقرار، ولا قابلة للإدارة بإيقاع النظام الدولي التقليدي》.

في السودان، لا يُقرأ ضعف النظام الدولي كنقاش نظري وإنما يُقاس مباشرة بما يحدث على الأرض.

فالقرارات تصدر، والبيانات تتوالى، غير أن مسارات القتال لا تتوقف، وشبكات الإمداد لا تنقطع، والتمويل يجد طريقه عبر قنوات متعددة، بعضها رسمي في ظاهرهـ، وأكثرها يتحرك خارج الأطر المعروفة. وبينما تنشغل العواصم الكبرى بمناقشة أدوات الضغط، تكون الوقائع الميدانية قد سبقتها، وأعادت صياغة شروط التعامل معها.

هذه الفجوة بين القرار والتنفيذ لا يمكن تفسيرها بوصفها خللاً عابراً؛ إنها انعكاس لتحول أعمق في طبيعة النظام الدولي. فالعالم، كما يشير جوزيف ناي، لم يعد محكوماً بالقوة الصلبة وحدها، وإنما بمنظومة مركبة من أدوات التأثير، تتوزع بين فاعلين متعددين، وتتداخل فيها الأدوار بشكل يجعل الحسم أقل حضوراً، والإدارة المستمرة للأزمات أكثر واقعية.

في هذا السياق، تتحول الأزمات من ملفات قابلة للإغلاق إلى مساحات مفتوحة لإدارة التوازنات. والسودان يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الحالة.

لكن هذا التحول لا يترك فراغاً محايداً. ما يحدث في الواقع أن هذا الفراغ يُملأ بمنطق آخر أكثر تأثيراً: منطق اقتصاد الحرب.

فالقتال لا يستمر بالشعارات؛ ما يُبقيه فعلياً هو تدفق الموارد. وفي السودان، يبرز الذهب بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم هذا المشهد. لم يعد مجرد ثروة وطنية، وإنما تحول إلى جزء من منظومة تمويل موازية تعمل خارج الدولة، وتعيد تشكيل موازين القوة على الأرض.

في دارفور وأجزاء من كردفان، لم تعد مناطق الإنتاج تخضع بالكامل لرقابة الدولة. ما نشأ هناك هو فضاء تتقاطع فيه المصالح المحلية مع شبكات إقليمية أكثر اتساعاً. يُستخرج الذهب، ثم يتحرك عبر مسارات متعددة، غالباً خارج القنوات الرسمية، إلى أسواق قادرة على استيعابه وإعادة دمجه في الاقتصاد العالمي. ومع كل دورة، تتلاشى إمكانية تتبعه، ويتراجع أثر أي ضغط دولي قبل أن يبدأ فعلياً.

هذا الواقع يتقاطع بوضوح مع ما طرحه بول كوليير، الذي يربط بين توفر الموارد الطبيعية واستمرار الحروب الأهلية. فالصراعات التي تجد لنفسها مصادر تمويل ذاتي لا تتعرض للضغط نفسه نحو الحسم؛ إنها تكتسب قدرة على الاستمرار، وتتحول تدريجياً إلى أنظمة قائمة بذاتها.

في الحالة السودانية، تبدو هذه الفكرة ملموسة. استمرار القتال لا يعتمد فقط على الدعم السياسي أو العسكري، بل على شبكة اقتصادية قادرة على تغذيته باستمرار. هذه الشبكة مرنة، متغيرة، وتضم:
• وسطاء
• تجاراً
• ومسارات تهريب عابرة للحدود
وهنا تتغير طبيعة التحدي. المسألة لم تعد إيقاف الإنتاج، وإنما تفكيك شبكة كاملة من العلاقات والمصالح.

غير أن هذه الشبكة لا تعمل في عزلة. البيئة الإقليمية تلعب دوراً حاسماً في استيعابها. وجود أسواق قادرة على استقبال الموارد، وإعادة تصديرها، يمنح اقتصاد الحرب قدرة على التكيف حتى في ظل العقوبات.

وهذا يفسر محدودية أدوات الضغط التقليدية. فالعقوبات تُصمَّم لاستهداف كيانات رسمية، في حين تتحرك الحروب الحديثة عبر مسارات لا تمر بهذه القنوات أصلاً.

فالعقوبات تُوجَّه إلى الدول بينما اقتصاد الحرب يتحرك خارجها.

ومن زاوية أخرى، يقدم ديفيد كين قراءة أكثر حدة. فالحروب، في بعض الحالات، لا تستمر رغم الفوضى؛ الفوضى نفسها تصبح عاملاً في استمرارها. فهي تخلق مساحات للربح، وتعيد توزيع النفوذ، وتفتح قنوات جديدة للمصالح.
في السودان، يتجلى هذا المنطق بوضوح. لم تعد الحرب مجرد نتيجة للأزمة، بل أصبحت جزءاً من نظام يعيد إنتاج نفسه.

ولا يقتصر هذا الاقتصاد على الذهب. المشهد أوسع، ويشمل:
• شبكات تحويل أموال غير رسمية
• تجارة موازية
• دعم لوجستي عابر للحدود
كل ذلك يكوّن منظومة متكاملة، يصعب تفكيكها عبر أداة واحدة.

في ظل هذا التعقيد، يصبح الحديث عن “حسم سريع” أقرب إلى التبسيط. النظام الدولي يتحرك وفق إيقاع بطيء تحكمه التوازنات السياسية، بينما يتحرك الميدان وفق إيقاع أسرع تفرضه الحاجة والفرص.

لكن هذه المعادلة، رغم قدرتها على الاستمرار، ليست مغلقة بالكامل.

في لحظة ما، تبدأ حدود اقتصاد الحرب في الظهور، ويعود العامل الداخلي إلى الواجهة.
فالمعادلة التي قامت على التمويل والاستمرار تواجه اختباراً مختلفاً: اختبار البيئة الحاضنة. الموارد لم تعد كافية وحدها، والدعم الخارجي لم يعد ضمانة مطلقة، والسيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة الاستقرار.

ما يظهر تدريجياً هو تآكل داخلي في بنية الفاعلين، يتجلى في:
• تراجع الحواضن
• بروز الانقسامات
• وتبدل مواقف بعض القوى المحلية

و حين تتراجع الحواضن تبدأ القدرة على الاستمرار في التآكل، مهما توفر الدعم.

هذا التحول يمكن قراءته من خلال ما طرحه صامويل هنتنغتون، الذي يرى أن الاستقرار لا يقوم على القوة وحدها، بل على توازن بين السلطة والشرعية. وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ البنية في التآكل من الداخل.

في السودان، تتضح ملامح هذا الاختلال بصورة متزايدة. فالقوة المسلحة التي تتقدم خارج الشرعية المؤسسية قد تفرض واقعاً ميدانياً لفترة، لكنها تظل محدودة القدرة على إنتاج استقرار قابل للاستمرار في غياب قاعدة اجتماعية متماسكة.

غير أن هذه التحولات الداخلية لا تنفصل عن السياق الإقليمي.

السودان، بحكم موقعه، ليس ساحة معزولة. إنه نقطة تقاطع جيوسياسية تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي وإلى منطقة الساحل والصحراء. أي تغير داخلي فيه ينعكس مباشرة على محيطه. وهنا يظهر ما يمكن وصفه بمنطق “الارتداد”. التدخلات الخارجية، مع مرور الوقت، تبدأ في إنتاج آثار تتجاوز أهدافها الأصلية.

وحين تتغير الوقائع على الأرض تعيد الدول حساباتها، حتى وإن لم تعلن ذلك.

غير أن إعادة التموضع لا تعني دائماً الانسحاب أو تخفيف الانخراط. ففي بعض الحالات، تأخذ شكلاً أكثر جرأة وتعقيداً؛ حيث تنتقل بعض القوى من إدارة الصراع عبر الوكلاء إلى مستوى من الحضور يكاد يقترب من العلن، مستندة إلى قناعة متزايدة بأن كلفة الانكشاف السياسي تظل أقل من كلفة التراجع الميداني. وفي مثل هذه البيئات، لا يعود العمل من الظل ضرورة دائمة، وإنما خياراً تكتيكياً يتغير وفق ميزان القوة وردود الفعل المتوقعة.

