الذاكرة السودانية: حوار جعفر نميري وبابكر النور .. وثيقة مهملة في انقلاب 19 يوليو

محمد الشيخ حسين
نعيد نشر هذا الحوار بعد 55 عاماً من وقوعه ليسد ثغرات كثيرة ويردم فجوات كبيرة في المكتبة التاريخية السودانية.
ويكشف هذا الحوار بين جعفر نميري رئيس مجلس ثورة 25 مايو 1969 مع بابكر النور رئيس مجلس حركة 19 يوليو 1971 عن خفايا ظلت لعقود موضع تكتم وتضليل.
وتضع هذه الوثيقة المهملة القارئ والباحث أمام مادة خام تتيح إعادة قراءة تلك الأيام الثلاثة (19-22 يوليو) بعيداً عن الخطاب الرسمي أو الأيديولوجي الضيق.
نُشر الحوار في صحيفة أخبار اليوم المصرية بتاريخ 24 يوليو 1971. وشارك فيه اللواء خالد حسن عباس..
وهذه تفاصيل الحوار المطول الذي دار داخل معسكر الشجرة بين الرئيس السوداني جعفر نميري والمقدم بابكر النور، رئيس مجلس الثورة الذي شكله انقلاب 19 يوليو، وذلك قبل إحالته إلى المحكمة العسكرية.
نميري: إزيك يا ريس؟
بابكر النور: صمت.
نميري: هل قصرنا في معاملتك يا بابكر معاملة كريمة بعد أن قررنا إخراجك من مجلس الثورة للأسباب التي تعرفها، والتي ظهر الآن أننا كنا محقين فيها كل الحق؟
نميري (متابعاً): هل أسأنا لك؟ هل عاملتك أنا كدكتاتور؟ وهل عاملك أي عضو من أعضاء مجلس الثورة كدكتاتور؟ هل نحن طغمة باغية فاسدة كما قلت في تصريحاتك في لندن؟
بابكر النور: لا أنكر المعاملة الكريمة. والله يا ريس كنت في لندن لا أعلم أي شيء. التف حولي أكثر من ألف صحفي وسألوني فأجبتهم.
نميري: سألوك بأي صفة؟ بصفتك رئيس مجلس الثورة الجديد؟
بابكر النور: نعم.
نميري: وهل نصبوك رئيساً عن هذه المؤامرة التخريبية؟ ألم تقل في تصريحاتك التي نقلتها كل وكالات الأنباء ونشرتها صحف العالم إنك كنت تدبر معهم منذ فبراير الماضي؟
بابكر النور: حصل تحريفات في تصريحاتي يا سيادة الرئيس. لم أقل هذا.

نميري: كنت أرجو أن تكون رجلاً يا بابكر، وتتمسك بموقفك وتواجهني بآرائك. هذا هو السلوك الذي يجب أن يكون عليه من أهل نفسه لقيادة هذا البلد الذي خربتموه بهذا العمل الإجرامي ومذابح الدماء.
نميري (متابعاً): من أجل أي هدف؟ من أجل الحكم… شهوة السلطة.
اللواء خالد حسن عباس: عرفت الضباط اللي قتلوا في المجزرة مين؟ هل هذا سلوك ثوري أو إنساني أو بشري أن يُضرب بالرصاص أعز أبناء هذا البلد وفخر قواته المسلحة وهم عزل من أي سلاح، وهم معتقلون في حجرة؟
بابكر النور: الرئيس قال لي بالأمس عند وصولي: كلهم رجال عظام… وأنا والله لا أعلم أي شيء عما حدث.
نميري: تكلم كرجل يا بابكر. ينصبونك رئيساً لمجلس ثورتكم المزعومة، وتتحدث إلى ألف صحفي كما تقول عن برامجك الجديدة في الحكم، وعن فسادنا، وعن دكتاتورية رجال الحكم الذين وصفتهم بالطغمة الباغية، وأنت لا تعلم أي شيء! ألا يعني حديثك أنك قبلت رئاسة مجلس الثورة؟ ألم تتحدث إليهم بهذه الصفة؟
بابكر النور: نعم.
نميري: نحن الفاسدون الطغاة البغاة أعطيناك منزلاً من أموال هذا الشعب، ونصرف لك راتب عضو مجلس ثورة من أموال هذا الشعب، ولما طلبت السفر للعلاج في القاهرة صرفنا لك كل ما طلبت وأكثر لتعالج… من العملات الصعبة… من أموال الشعب. لم نمسك في حريتك. هذا كله فيه إجحاف وظلم.
نميري: لماذا سافرت إلى لندن؟
بابكر النور: لاستكمال العلاج.
نميري: لا تكذب. لقد تكشفت الحقائق… حقائق الخيانة. مستشفيات مصر لم تحولك إلى لندن. أنت سافرت لهدف حقير أظهرته الوثائق التي ضبطناها، وفاروق حمد الله زميلك في المؤامرة سبقك إلى هناك منذ ثلاثة أشهر.
بابكر النور: نعم… كان هناك.
نميري: لقد وجدنا وثيقة من نائبك المحترم هاشم العطا يعرض فيها أن يعطي الإنجليز منطقة نزول على أرض السودان بحجة أنه سيكون تدخل مصري في السودان. هل فعل ذلك بدون تدبيرك أنت أيضاً؟ وأنت في لندن، هل كنت تلعب هناك أم تعالج أم تدبر نزول قوات إنجليزية على أرض بلدك؟
بابكر النور: لا أتصور يا سيادة الرئيس أن هذا حصل.
نميري: ولماذا طلبوا منك إذن أن تكون في العاصمة البريطانية وقت تنفيذ المؤامرة؟ ولم يحولك أي طبيب للعلاج هناك. لماذا سافرت إلى لندن؟ تكلم بقوة ورجولة.
اللواء خالد حسن عباس: وهل تتنصل يا بابكر من حركة 1969؟ ألم تكن على علم بها؟ ألم تشترك فيها؟
بابكر النور: اشتركت فيها، وكنت على علم بجزء منها.
اللواء خالد حسن عباس: أما حركة التخريب هذه فلا تعلم عنها شيئاً وأنت رئيس مجلسها؟ هل هذا كلام يصدقه أطفال؟ هل يمكن أن نصدقك وأنت تقول إنك بعيد كل البعد ولا تعرف أي شيء؟ الرئيس الجديد لا يعرف؟
نميري: لقد عُيّنت يا بابكر رئيساً لمجلس الثورة المزعومة بأمر من عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي الذي اندثر الآن في السودان. عبد الخالق الذي كنت تبلغه بكل أسرار مجلس الثورة وأنت عضو فيه، لأنك نديمه وصفيه وتابعه.
نميري (متابعاً): هذا هو دكتاتورك الذي دنت له بالطاعة والولاء، وبعد ذلك تصفنا بأننا حكومة دكتاتورية إرهابية. في ثلاثة أيام أقمتم المجازر وسفكتم دماء الأبطال الرجال الشرفاء العزل من السلاح. مذبحة جماعية بربرية. هل هذه هي الديمقراطية التي تحدثت عنها في مؤتمرك الصحفي؟
نميري (متابعاً): أنا الدكتاتور؟ أنا أم أنت؟ هل تعلم يا بابكر أنني رفعت في يوم ما سلاحاً ضد أعزل حتى في الجزيرة أبا؟ أنا لم أرفع السلاح إلا بعد أن حاولوا قتلي. هل تنكر هذا؟
بابكر النور: لا أنكر.

نميري: هل رأى السودان في تاريخه ديمقراطية حقيقية مثل التي نمارسها؟ هل تنكر أنني وزملائي مع رجل الشارع في مشاكله كل يوم؟ هل تعالينا على أحد؟ هل انعزلنا عن أبناء الشعب يوماً واحداً؟
اللواء خالد حسن عباس: وأنت يا بابكر، هل تنكر أسلوبنا الديمقراطي داخل مجلس الثورة وقد كنت عضواً فيه؟
بابكر النور: صمت.
نميري: هل تنكر يا بابكر أن أي عضو في مجلس الثورة يعيش مع الناس؟ هل تنكر؟ إنني أنزل الشارع في الظهر، وفي الليل، وفي الفجر، وألتقي بالجزارين وبائعي الخضار وكل أبناء شعبنا الفقير، ونناقشهم في مشاكلهم ونصل معهم إلى الحلول. هل هذه هي الدكتاتورية، والمذابح الجماعية هي الديمقراطية؟
بابكر النور: صمت.
نميري: أنا قاعد هنا أتكلم معكم أنتم الخونة، وأسألكم لأتأكد بنفسي من العدالة قبل محاكمتكم أمام المجالس العسكرية. قاعد هنا لأراقب عمل المجالس العسكرية حمايةً للعدالة
نميري (متابعاً): أيام بلا نوم ولا طعام… أليس من حقي أن أستريح بعد كل ما فعلتم؟ وهناك تحقيق وقضاة، ومع ذلك أريد أن أريح ضميري بنفسي حتى لا نظلم.
ثم بدأ نميري يقرأ تصريحات بابكر النور التي أدلى بها في لندن، والتي قال فيها إن حكومة نميري تعمل بالدكتاتورية والإرهاب، وفرضت كل أنواع الضرائب، ووضعت خطة تنمية فاشلة، وإن الانقلاب لم يثر دهشته لأنه جاء طبيعياً.
بابكر النور: سيادة الرئيس، أنا أدليت بهذه التصريحات من واقع البيانات التي أصدرها مجلس الثورة.
نميري: الذي أنت رئيسه.
بابكر النور: اختاروني وأنا لا أعلم.
نميري: ونسيت دكتاتورية رئيسك وموجهك عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الذي تنتمي إليه؟
بابكر النور: أنا ضد الدكتاتورية في أي صورة، حتى لو كانت في الحزب الشيوعي، وأنا لم أكن أعلم أي شيء عن حقيقة ما جرى هنا.
اللواء خالد حسن عباس وهو يقدم صحيفة إلى بابكر النور:
“انظر إلى صور المذبحة… انظر إلى جثث هؤلاء الشهداء غارقين في دمائهم. هل حدث هذا في السودان أبداً؟ هل يقبل ضميرك أن تصل إلى السلطة في بحور الدم؟ ولأي هدف؟”
نميري: إذا كنت لا تعلم، فكيف قبلت رئاسة مجلس الثورة؟ وكيف تحدثت إلى ألف صحفي بهذه الصفة؟ كنت متصوراً أن كل شيء انتهى وأن المؤامرة نجحت. هل أنت تصلح أن تكون مسؤولاً عن عشرين مليوناً من أبناء هذا الشعب؟
بابكر النور: والله يا سيادة الرئيس، أنا تكلمت حسب البيانات التي صدرت، والبيانات كانت متضاربة.
نميري: أنت المتضارب.
بابكر النور: أنا ما قابلت أحداً.
نميري: وما هي الميزات التي فيك وتصورت أنهم اختاروك من أجلها رئيساً لهم بدون أي اتفاق معهم؟ عيونك؟ عشان عيونك؟ ورضيت وركبت الطائرة وجاي تحكم هذا البلد ببحور الدم.
بابكر النور: أنا تصورت أنهم اختاروني لأني عضو في الضباط الأحرار وأقدم الناس اللي فيهم.
نميري: أقدمية عسكرية أم سياسية؟ وهل أتممت علاجك في إنجلترا؟
بابكر النور: لا… وكنت ناوي أرجع مصر.
نميري: ثم غيرت أفكارك.
بابكر النور: والله أنا كنت جاي أنقذكم وأنقذ البلد.
نميري: كيف تنقذنا وإحنا طبقة دكتاتورية؟ وكيف أعطيت نفسك السلطة؟ تنقذنا من دكتاتوريتنا التي تحدثت عنها للعالم؟
بابكر النور: أنا كنت جاي لأحافظ على سلطتكم.
نميري: هذا كلام صغير. أنت جاي جمل طين أو ملك شطرنج. أنت أداة صغيرة. مؤامرتكم الخائنة أردتم بها أن تمزقوا البلد. عملية تافهة وحقيرة رجعت بالبلد عدة سنين إلى الوراء. لكن هذا الشعب أصيل وشجاع يا بابكر.
نميري: هل تنكر أنه حدث اتصال بينكم وبين دول أجنبية؟
بابكر النور: لا أعرف.
نميري: أنت تعرف أنك خططت معهم هنا، واستمر التخطيط في لندن. هذا ثابت. حدث اتصال ببعث العراق. كانت هناك ثلاث طائرات عراقية ستصل يوم 23 يوليو ويوم 25 يوليو، غير الطائرة التي احترقت. هل كانت هذه الطائرات ستنقل جنوداً من بعث العراق؟
نميري (متابعاً): اعترف بالحقيقة يا بابكر. كنتم تطلبون الدعم من بعث العراق. هل تعلم أن البعث التابع للعراق في السودان لا يزيدون على ستة أفراد قبضنا عليهم؟
بابكر النور: لا أعلم.
نميري: طيب يا ريس… يا مفكر… يا عقائدي… لماذا أيدت صحف إنجلترا وأمريكا الانقلاب؟ فسر لي هذا الموقف. انقلاب يقوم به شيوعيون وتؤيده أمريكا!
بابكر النور: إحنا ما قلنا إننا شيوعيون.
نميري: هم قالوا. ومع ذلك أيدوا الانقلاب في صحفهم. واحتجت إنجلترا على هبوط طائرتك في ليبيا، والنيويورك تايمز نشرت مديحاً في الانقلاب.
بابكر النور: لا أعرف.
نميري: يا بابكر، أنت مسكت كم شهر وزير التخطيط ورئيس القطاع الاقتصادي؟
بابكر النور: ثلاثة شهور.
نميري: كانت أهم ثلاثة شهور. ما هو أهم شيء حصل فيها؟
بابكر النور: الخطة الخمسية.
نميري: من وضعها؟
بابكر النور: كانت موضوعة من قبل، وأنا جيت أصلحها، وعرضتها على مجلس الوزراء ووافق عليها.
نميري: وكان وكيلك في الوزارة من الحزب الشيوعي، ونائب وكيل وزير التخطيط من الحزب الشيوعي، وعدد من رؤساء الأقسام من الحزب الشيوعي.
بابكر النور: دول عُينوا قبل تعييني وزيراً.
نميري: أنت الذي وضعت الخطة الخمسية، ثم تأتي في مؤتمرك الصحفي في لندن، الذي عقدته بصفتك رئيساً، وتقول إن الخطة الخمسية كانت ملفقة وسيئة، وأنتم الليلة وضعتموها!
بابكر النور: لقد نُسب لي في المؤتمر الصحفي أشياء لم أقلها.
نميري: خطتكم ما كان فيها أي مشروع. غشيتوا الناس، وغشيتوني، وخليتوني أعلن للشعب عن مشروعات وهمية للإيقاع بيني وبين الجماهير المؤمنة بالثورة. السودان كان في تدهور بسببكم.
نميري (متابعاً): وضعتم مشاريع على الورق لم تدرسوها، والدليل على ذلك أنني عندما سافرت إلى الدول الخارجية لم أجد أي مشروع مدروس، ورجعت وكشفت الحقائق.
نميري (متابعاً): في خمسة شهور، بعد إخراجكم من مجلس الثورة، استطعنا أن نصحح الأوضاع. مشروعات جدية… تعمير تسعين ألف فدان في خمسة شهور… إنشاء محطة كهرباء تعادل محطة سنار ثلاث مرات… أظن مجهوداً ليس سيئاً.
نميري (متابعاً): حفر آبار بقدر ما حُفر في السبعين سنة الماضية، ومستشفيات وشفخانات ومدارس بقدر ما أُنشئ في السبعين سنة الماضية. كل سوداني يفخر بهذا الذي عمل.
أحد الضباط الجالسين: أديهو دروس يا سيادة الرئيس.
نميري: أنت تعلم ماذا سيكون مصيرك لو تركتك للجنود والضباط في هذا المعسكر. لعلك لمست ذلك بنفسك منذ أمس. أنت وزملاؤك تعرفون كل الحقائق السليمة الناصعة. ولكن هدفكم فقط هو السلطة.
نميري (متابعاً): إحنا ما جايين نحكم يا بابكر… إحنا جينا نخدم. ما عملنا بيوت ولا قصور ولا صالونات.
نميري: أنا هنا بشرب ماء ساخناً. ما اهتمينا حتى أن نحضر ثلجاً. أنا قاعد في الكرسي ده من الواحدة صباحاً حتى الآن… فنجان قهوة ما شربناه. أنا أتحدى أي واحد في حزبك، بما فيهم أنت يا بابكر، أن يكون عايشاً في المستوى الذي أعيش فيه.
نميري (متابعاً): نحن سنشكل لجنة تدخل بيتك وبيوت أعضاء حزبك، وتدخل بيتي. أنا وزملائي لسه عايشين بالعيش السفري. خالد كل يوم يقول لي: “إيه عيشك السفري ده… ما هتغيره؟” ما غيرته يا بابكر من يوم ما كنت رائداً… العنقريب هو هو.
ضابط برتبة ملازم: هذه الدبورة على كتفي تجعلني أغنى رجل بشرف احترامها.
نميري: أنا سأجمع لك قوة هذا المعسكر… وكلهم جنود فقراء من الأقاليم، أولاد رعاة ومزارعين. أريدك يا بابكر أن تقنعهم بمبادئك… سأقدمك لهم. هذا هو رئيس مجلس الثورة.
بابكر النور: أنا مؤمن بمبادئ 25 مايو.
نميري: إحنا انحرفنا عنها في رأيك… إنما تقتلوا ضباط القوات المسلحة في مذبحة وهم معتقلون عزل من السلاح؟ هذا ليس انحرافاً. هذه كانت أوامر رئيسك عبد الخالق محجوب، نفذتموها كالعبيد. اقتل… اقتل… حتى تنتصروا. وأنت تريد أن تكون رئيساً.
نميري (متابعاً): الرئيس يتحمل مسؤولية كل فرد في بلده. الدولة تتصرف كأم. البطل يفدي بلده. أنا كنت سأكون سعيداً لو مات الضابط المحارب مستشهداً وهو يحارب ضد العدو. تضربوهم يا بابكر في معتقل مغلق؟ تضربوهم والشبابيك والأبواب مغلقة عليهم؟
بابكر النور: أنا أدين قتل الأبرياء.
نميري: تدين الآن؟ أنت عارفهم بالاسم… اديناك ورقة بأسمائهم.
بابكر النور: كلهم ناس عظيمين.
نميري: مزقتم قلوبنا… أكبادنا اتهرت. لقد قلت لك أمس أن تشهد مشهد التشييع لتسمع بأذنك من النساء والأطفال والشيوخ، ما بيقولوا نميري وخالد. كانوا يصرخون: “بلدنا… أولادنا…” لأننا فطرناهم على حب هذا البلد. ما عاوزينهم يعبدونا كأفراد… إحنا زائلين… عايزينهم يعبدوا هذا البلد.
كان نميري يتحدث في همٍّ مرير، ثم أنهى حديثه بنظرة أكثر مرارة إلى بابكر النور الواقف أمامه، قبل أن يصمت للحظات.
ثم التفت إلى اللواء خالد حسن عباس وسأله:
نميري: عايز منه حاجة يا خالد؟
اللواء خالد حسن عباس: لا.
نميري: خلاص… يخرج… يذهب إلى المحاكمة أمام المجلس العسكري.
غادر بابكر النور غادر رافعاً يديه، بينما أحاطت به الحراسة واقتادته إلى قاعة المجلس العسكري في أقصى معسكر الشجرة وفي الطريق كان الجنود والضباط الذين اصطفوا على جانبي الطريق يهتفون مطالبين بإعدامه، بينما كان يسير نحو محاكمته العسكرية.
***
الشكر والتقدير كلمتان لا تسعان ما أنوي أن أقوله للاستاذين الجليلين الصحافي المخضرم شريف القنديل والصحافي المقتدر حازم عبده على جهدهما المقدر في تمكيني من الاطلاع على أصل هذه المادة في أرشيف أخبار اليوم المصرية.



