من الخرطوم سلام (3).. سلسلة مشاهدات يرويها رئيس التحرير

الأحد الماضي، كان يوماً ذا طبيعة خاصة، فهو لا يحمل أشواق الحنين إلى الوطن والعودة إلى الخرطوم، ولا شغف إستكشاف العاصمة بعد سنوات الغياب وتبيُّن آثار الحرب فحسب، وإنما يحمل فوق هذا كله مشاعر ممزوجة بالحنين والحزن الخاص، حيث كان ضمن برنامجي زيارة الأهل والعشيرة في شرق النيل، وتحديداً في قرية عِد بابكر
إلى عـِد بابكر:
سلكنا الطريق إلى كبري المنشية من جهة بري وعبرنا شرقاً إلى بداية طريق العيلفون من جهة حي القادسية، واتجهنا جنوباً إلى تقاطع الطريق الدائري حيث إتجهنا شرقاً .. حركة السيارات والشاحنات وحافلات المواصلات العامة في شرق النيل، والباعة على جانبي الطريق، تكاد تكون مثلما كانت قبل الحرب، وقد لفت نظري في مدخل الطريق الدائري لواري ودفارات الطوب الأحمر والرملة المتوقفة في انتظار الزبائن، جنباً إلى جنب حِزم البرسيم المكومة.
في النصف الثاني من العام 1992 أكملت أسرتي الصغيرة وأسرة عمي عبد الله إنتقالهما إلى قرية عِد بابكر وكان ذلك الانتقال ثمرة جهد قاده قبل خمس سنوات من ذلك، شقيقي موسى أحمد مروح أستاذ اللغة الانجليزية في مدرسة بناتنا الثانوية حينها وأستاذ اللغة الألمانية لاحقاً في معهد جوتة، وإبن عمي أحمدين عبد الله مروح الطالب بالكلية الحربية وقتها والضابط بالقوات المسلحة عقب ذلك ، حيث قاما بشراء قطعتي أرض في قرية بابكر، من أهلنا البطاحين، وتابعا بناء بيتين من المواد المحلية ليسكن فيهما كبارنا الذين أضناهم الترحال في إثر القحل الذي ضرب مناطق “دمر” الكبيشاب في دار الريح بشمال كردفان، أوائل الثمانينات، ولم يأت اختيار المكان صدفة، فقد كنا نبحث عن بيئة ومجتمع قريبين من مجتمع الرعاة، ولم نجد خياراً أفضل من أهلنا البطاحين، وقد كانوا بالفعل نعم الجيرة والعشيرة.
مرت على بيتنا حكايات:
مرت على بيتنا حكايات .. مِن فُتّ وجيت
وانكتبت بينا مسافات .. وفرق توقيت
في كل لحظة حنلقاك .. جمعت قلوبنا الراجياك
سوداني و زي ما عرفناك .. هنا وللاّ هناك
أشعر أن هذه “النغمة” التي تسمعها عندما تتصل على رقم (سوداني) وكأنها تخاطبني شخصياً هذه المرة وأنا أتوجه إلى عد بابكر، ففي هذه القرية عاش الوالد الحاج أحمد ود مروح وأمنا الحاجة سعيدة بت فاعوم، بقية عمريهما، ما شاء الله لهما أن يعيشا، وفي يوليو من العام 2015 إنتقل الوالد إلى رحمة ربه، ولحقت به الوالدة في أكتوبر من العام الماضي، وقد بلغني خبر وفاتها وأنا في القاهرة، فشق عليّ أن لا أكون حاضراً، وقد كان يوم الأحد الماضي يوماً لوصل الأرحام وتجديد الأحزان، وتعزية أهلي فيمن رحلوا عن دنيانا أعوام الحرب، لم يخفف من وطأة حزني فيه إلاّ مرافقة رفيقة دربي الدكتورة آمنة عباس.
كانت الزيارة مناسبة للاستماع إلى تجربة الأهل في العيش وسط منطقة كان يحتلها الدعم السريع، الذين كانوا كلما استولوا على “غنيمة” أو أقاموا فرحاً في أحد البيوت التي احتلوها بوضع اليـد، أطلقوا وابلاً من الرصاص في جميع الاتجاهات غير مكترثين بمن قد يصيبهم ذلك الرصاص في مقتل أو يجرحهم.. وبرغم حكم “الزندية” الذي فرضه الدعم السريع في عد بابكر، وفي سائر مناطق شرق النيل، مما أضطر الكثيرين – ومنهم أهلنا – للنزوح إلى الولايات المجاورة، إلاّ أن الحياة هناك سرعان ما بدأت تعود لطبيعتها بمجرد الإعلان عن تحرير ولاية الخرطوم، وربما جاز القول ، بكل الثقة، أن مظاهر الأسواق والأفران ومحلات الخضروات والفواكه والمدارس والمستشفيات الريفية، عادت كلها لتعمل بكامل طاقتها.
في طريق العودة من عد بابكر، اخترنا أن نأخذ طريق الجريف شرق، من قرب نهايته جنوباً ونتجه عبره شمالاً باتجاه متفرع مستشفى شرق النيل، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب .. وكان المشهد على جانبي الطريق يكاد يشابه ما كان قبل الحرب، وقد لفت نظري كثافة وجود السيارات في مواقف مستشفى شرق النيل ومجمع العيادات الملحق به، وقد لاحظت أنه في كل هذا المشوار لم يقابلنا إرتكاز أو نقطة تفتيش، ولم نشاهد مظهراً لعسكريين بخلاف رجال شرطة المرور ، سوى ما وجدناه في مدخلي كبري المنشية، وقد لاحظتُ من على منتصف الكبري عودة الحياة إلى كورنيش النيل في منطقة برج الاتصالات، وعودة كمائن الطوب الأحمر على الضفة الشرقية للنيل الأزرق !!
يوم المُسيرات:
منتصف نهار الاثنين الماضي، رتبت مع الأخ الصديق وجدي الكردي، مدير إذاعة بلادي، أن نذهب إلى مجمع الوزارات في عمارة الشركة السودانية للموارد المعدنية، بحي المجاهدين جنوبي الخرطوم ، وقد كنا بصدد زيارة وزارة الثقافة والإعلام والسياحة في مقرها الجديد، وما إن جلسنا إلى السيدة الوكيلة، وباركنا لهم الانتقال من ضيق مجمع الوزارات في بورتسودان إلى سعة عمارة الموارد المعدنية، حتى بدأت الوسائط تتناقل أخبار الهجوم بالمسيرات على مطار الخرطوم .. وبين مصدق ومشكك، تبين لنا صحة الخبر.. ثم علمنا بعد ذلك أن سلطات تأمين المبنى طلبت من المسؤولين والموظفين الانصراف، وكنا نحن آخر المنصرفين تقريباً ، لا تمرداً على تعليمات السلامة، ولكن قناعة أن ما حدث قد حدث، وأن الأمر أشبه بسماع صوت الرعد ورؤية البرق حين تضرب الصاعقة مكاناُ ما، فالذين قد تكون أصابتهم ضربة الصاعقة ليس بمقدورهم رؤية البرق ولا سماع صوت الرعد.
بدا لي أن الذين عادوا للخرطوم أو الذين لم يبارحوها أصلاً قد اعتادوا على موضوع المسيرات هذا، فلم نشهد هلعاً ولا زحاماً عند الخروج من المكاتب في مجمع الوزارات، ولا في شارع الستين الذي سلكناه عند العودة، وقد أصبح اهتمامي الشخصي منصباً حول طبيعة الضربة التي تعرض لها المطار، هل هي بطائرة مسيرة إنتحارية أم مسيرة عادية أم مسيرة استراتيجية .. فلكل واحد من الاحتمالات قراءة مختلفة واستنتاجات مختلفة.
وجدتها وجدتها :
لبست عباءة الصحفي وأخذت أتواصل مع عدد من الذين يمكن أن أعثر عندهم على الإجابة، وفي نفس الوقت أتابع ما تتناقله الوسائط، فلم إجد رواية مقنعة، وفي الأثناء تناقلت مجموعات الواتس آب خبر المؤتمر الصحفي الذي سيعقده وزيرا الدفاع والخارجية في تلك الليلة، فتهللت أساريري وهتفت في داخلي .. وجدتها وجدتها، والـ(هاء) هنا لا صلة لها بصيحة أرخميدس عندما اكتشف قانون الطفو !!
كان المؤتمر الصحفي، الذي عُـقد ليلة الأثنين الماضي، مناسبة لتجديد اللقاء مع عدد من الزملاء الإعلاميين .. مستور آدم من التلفون القومي وإبراهيم (سونا) والظافر والطاهر من قناة الجزيرة ، ومحمد محمد عثمان من بي بي سي، وبهرام عبد المنعم (الأناضول)، وغيرهم من شباب المراسلين والمصورين، ولم يكن فيه من الزميلات إلا (هبة مورغان) من الجزيرة مباشر، وقد حضرت وفي يدها (فراشة) حمى الضنك، فلها التحية !!
في المؤتمر الصحفي، تم عرض شريط فيديو يوضح نوع المسيرات التي ظلت تنطلق من قاعدة بحر دار في إثيوبيا منذ مطلع مارس الماضي، وتجوس في فضاء السودان، فتضرب في شمال وجنوب كردفان، وفي النيل الأبيض، وهي ثلاث مسيرات استراتيجية تم إسقاط واحدة منها في منتصف مارس في شمال مدينة الأبيض، وتم التعرف على نوعها ورقمها المتسلسل .. وأفاد الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد عاصم محمد عوض، أنه تم الاتصال بالدولة المصنِّعة عبر القنوات الدبلوماسية وأفادت أنها باعت هذه المسيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
لم أكتف بما قيل وعُرض في المؤتمر الصحفي ، فبعد نهاية المؤتمر سألت العميد عاصم فشرح لي تفاصيل ما قاله، وخلاصة ما يمكن أن أقوله هنا هو أن الاعتداء الذي تعرض له مطار الخرطوم الدولي ظهر الأثنين الماضي – استناداً إلى عدة روايات من ضمنها ما قيل في المؤتمر الصحفي – تم بواسطة طائرة مسيرة استراتيجية تتطابق مواصفاتها مع مواصفات تلك التي تم إسقاطها من قبل، وأنها إختارت توقيت الضربة بدقة عالية، من إرتفاع شاهق وفعلت فعلتها ثم غادرت الأجواء.
في المشاهدات القادمة، نعود إن شاء الله، إلى الحديث عن “المعايش”، عن الكهرباء ومتطلبات الحياة الأخرى، وعن العقبات التي تواجه الذين يرغبون في استئناف أعمالهم الصغيرة