ومن هنا، تتحول بعض العواصم الإقليمية من مجرد مساحات عبور أو إسناد إلى منصات تشغيل متقدمة، تُدار عبرها شبكات التمويل، والإمداد، والتغطية السياسية، بما يسمح باستمرار التأثير دون تحمل الكلفة الكاملة للمواجهة المباشرة. ومع الوقت، يصبح تداخل الأدوار بين الممول، والوكيل، والمشغّل أكثر ضبابية، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين من يدير الصراع ومن ينفذه ميدانياً.

وفي هذا السياق، لا تبدو بعض التحركات العسكرية الأخيرة – خصوصاً تلك التي استهدفت منشآت مدنية وبنى سيادية بعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية – مجرد تطور ميداني معزول، وإنما مؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تركيباً؛ مرحلة تُستخدم فيها الجغرافيا الإقليمية كمنصة تشغيل، وتتحرك فيها الأدوات عبر شبكات نفوذ تتجاوز حدود الدولة الواحدة.

وما يزيد تعقيد المشهد أن بعض العواصم المحيطة لم تعد تتصرف بوصفها أطرافاً مستقلة بالكامل، وإنما كامتدادات وظيفية ضمن شبكة مصالح أوسع، تتقاطع فيها الحسابات الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية، وأدوار الوكالة السياسية. وهكذا، يصبح الإقليم أقل شبهاً بمجموعة دول متجاورة، وأكثر شبهاً بمسرح مترابط تُدار فيه الأدوار بتفاوت في الظهور، لا في التأثير.

وفي مثل هذه البيئات، لا يكون التصعيد دائماً تعبيراً عن القوة، بقدر ما يكون محاولة لمنع تآكل النفوذ مع تغيّر موازين الأرض. لذلك، فإن بعض الأطراف لا تعيد حساباتها بالتراجع، وإنما بإعادة توزيع أدواتها، وتوسيع مسارات التأثير غير المباشر، أملاً في إبطاء التحولات التي باتت تفرض نفسها ميدانياً.

وفي ظل هذا التداخل، لا تبدو إعادة الحسابات الإقليمية حدثاً معلناً بقدر ما تظهر كعملية بطيئة لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ. فكلما تغيرت الوقائع على الأرض، ارتفعت كلفة الانخراط الخارجي، وبدأت الأطراف المختلفة في مراجعة أدوات تأثيرها وتموضعاتها السياسية. ولا يظهر هذا التحول دائماً في تصريحات مباشرة، وإنما يُقرأ من خلال مؤشرات متفرقة، أبرزها:
• حذر متزايد في الخطاب
• تراجع في بعض المسارات
• محاولات لإعادة التموضع

هذا السلوك يتسق مع ما يطرحه ستيفن والت في مقاربته لـ“توازن التهديد”، حيث لا تتحرك الدول وفق ميزان القوة المجرد فحسب، وإنما تبعاً لطريقة إدراكها للمخاطر وتقديرها لكلفة التحولات المحيطة بها. وعندما يتغير هذا الإدراك، تبدأ السياسات نفسها في إعادة التشكل، حتى وإن بدا الخطاب ثابتاً في ظاهره.

وفي الحالة السودانية، يبدو أن استمرار الصراع لم يعد يُنتج مكاسب بالقدر نفسه الذي بدأ يُنتج فيه تهديدات تتجاوز حدود ساحته المباشرة، وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى مراجعة حساباتها، أو على الأقل إعادة توزيع أدوارها وأدوات تأثيرها.

وفي الداخل، تستمر عملية إعادة التشكل بوتيرة لا تقل تعقيداً. فالتحولات الاجتماعية، والانقسامات، والتغيرات التي أصابت الحواضن التقليدية، تعيد رسم موازين القوى بصورة تدريجية، وتجعل مسألة الاستمرار أكثر تعقيداً من مجرد السيطرة الميدانية.

وهكذا، لم يعد السؤال الحقيقي من يسيطر، وإنما من يملك القدرة على الاستمرار وسط واقع يتغير بوتيرة تتجاوز قدرة الجميع على التحكم الكامل فيه.

وفي الإقليم، تتزايد القناعة بأن السودان لم يعد ملفاً قابلاً للاحتواء بسهولة. فامتداد الصراع لا يتوقف عند حدوده المباشرة، وإنما يفتح المجال أمام:
• ضغوط متزايدة على الحدود
• تدفقات بشرية متسارعة
• وشبكات يصعب ضبطها أو احتواؤها

وهو ما يجعل استمرار الفوضى كلفة مفتوحة على الجميع.

السودان ليس ساحة صراع فحسب، إنه عقدة توازن إقليمي.

في النهاية، يتشكل المشهد عبر مسارات متداخلة:
• اقتصاد حرب يغذي الصراع،
• تحولات داخلية تعيد تشكيله، وإقليم يعيد حساباته تحت ضغط الوقائع المتغيرة.

وفي نقطة التقاطع بين هذه المسارات، لا تُحسم الأمور بما يُعلن، وإنما بما تفرضه التحولات الفعلية على الأرض.

وفي قراءة أعمق، لا يبدو ما يجري في السودان مجرد تعثر في إدارة أزمة؛ إنه تعبير مكثف عن تحولات أوسع في بنية النظام الدولي ذاته. فكما يذهب جوزيف ناي، لم تعد القوة مركّزة بما يسمح بالحسم، وإنما باتت موزعة على نحو يجعل السيطرة الكاملة أقرب إلى الوهم، ويحوّل الأزمات من ساحات إنهاء إلى مساحات إدارة مستمرة. وفي هذا الفراغ النسبي، يجد منطق اقتصاد الحرب -كما شرحه بول كوليير – بيئته المثلى؛ حيث لا تُستعجل الصراعات التي تموّل نفسها، بل تميل إلى الاستقرار وإعادة إنتاج شروط بقائها.

ويضيف ديفيد كين طبقة أكثر إزعاجاً لهذا المشهد، حين يلفت إلى أن الفوضى نفسها قد تتحول إلى مصلحة، وأن ما يبدو اختلالاً قد يُعاد تشكيله كنظام مربح لبعض الفاعلين. وعلى مستوى الداخل، يذكّرنا هنتنغتون بأن القوة التي لا تستند إلى شرعية محكومة بالتآكل من داخلها، مهما بدت متماسكة، وهو ما يفسر تحولات الحواضن وتبدل التوازنات الاجتماعية.

أما إقليمياً، فإن ما يبدو تردداً لا يُقرأ بالضرورة بهذا المعنى، وإنما بوصفه إعادة تموضع تحكمها حسابات التهديد، كما يوضح ستيفن والت؛ حيث تتغير السياسات لا بتبدل المبادئ، وإنما بإعادة تقدير المخاطر.

بين هذه المستويات المتداخلة، يتشكل السودان اليوم كحالة لا تُفهم بأداة واحدة، ولا تُحسم بقرار واحد؛ حالة تتقاطع فيها قوة لم تعد مركزية، واقتصاد حرب بات يعيد إنتاج الصراع بقدر ما يتغذى عليه، وإقليم لم يعد ثابتاً في تموضعه—واقعٌ لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يفرض منطقه بهدوء، ويعيد تعريف معنى الحسم ذاته.

وفي هذا المشهد، لا يتأخر الحسم، ما يتغير هو معناه نفسه.

فالسودان لم يعد أزمة تبحث عن حل، وإنما واقع يفرض منطقه؛ حيث يكتب الميدان ما تعجز عنه القرارات، كاشفاً حدود نظام دولي لم يعد قادراً على الحسم بقدر ما أصبح منشغلاً بإدارة ما لا يستطيع إنهاءه؛ وهو ما تعكسه أيضاً تجارب معاصرة، من حرب الخليج الأخيرة إلى أزمات الملاحة في مضيق هرمز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى