موسم أكثر جفافاً وحرارة في القرن الإفريقي … هل يستعد السودان مبكراً لمخاطر 2026؟

د. عمار أبكر عبد الله
في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، تتزايد أهمية المعلومات المناخية الموسمية باعتبارها أداة أساسية لدعم التخطيط وصناعة القرار، خاصة في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الأمطار والموارد الطبيعية. وفي هذا السياق، جاءت مخرجات المنتدى الثالث والسبعين لتوقعات المناخ في القرن الإفريقي (GHACOF 73)، الذي انعقد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة 18–19 مايو 2026، حاملةً رسائل مهمة للسودان ودول الإقليم بشأن طبيعة الموسم المطري المقبل وتحدياته المحتملة.
المنتدى نظمته الهيئة الحكومية للتنمية بشرق إفريقيا (IGAD) عبر مركز التنبؤات المناخية وتطبيقاتها (ICPAC)، بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) والهيئات الوطنية للأرصاد والمناخ بدول القرن الإفريقي، وبمشاركة ممثلين لقطاعات المياه والزراعة والطاقة والصحة وإدارة الكوارث والمنظمات الإقليمية والدولية. وشملت المشاركة السودان، جنوب السودان، إثيوبيا، كينيا، أوغندا، الصومال، جيبوتي، إريتريا، تنزانيا، رواندا وبورندي.
توقعات مقلقة لموسم يونيو – سبتمبر 2026:
خلص المنتدى إلى وجود احتمالات مرتفعة لموسم أكثر جفافاً وحرارة من المعتاد خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2026 في أجزاء واسعة من القرن الأفريقي، وهي الفترة التي تمثل الموسم المطري الرئيسي في عدد من دول الإقليم. وتشير التوقعات إلى ازدياد فرص هطول أمطار دون المعدلات الطبيعية في جنوب السودان، وأجزاء من السودان، وإثيوبيا، وأوغندا، وجيبوتي، وإريتريا وغرب كينيا. وأوضح التقرير الفني أن أعلى احتمالات الجفاف تتركز في أجزاء من إثيوبيا وجنوب السودان وبعض المناطق الجنوبية من السودان، حيث تتجاوز احتمالات انخفاض الأمطار 60%، بينما تصل إلى نحو 80% في بعض المناطق بإثيوبيا وجنوب السودان.
وبيّن التقرير تقسيم المناطق المتأثرة إلى عدة نطاقات احتمالية، حيث أظهرت “المنطقة الأولى” أعلى مستويات الخطورة، مع احتمال يبلغ 80% لهطول أمطار دون المعدلات الطبيعية، مقابل 15% فقط لأمطار قريبة من المعدل و5% لأمطار أعلى من الطبيعي. كما أظهرت مناطق أخرى احتمالات جفاف عند مستويات 55% و45%، بما يعكس اتجاهاً إقليمياً عاماً نحو موسم أقل رطوبة. وفي المقابل، أشار التقرير إلى احتمالات محدودة لأمطار أعلى من المعدلات الطبيعية في أجزاء من شمال السودان والسواحل الجنوبية للصومال وبعض المناطق المحلية الأخرى، إلا أن هذه الفرص ظلت ضعيفة نسبياً وتتراوح بين 40–50% فقط.
انخفاض فرص الأمطار الغزيرة وتأثيرها على الموارد المائية:
ومن المؤشرات المهمة التي وردت في التقرير، تراجع احتمالات تجاوز الأمطار الموسمية حاجز 500 ملم في أجزاء من جنوب السودان والهضبة الإثيوبية والمناطق الجنوبية من السودان، بانخفاض يتراوح بين 20 إلى 50 نقطة مئوية مقارنة بالمعدلات المناخية المعتادة. ويحمل هذا المؤشر دلالات مباشرة على:
-تغذية الأنهار الموسمية؛
-مخزون السدود والخزانات؛
-الزراعة المطرية؛
-المراعي الطبيعية؛
-وإنتاج الطاقة الكهرومائية.
كما أشار التقرير إلى أن بعض المناطق في جنوب السودان فقط قد تشهد زيادة طفيفة في احتمالات تجاوز هذا الحد المطري، بنسبة تتراوح بين 5–30 نقطة مئوية.
ارتفاع درجات الحرارة واحتمالات النينيو:
التقرير أشار كذلك إلى توقعات بارتفاع درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية في معظم أنحاء القرن الإفريقي، مع احتمالات مرتفعة لظروف أكثر حرارة في شمال السودان ومعظم جنوب السودان وإثيوبيا. ووفقاً للتقسيم الحراري الوارد في التقرير: بعض المناطق سجلت احتمالاً يصل إلى 85% لدرجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية؛ بينما سجلت مناطق أخرى احتمالات عند 75% و60% لظروف أكثر حرارة من المعتاد. ويرتبط هذا الوضع المناخي بالتطور المتوقع لظاهرة “النينيو” خلال النصف الثاني من عام 2026. ووفقاً للمنتدى، فإن احتمالات تطور النينيو خلال الفترة مايو–يوليو 2026 تصل إلى 82%، مع توقع استمرارها حتى شتاء 2026/2027 باحتمالات تصل إلى 96%.
كما أشار التقرير إلى أن الظروف الحالية تتشابه بصورة كبيرة مع ظروف عامي 1997 و2023، وهما من سنوات النينيو القوية التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في الأمطار في أجزاء واسعة من إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا وغرب كينيا.
ما الذي يعنيه ذلك للسودان؟
تمثل هذه التوقعات رسالة مهمة لصانع القرار السوداني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الراهنة، واعتماد قطاعات واسعة من السكان على الزراعة المطرية والرعي والموارد الطبيعية. فانخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة قد يؤديان إلى: تراجع الإنتاج الزراعي المطري، زيادة الضغوط على موارد المياه السطحية والجوفية، تدهور المراعي وارتفاع معدلات النزوح الرعوي، زيادة احتمالات الحرائق والجفاف، ارتفاع الطلب على المياه والطاقة، وتفاقم هشاشة المجتمعات المتأثرة بالنزاعات والأزمات الإنسانية. كما أن احتمالات تأخر بداية الموسم المطري في أجزاء من السودان وجنوب السودان وإثيوبيا تضيف تحدياً آخر أمام التخطيط الزراعي وإدارة المياه، خاصة في المناطق المعتمدة على الزراعة التقليدية الموسمية.
النيل الشرقي وتحديات التنسيق المناخي والمائي:
وفي ظل هذه المؤشرات المناخية المقلقة، تبرز أهمية تعزيز آليات تبادل المعلومات الهيدرولوجية والمناخية بين دول حوض النيل الشرقي، خاصة السودان وإثيوبيا ومصر، بما يسهم في تحسين إدارة الموارد المائية المشتركة وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية والجفاف والفيضانات. كما تزداد الحاجة إلى رفع مستوى التنسيق الفني بشأن تشغيل منظومة السدود والخزانات الرئيسية في الحوض، بما في ذلك السدود السودانية والإثيوبية والمصرية، لضمان الاستخدام الأمثل للمياه وتحسين كفاءة إدارة الفترات الحرجة.
وفي ظل توقعات تشير إلى تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، فإن تبادل البيانات اليومية والفصلية المتعلقة بالأمطار والتدفقات والتخزين والتشغيل يصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد تعاون فني، خاصة أن إدارة السدود في فترات الجفاف تتطلب مستوى عالياً من الشفافية والتنسيق الإقليمي.
من “الإنذار المبكر” إلى “التحرك المبكر”:
من أهم الرسائل التي برزت في المنتدى، الدعوة إلى الانتقال من مفهوم “الإنذار المبكر” إلى “الإنذار المبكر المرتبط بالفعل الاستباقي”، أي تحويل المعلومات المناخية إلى إجراءات عملية تقلل الخسائر وتدعم الاستعداد المؤسسي والمجتمعي. وبالنسبة للسودان، فإن ذلك يتطلب: تعزيز أنظمة الرصد المناخي والهيدرولوجي، دعم الهيئة العامة للأرصاد الجوية، ووحدات الرصد المائي بوزارة الزراعه والري الإتحادية، تطوير خطط إدارة وتشغيل السدود والخزانات، توسيع برامج الحصاد المائي، دعم الزراعة الذكية مناخياً، تقوية أنظمة الإنذار المبكر للكوارث والجفاف، ورفع مستوى التنسيق الإقليمي في إدارة الموارد المائية المشتركة.
المناخ والأمن القومي:
لقد أصبحت التغيرات المناخية جزءاً من معادلة الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ولم تعد المعلومات المناخية مجرد تقارير فنية متخصصة. فالدول التي تستثمر في خدمات المناخ والإنذار المبكر والتخطيط الاستباقي ستكون أكثر قدرة على حماية مجتمعاتها واقتصاداتها وتقليل آثار الصدمات المناخية.
ومن هنا .. فإن مخرجات المنتدى مهمة للسودان لإعادة النظر في سياسات إدارة المياه والزراعة والتكيف المناخي، والانطلاق نحو بناء منظومة أكثر مرونة واستعداداً للمخاطر المستقبلية، تقوم على العلم والتنسيق الإقليمي والاستثمار في المعرفة والقدرات الوطنية.



