رأي

حين أخطأ العالم في تعريف الأزمة: لماذا أخفقت المبادرات الدولية في السودان؟

مهند عوض محمود

هناك حقيقة قد تبدو صادمة، لكنها تفسر إلى حد بعيد تعثر جميع المبادرات الدولية التي طُرحت لمعالجة الأزمة السودانية:

لم تخفق المبادرات الدولية لأنها كانت ضعيفة، ولا لأنها افتقرت إلى الإرادة السياسية، ولا لأن السودانيين يرفضون السلام، بل لأنها انطلقت من تعريف غير مكتمل للأزمة نفسها.

فالسياسات لا تُبنى على الوقائع وحدها، بل على الطريقة التي تُفهم بها تلك الوقائع. وإذا كان تعريف الأزمة خاطئاً، فإن أكثر المبادرات حسناً في النية وكفاءةً في التنفيذ ستقود، في نهاية المطاف، إلى نتائج محدودة.

لقد انشغلت معظم المبادرات بالسؤال: من يحكم السودان؟

بينما كان السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل شيء هو: كيف يمكن إعادة بناء الدولة السودانية؟

وبين السؤالين ضاعت سنوات من التفاوض، وعشرات المؤتمرات، ومئات الصفحات من الاتفاقات، وانتهى الأمر إلى حرب هي الأكبر في تاريخ السودان الحديث.

إن الفرق بين السؤالين ليس فرقاً في الصياغة، بل في الفلسفة التي بُنيت عليها المبادرات كلها. فحين تُعرَّف الأزمة باعتبارها أزمة انتقال سياسي، يصبح تشكيل حكومة انتقالية، وتقاسم السلطة، وصياغة الاتفاقات هو الطريق الطبيعي للحل. أما حين تُفهم باعتبارها أزمة دولة، فإن الأولوية تصبح إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوحيد أدوات القوة، ثم تأتي المنافسة السياسية في إطار دولة مستقرة قادرة على حماية الدستور، أياً كان من يحكم.

وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الأكبر..

فقد افترضت معظم المبادرات أن السودان يعيش أزمة سلطة، بينما كان يعيش أزمة دولة.. والفرق بينهما جوهري.

فأزمة السلطة تدور حول من يتولى الحكم، أما أزمة الدولة فتتعلق بقدرة مؤسساتها على البقاء، واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، واستمرارها في أداء وظائفها بغض النظر عن تبدل الحكومات أو التحالفات السياسية.. وعندما تُعالج أزمة دولة بأدوات صُممت أصلاً لمعالجة أزمة سلطة، تصبح الحلول، مهما بدت متماسكة، عاجزة عن الوصول إلى جذور المشكلة.

ولعل هذا ما يمكن تسميته بـ “وهم الانتقال قبل بناء الدولة”.. فقد انطلقت معظم المبادرات من افتراض أن إنشاء سلطة انتقالية سيقود تلقائياً إلى استقرار الدولة، بينما أثبتت التجربة السودانية أن الدولة المستقرة هي التي تتيح انتقالاً سياسياً ناجحاً، وليس العكس.

لقد حاولت المبادرات بناء السقف قبل أن تكتمل الأساسات.. ولهذا جاءت الآلية الثلاثية، ثم الرباعية، وهي تنظر إلى السودان باعتباره يواجه أزمة تعثر في الانتقال الديمقراطي. ولذلك انصب الجهد على استئناف العملية السياسية، وتشكيل حكومة انتقالية، واستكمال هياكل الحكم المدني، باعتبار أن الاتفاق على السلطة سيكون المدخل الطبيعي لمعالجة بقية الملفات.

غير أن الواقع أثبت أن جذور الأزمة كانت أعمق بكثير.. فالسودان لم يكن يواجه خلافاً سياسياً حول تشكيل الحكومة، وإنما كان يواجه أسئلة وجودية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبالعلاقة بين المؤسسة العسكرية والتشكيلات المسلحة، وباحتكار استخدام القوة، وبكيفية بناء مؤسسات قادرة على حماية النظام الدستوري ومنع انهياره عند أول أزمة سياسية.

وعندما وصلت العملية السياسية إلى هذه الملفات، انهارت، لأن ما اعتُبر ملفات مؤجلة كان، في الحقيقة، هو جوهر الأزمة.. ثم اندلعت الحرب، وانتقل الاهتمام إلى منبر جدة.. غير أن المنهج لم يتغير، وإنما تغير موضوع التفاوض.

فبعد أن كان التركيز منصباً على تقاسم السلطة، أصبح منصباً على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية.. ولا شك أن هذه أهداف إنسانية بالغة الأهمية، لكنها كانت تعالج نتائج الحرب أكثر مما تعالج أسبابها.

لقد صُمم منبر جدة لإدارة الحرب، لا لإنهائها.. وكان يقيس النجاح بقدر ما يحققه من هدن وتسهيلات إنسانية، بينما بقيت الأسئلة التي صنعت الحرب نفسها بلا إجابة: كيف ستُستعاد الدولة؟ كيف سيُعاد تنظيم القطاع الأمني؟ كيف سيُحتكر استخدام القوة؟ وكيف سيُبنى نظام سياسي يمنع عودة الصراع بعد توقف القتال؟ ولهذا تعثرت الهدن، وتجددت المعارك، لأن العلاج كان يخفف الأعراض، بينما بقي المرض قائماً.

واليوم، تأتي الخماسية وهي تحمل طموحاً لإحياء العملية السياسية، لكنها تواجه التحدي ذاته.. فإذا استمرت في النظر إلى السودان باعتباره مجموعة ملفات مستقلة؛ ملفاً سياسياً، وآخر أمنياً، وثالثاً إنسانياً، ورابعاً اقتصادياً، فإنها تخاطر بإعادة إنتاج المنهج نفسه الذي تعثرت فيه المبادرات السابقة.

وهنا تبرز ملاحظة تستحق التأمل.. فليس من قبيل المصادفة أن تتعامل المبادرات الدولية مع الأزمات بهذه الطريقة. فمعظم مؤسسات الوساطة الدولية تميل، بحكم طبيعة عملها، إلى تفكيك الأزمات المركبة إلى ملفات منفصلة يسهل إدارتها؛ ملف سياسي، وآخر أمني، وثالث إنساني، ورابع اقتصادي. وقد يحقق هذا الأسلوب قدراً من الكفاءة الإدارية في إدارة الأزمات، لكنه يصبح قاصراً عندما تكون الأزمة نفسها أزمة دولة، لأن عناصرها لا تعمل بصورة مستقلة، بل يتوقف كل منها على الآخر. وعندما يُفصل الأمن عن السياسة، أو تُعزل عملية بناء الدولة عن عملية الانتقال السياسي، تتحول الحلول الجزئية إلى جزء من المشكلة، مهما حسنت النوايا.

وبرزت إلى جانب ذلك إشكالية أخرى، تمثلت في ضيق قاعدة التشاور في بعض مراحل العملية السياسية.. فقد اعتمدت بعض المبادرات على دائرة محدودة من الفاعلين السياسيين، بينما بقيت قوى سياسية ومجتمعية ومهنية وأهلية مؤثرة خارج نطاق المشاورات.

ولا تتعلق المشكلة بحق هذه المجموعة أو تلك في المشاركة، فذلك حق أصيل لجميع السودانيين، وإنما تتعلق بمدى قدرة أي عملية سياسية على عكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني، وتحويل أي اتفاق من وثيقة تفاوضية إلى عقد وطني قابل للحياة.. فالسلام لا يُقاس بعدد الموقعين على الاتفاق، وإنما بقدرة المجتمع على حمله، والدفاع عنه، وتحويله إلى مؤسسات وسياسات مستقرة.

لقد تعامل المجتمع الدولي، في كثير من الأحيان، مع السودان بمنهج إدارة الأزمة، بينما كان السودان بحاجة إلى إعادة بناء الدولة.. وهنا يكمن الفارق الجوهري.. فإدارة الأزمة تهدف إلى احتواء التوتر، وتقليل الخسائر، ومنع الانهيار الفوري.. أما إعادة بناء الدولة فتعني معالجة الأسباب التي تجعل الأزمات تتكرر، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات.

وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاتفاقات السياسية التي تسبق إعادة بناء المؤسسات قد تنجح في وقف القتال مؤقتاً، لكنها كثيراً ما تعجز عن إنتاج استقرار دائم، لأن السلام لا يستقر في فراغ مؤسسي، وإنما تحميه مؤسسات دولة تتمتع بالشرعية والقدرة والكفاءة.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مبادرة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تصحيح نقطة البداية.. فالقضية ليست من يحكم السودان غداً، وإنما كيف تُبنى دولة تستطيع أن تستمر بعد غد، أياً كان من يحكمها.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن بناء السلام لا يبدأ من كتابة الاتفاقات، بل من إعادة بناء الدولة التي ستحمي تلك الاتفاقات. فالحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والوسطاء يتعاقبون، أما الدولة فهي الإطار الذي يمنح كل ذلك معنى واستمراراً.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه السودان اليوم للمجتمع الدولي هو أن الأزمة لم تكن أزمة انتقال سياسي تعثر، ولا مجرد حرب اندلعت، بل أزمة دولة تأخر الجميع في إدراك طبيعتها. وعندما يخطئ العالم في تعريف الأزمة، يصبح من الطبيعي أن تتعثر المبادرات، لا لأنها تفتقر إلى الإرادة، بل لأنها ظلت تبحث عن الإجابة الصحيحة… لسؤالٍ خاطئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى