رأي

مَتَى نُعْمِلُ مَبْدَأَ الحِيْطَةِ وَالحَذَرِ؟

عادل الرفاعي أبو الحسن

من المبادئ التي تعكس عمق التفكير الرشيد في الإدارة والاقتصاد والحياة مبدأ الحيطة والحذر (Prudence Concept). وهو في معناه العام يعني التعقل، والرشد، والتبصر، والتعامل بحصافة مع الأمور، وعدم الاندفاع في اتخاذ القرارات دون تقدير الاحتمالات والمخاطر.

فالحيطة والحذر لا يعنيان التشاؤم أو الخوف من المستقبل، وإنما يعنيان الاستعداد الواعي لما قد يحدث، واتخاذ الإجراءات التي تقلل الخسائر وتحافظ على الموارد.

وقد عُرف هذا المبدأ بصورة واضحة في علم المحاسبة، حيث يُعد من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المعالجة المالية السليمة. وخلاصته أن المؤسسة لا تبني قراراتها على أرباح متوقعة قبل تحققها، لكنها في المقابل تستعد لأي خسائر محتملة متى ظهرت مؤشرات معقولة على إمكانية وقوعها.

فإذا تعثر أحد العملاء، أو ظهرت مؤشرات على وجود مشاكل مالية لديه، أو نشأ نزاع قد يؤثر على تحصيل الحقوق، فإن المؤسسة الرشيدة لا تنتظر وقوع الخسارة فعلياً، وإنما تقوم بتكوين مخصصات للديون المشكوك في تحصيلها حتى تكون مستعدة لمواجهة الاحتمال.

وكذلك الحال بالنسبة للأصول والمعدات والآليات؛ فالاستخدام المستمر يؤدي إلى انخفاض قيمتها وحاجتها مستقبلاً إلى الصيانة أو الاستبدال، ولذلك يتم احتساب الإهلاكات لتكوين رؤية مالية واقعية والاستعداد للأعباء القادمة.

إذن جوهر مبدأ الحيطة والحذر في المحاسبة هو: الاستعداد المبكر للخسائر المحتملة، وبناء الاحتياطات والمخصصات اللازمة قبل وقوعها.

وهذا المبدأ لا ينبغي أن يبقى محصوراً في الدفاتر المحاسبية، بل يجب أن يكون منهجاً في الحياة كلها؛ في الأسرة، والمؤسسات، والقطاع الخاص، والقطاع العام، وفي إدارة الدولة.

فالإنسان الطبيعي يستعد لما يتوقعه، والمجتمع الرشيد يضع خططه قبل وقوع الأحداث، والدولة الناجحة لا تنتظر الأزمات حتى تبدأ في البحث عن الحلول.

لكن من الملاحظ أن ثقافة الاستعداد لا تزال ضعيفة في كثير من ممارساتنا اليومية. فكثيراً ما نتعامل مع الأحداث المتكررة وكأنها مفاجآت.

يأتي رمضان في موعده المعروف كل عام، ومع ذلك نقول: “رمضان فاجأنا”. ويأتي العيد في موعده المعلوم، فنقول: “العيد فاجأنا”. ويأتي موسم الخريف كل عام، ثم يبدأ الحديث عن الاستعداد بعد هطول الأمطار. وتفتح المدارس في مواعيد محددة، ثم يبدأ التفكير في تجهيزاتها بعد بداية العام الدراسي.

المشكلة ليست في هذه الأحداث، فهي معروفة ومتكررة، وإنما المشكلة في غياب ثقافة التخطيط والاستعداد.

فالأزمات لا تكون خطورتها دائماً في وقوعها، وإنما في أن نجد أنفسنا غير مستعدين لها. فالحدث الذي يمكن احتواؤه بالاستعداد المسبق قد يتحول إلى أزمة كبيرة بسبب الإهمال أو التأخير.

وهنا تظهر أهمية هذا المبدأ في إدارة الدولة. فالدولة الاستراتيجية لا تُدار بالأمنيات، ولا بردود الأفعال، وإنما بالاستشراف والتخطيط وإدارة المخاطر. فهي تراقب المؤشرات، وتضع السيناريوهات، وتبني الاحتياطات، حتى لا تتحول الاحتمالات إلى كوارث.

ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالاً مهماً: هل كان جزء من أزماتنا الوطنية نتيجة لضعف العمل بمبدأ الحيطة والحذر؟ وهل تم التعامل مع بعض المؤشرات باعتبارها أموراً بعيدة أو غير محتملة، حتى أصبحت واقعاً دفع الوطن ثمنه؟

إن الهدف ليس البحث عن مسؤولية فرد أو جهة بعينها، وإنما استخلاص الدرس. فالدول التي تتعلم من أزماتها لا تكتفي بمعالجة آثارها، بل تبني مؤسسات تمنع تكرارها.

إن مبدأ الحيطة والحذر يجب أن يتحول إلى ثقافة وطنية؛ يبدأ من طريقة تفكير الفرد، ويمتد إلى المؤسسات، ويصبح جزءاً من منهج إدارة الدولة.

فالدولة القوية ليست التي تنجح فقط في التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، وإنما التي تستعد لها قبل وقوعها، وتقلل احتمالاتها، وتحد من آثارها.

إن تكلفة الاستعداد دائماً أقل من تكلفة المعالجة بعد وقوع الكارثة، والوقت الذي يُستثمر في التخطيط يوفر سنوات من الخسائر.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى مبدأ الحيطة والحذر؟
بل: متى نجعل هذا المبدأ جزءاً من ثقافتنا، ومن مؤسساتنا، ومن طريقة تفكيرنا في بناء المستقبل؟

فالحيطة والحذر ليست خوفاً من المستقبل، وإنما احتراماً له واستعداداً لتحمل مسؤولية بنائه.

وهذه إحدى الركائز الأساسية للدولة الاستراتيجية: أن ترى المخاطر قبل وقوعها، وتستعد لها قبل أن تتحول إلى أزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى