تعقيباً على مقال السفير العبيد: بين “شرتمة” الدعم السريع ووحدة السودان: لماذا لا يحتمل السودان ولا الجوار فصل دارفور؟

د. إسماعيل ساتي
كتب السفير العبيد أحمد مروح، في مقاله القيّم الذي نُشر في جزأين تحت عنوان: “شرتمة الدعم السريع.. هل هي الحل الأسلم؟”، قراءة متماسكة وعميقة لظاهرة الدعم السريع: من حيث النشأة، والتكوين، والتحولات التي نقلته من قوة أنشئت في سياق عسكري داخلي محدد، إلى ظاهرة سياسية وعسكرية واجتماعية تجاوزت حدود السودان، وأصبحت تمثل تهديداً عابراً للحدود في كامل فضاء الساحل والصحراء.
وأحسب أن من أهم ما ميّز المقال أنه لم يقع في فخ الاختزال؛ فلم يقدم الدعم السريع باعتباره مجرد تمرد مسلح أو خلافاً على السلطة، وإنما باعتباره ظاهرة مركبة لها جذور في التاريخ السوداني، وامتدادات في الجغرافيا، وروابط قبلية ومصلحية وسياسية تتجاوز السودان إلى محيطه الإقليمي. وهذه مقاربة مهمة، بل ضرورية.
غير أن ما طرحه المقال يفتح الباب لسؤال آخر لا يقل أهمية، وربما بات أكثر إلحاحاً في هذه المرحلة من الحرب: ماذا لو توهم البعض – داخل السودان أو خارجه – أن فصل دارفور أو تحويلها إلى كيان مستقل يمكن أن يكون مخرجاً للأزمة؟
في تقديري، هذا واحد من أخطر الأوهام السياسية التي قد تنتجها هذه الحرب. ذلك أن دارفور ليست قطعة أرض يمكن فصلها عن السودان ثم تستقر بعدها الأوضاع تلقائياً، ولا هي ملف سياسي قابل للحسم بخط على الخريطة أو بفرض واقع عسكري مؤقت.
دارفور، بحكم الجغرافيا والتاريخ والتركيبة السكانية، ليست معزولة عن السودان، كما أنها ليست منفصلة عن فضاء الساحل والصحراء. فهي متصلة اتصالاً عضوياً بتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا والنيجر، وتتقاطع فيها المصالح والقبائل والاقتصاد والهجرة ومسارات التجارة وطرق التهريب، بصورة تجعل أي اضطراب فيها مرشحاً للتمدد إلى الإقليم كله.
ولهذا فإن من يظن أن قيام كيان منفصل في دارفور، في ظل الظروف الحالية، سيؤدي إلى الاستقرار، يقرأ المشهد قراءة شديدة التبسيط.
لأن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن فصل دارفور سياسياً؟ السؤال الأهم هو: ماذا سيقوم على أرض دارفور إن تم تفكيك سلطة الدولة السودانية فيها؟ هل ستقوم دولة مستقرة بمؤسسات واضحة وحدود مضبوطة واقتصاد قابل للحياة؟ أم أننا سنكون أمام مساحة مفتوحة تتحرك فيها الجماعات المسلحة، وتتنازعها الولاءات العابرة للحدود، ويزدهر فيها اقتصاد السلاح والتهريب والتجنيد والفوضى؟
وفي تقديري، فإن الاحتمال الأقرب (لا قدر الله) هو الثاني.
ولهذا فإن دارفور، إن خرجت من إطار الدولة السودانية تحت ضغط السلاح والفوضى، لن تتحول إلى دولة مستقرة بهذه البساطة، وإنما قد تتحول إلى شوكة حادة في حلق جميع الدول المجاورة. وحينها لن تبقى آثار الأزمة داخل السودان. الفوضى في هذا الحزام لن تقف عند الحدود بل سوف تتحرك عبر القبيلة وعبر السوق وعبر السلاح وعبر النزوح وعبر التحالفات المتحركة، ثم تعيد إنتاج نفسها في الأماكن التالية.
ولهذا فإن أي دعم سياسي أو عسكري أو مالي للدعم السريع من أي طرف إقليمي أو دولي، على أساس أنه ورقة ضغط أو أداة لتحقيق نفوذ داخل السودان، هو في حقيقته تقدير قصير النظر. بل هو، من الناحية الاستراتيجية، رهان خاطئ. لأن من يراهن على مليشيا عابرة للحدود لإضعاف الدولة الوطنية قد يكتشف بعد حين أنه لم يصنع توازناً، وإنما فتح باباً يصعب إغلاقه.
والتجارب في الإقليم القريب والبعيد لا تزال حاضرة.
ومن هنا تبرز أهمية ما أشار إليه السفير العبيد مروح حول الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة السودانية، بما فيها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، في كشف أبعاد خطر الدعم السريع، لا على السودان وحده، وإنما على الإقليم الأوسع. وهنا، في تقديري، ينبغي أن تتقدم الدبلوماسية السودانية، عبر أجهزتها وأجهزة الدولة المختلفة، خطوة إضافية. لا يكفي أن تخاطب العالم من زاوية الشرعية السياسية وحدها. ولا يكفي أن يُقدَّم الأمر بوصفه صراعاً داخلياً بين دولة ومتمردين. بل يجب أن يُطرح الملف باعتباره قضية استقرار إقليمي مباشر. ويجب أن تكون الرسالة واضحة وصريحة لدول الجوار: إن دعم الدولة السودانية المعترف بها دولياً ليس انحيازاً سياسياً لطرف ضد آخر، وإنما هو استثمار مباشر في أمن المنطقة واستقرارها. وأن إضعاف الدولة المركزية في السودان، أو التساهل مع مشروع المليشيا، أو الرهان على فرض وقائع مسلحة في دارفور، لن يؤدي إلى سلام مستدام، وإنما قد يفتح الإقليم كله على موجة جديدة من الاضطراب وعدم الاستقرار.
ولهذا فإن السودان لا يدافع اليوم عن وحدة أراضيه فقط، ولا يدافع عن حدوده السياسية فحسب، بل يدافع – في هذه اللحظة التاريخية الحساسة – عن معادلة الاستقرار في الإقليم كله. لأن دارفور، إن استقرت داخل دولة سودانية قوية عادلة، يمكن أن تكون جسراً للتكامل والتعاون بين السودان ومحيطه الغربي. أما إن تُركت للفوضى أو جرى التعامل معها باعتبارها ملفاً قابلاً للتجزئة أو المقايضة، فإنها لن تتحول إلى دولة جديدة مستقرة، بل إلى بؤرة مفتوحة قابلة لتصدير الاضطراب إلى ما حولها. وهنا تحديداً تتجاوز القضية حدود السياسة اليومية، وتتحول إلى سؤال دولة وسؤال إقليم وسؤال مستقبل.
ولهذا فإن النقاش الذي فتحه السفير العبيد مروح في مقاله لا ينبغي أن يتوقف عند توصيف ظاهرة الدعم السريع أو تحليل بنيتها فقط، مهما كانت أهمية ذلك، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر: كيف نحمي السودان من مشروع التفكيك؟ وكيف نقنع الإقليم بأن مصلحته الحقيقية ليست في إدارة الفوضى داخل السودان، وإنما في مساندة الدولة السودانية حتى تستعيد عافيتها كاملة؟ لأن كلفة دعم الدولة مهما كانت تبقى أقل بكثير من كلفة الانهيار الشامل. وهذا هو ما ينبغي أن تقوله الدبلوماسية السودانية اليوم بثقة ووضوح: إن السودان لا يطلب من جواره مساندة سياسية عابرة، بل يضع أمامهم حقيقة استراتيجية واضحة: إما دولة سودانية مستقرة وموحدة، وإما فوضى إقليمية مفتوحة لن تقف عند حدود السودان، ولن يسلم من ارتداداتها أحد.



