رأي

كردفان ودارفور… هل أصبح الحسم العسكري رهينة للتسويات الخارجية؟

 

د. الهيثم الكندي يوسف

أتفق مع الكثيرين في علو كعب العوامل الخارجية أثراً في حرب السودان وتفوقها على العوامل الداخلية، فالتدخلات الإقليمية والدولية لم تكن بعيدة عن المشهد، ليس بدءاً بإشعال الحرب، ولا انتهاءً بتوفير وقودها السياسي والعسكري واستمراريته. وفي إطار هذه التقاطعات يبدو من الواضح أن القوى الخارجية لا تريد للقوات المسلحة السودانية حسم هذه المعركة حسما عسكرياً ناجزاً.

لقد كان من المؤمل مواصلة التقدم العسكري نحو إقليم دارفور عبر متحرك الصياد، الذي سطر ملاحم التحرير انطلاقاً من تخوم النيل الأبيض وصولاً إلى بسط السيطرة على مناطق شاسعة من سهول كردفان. إلا أن عوامل متعددة أعاقت هذا التقدم، يأتي علي رأس هذه العوامل التدخلات الخارجية التي وضعت العراقيل وكبحت جماح اندفاعة الجيش لحسم المعركة هناك.

تحظى فرضية تحكم الخارج في مسار الحرب وتوجيه دفتها بتأييد واسع من قِبل الكثير من المحللين والمتابعين لمجريات الأحداث ووقائع الميدان. لذا رأينا تناول هذه الفرضية بالبحث والتحليل، باعتبارها تمتاز بمنطقية وقبول واسعين في الشارع السياسي، خصوصاً إذا ما ربطنا هذا التباطؤ الميداني بالتحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة التي انعقدت برعاية الخماسية في برلين وأديس أبابا.

ويُعتقد أن الهدف الرئيسي من هذه العرقلة وتأخير حسم القوات المسلحة للمتبقي من الأجزاء والمناطق التي تسيطر عليها المليشيا المتمردة، يتلخص في رغبة القوى الدولية في الفراغ أولاً من هندسة ترتيبات المشهد السياسي لما بعد الحرب. حيث يسعون عبر التهدئة المفروضة إلى رسم أبرز الوجوه التي ستشارك في فترة الانتقال المقبلة، وتحديد طبيعة هذا الانتقال، فضلاً عن تقرير مصير القادة العسكريين الذين قادوا الحرب، وتحديد أدوارهم المستقبلية ووضعهم القانوني والسياسي بعد توقف القتال.

يضاف إلى ذلك محاولة حسم الموقف من الإسلاميين وهل سيسمح لهم بالمشاركة أم سيتم استبعادهم وإقصاؤهم، سواء كان ذلك في مرحلة الانتقال أو في الانتخابات التي تليها. كما أن الخارج يهدف أيضاً من وراء هذا التأخير إلى ترتيب نفوذ القوى الإقليمية المنخرطة في دعم أطراف الحرب في سودان ما بعد المعركة، خصوصاً وأن جميع هذه الأطراف الإقليمية الداعمة تحظى بعلاقات جيدة ومصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة مع القوى الدولية.

إن آليات هذه العرقلة الخارجية تبدو واضحة في عدة مسارات نذكر منها:
إضعاف الإرادة الداخلية:
عبر تقديم العروض التطمينية والوعود الدبلوماسية.
التحكم في الإمداد:
من خلال تأخير صفقات تسليح معسكر الجيش، وفي المقابل تقوية المليشيا بأسلحة نوعية كأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة الحديثة، والتي ترفع من الكلفة العسكرية والبشرية لأي تقدم ميداني قد تحرزه القوات المسلحة.
الابتزاز السياسي:
التلويح بفرض النموذج الليبي في السودان، عبر اعتراف الخارج ضمنياً بحكومة المليشيا، مما يقود إلى انفصال إداري واقعي وقيام شبه دولة في دارفور وأجزاء من كردفان.

لكل هذه الأسباب نشاهد حالياً حالة من الجمود للقوات المسلحة والقوات المشتركة والمتحالفة معها في محاور كردفان ودارفور، حيث أضحت هذه القوات تكتفي بالدفاع عن مدينة الأبيض، بدلاً مما كان مؤملاً منها وهو الانطلاق بقوة لتحرير متبقي كردفان وكامل إقليم دارفور.

إلا أن هذه المخططات الدولية تصطدم بوعي وتطلعات الشعب السوداني، الذي دفع فاتورة ليست بالهينة من دماء أبنائه وممتلكاته، لهذا فإنه لن يقبل بأي حال من الأحوال بعودة المليشيا المتمردة أو أذرعها السياسية إلى السلطة مجدداً بعد كل هذه التضحيات الباهظة. كما أن الناس ستعترض على محاولات الخارج التدخل في رسم المشهد الداخلي، أو مساعيه لعزل فصيل سياسي كان له القدح المعلى في مشاركة القوات المسلحة الدفاع عن الأرض، وتحرير المناطق التي كانت تسيطر عليها المليشيا في أواسط البلاد.
كما يتوقع من الإسلاميين بتنظيماتهم المتعددة مقاومة أي محاولة عزل سياسي لهم على الأقل في مرحلة الانتخابات المنتظرة، وهو ما من شأنه أن يزيد المشهد تعقيدأ.

على القيادة العسكرية والسياسية أن تتعلم من دروس التاريخ القريب والبعيد، فلن يتحقق نصر فعلي إلا بإرادة الداخل الوطنية، هذه الإرادة التي تجد منها القيادة حالياً تأييداً شعبياً جارفاً للمضي قدماً في مواصلة معركة الكرامة وتحرير كامل تراب الوطن. فعلي القيادة استغلال هذا التأييد عبر استنهاض مقاومة شعبية فاعلة وحقيقية تساهم في استكمال مسيرة التحرير. كما عليها ألا تثق مطلقاً في وعود الخارج،.. فمن جرب المجرب حاقت به الندامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى