رأي

تفكيك السودان: مؤامرة أم هندسة جيوسياسية؟ قراءة منظومية تجاه السودان

 

د. إسماعيل ساتي

عندما نتحدث عن مأساة السودان الحديثة، فإن التفسير الأكثر شيوعاً يركز على الداخل: الانقلابات العسكرية والصراعات السياسية والانقسامات المجتمعية وسوء الإدارة. ولا شك أن السودان يتحمل مسؤولية كبيرة عن كثير من أزماته، وأن النخب السودانية المتعاقبة فشلت في بناء دولة مستقرة تستثمر مواردها وتحول إمكاناتها الهائلة إلى تنمية حقيقية.

لكن التاريخ لا يُقرأ من زاوية واحدة.
فالسؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين، ولا يجد دائماً المساحة الكافية في الإعلام الدولي، هو: هل كانت أزمات السودان نتيجة أخطائه الداخلية فقط؟ أم أن هذه الأخطاء تفاعلت مع بيئة إقليمية ودولية جعلت من السودان دولة محاصرة ومُدانة باستمرار ومحرومة من فرصة استثمار ثرواتها وبناء اقتصاد قوي؟

هذا المقال لا يهدف إلى تبرئة أي حكومة سودانية من مسؤولياتها، ولا إلى إنكار المآسي التي عاشها السودانيون بسبب الصراعات الداخلية. لكنه يحاول إعادة قراءة مسار تاريخي طويل، بدأ عندما ظهرت أمام السودان فرصة اقتصادية غير مسبوقة، ثم تتابعت أحداث انتهت في كل مرة إلى النتيجة نفسها: دولة أضعف واقتصاد أكثر هشاشة وموارد لم يتمكن شعبها من الاستفادة منها بالشكل الذي كان ممكناً.

النفط: عندما تحولت الثروة إلى فرصة ضائعة

في أواخر سبعينات القرن الماضي، اكتشفت شركة شيفرون الأمريكية احتياطيات نفطية واعدة في السودان. وكان ذلك الاكتشاف يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية لبلد يمتلك مساحة جغرافية هائلة، وموارد طبيعية ضخمة، وموقعاً استراتيجياً بين أفريقيا والعالم العربي. لم يكن النفط بالنسبة للسودان مجرد مورد مالي، بل كان فرصة لبناء دولة حديثة: تطوير الزراعة، إنشاء البنية التحتية، تحسين الخدمات، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي. لكن هذه الفرصة لم تكتمل.

ففي نهاية السبعينات تصاعدت التوترات في جنوب السودان حول قضايا سياسية وتنموية، وكان مشروع قناة جونقلي أحد الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً. فقد رأى مؤيدوه أنه مشروع تنموي يمكن أن يزيد الاستفادة من الموارد المائية ويدعم التنمية الزراعية، بينما رأى معارضوه أنه لا يراعي مصالح سكان المنطقة وبيئتها.

وفي مايو 1983 اندلع تمرد جون قرنق، لتبدأ الحرب الأهلية الثانية التي أصبحت واحدة من أطول النزاعات المسلحة في القارة الأفريقية.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية في مناطق الإنتاج النفطي، علقت شركة شيفرون عملياتها ثم انسحبت من السودان. وقدمت الشركة تفسيراً يرتبط بالظروف الأمنية، وهو تفسير مفهوم من الناحية التجارية. لكن بالنسبة لكثير من السودانيين، لم يكن الأمر مجرد قرار اقتصادي، بل كان بداية فقدان فرصة تاريخية كان يمكن أن تغير مسار البلاد. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لم تحظَ حماية الاستثمار النفطي السوداني بالاهتمام الدولي نفسه الذي حظيت به حماية المصالح النفطية في مناطق أخرى من العالم؟ وهل كان انسحاب شيفرون مجرد نتيجة للظروف الأمنية، أم أن تزامنه مع الصراع حول الجنوب والموارد الاستراتيجية يستحق قراءة أوسع؟

ولتكوين صورة أكثر اكتمالاً عن المسار الذي مر به السودان خلال العقود التالية، فمن المهم استعراض سلسلة الأحداث السياسية والاقتصادية التي توالت منذ ذلك الوقت، لا باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها محطات متعاقبة شكّلت مسار الدولة السودانية الحديث. إن قراءة هذا التسلسل لا تعني بالضرورة افتراض وجود رابط مباشر بين كل حدث وآخر، لكنها تساعد على فهم السياق الأوسع الذي وجد السودان نفسه داخله ولا توجد أدلة قاطعة تثبت وجود مخطط مسبق، لكن تجاهل هذه الأسئلة يعني قبول رواية واحدة فقط للتاريخ.

من الاتهامات السياسية إلى عزلة الدولة:

في عام 1989 وصل نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، ودخل السودان منذ ذلك الوقت في مواجهة متزايدة مع القوى الغربية، خاصة بعد اتهامه بإيواء شخصيات وتنظيمات إسلامية متطرفة. وهي نفس الفترة التي انهارت فيها الكتلة السوفييتية والذي أدى لأن يسيطر على العالم قطب واحد.

وفي عام 1993 أدرجت الولايات المتحدة السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب والذي كانت مصوغاته لا ترقى لمستوى الفعل. وحتى مع افتراض وجود دوافع أمنية وسياسية لدى الولايات المتحدة لاتخاذ هذا القرار، يبقى السؤال: هل كانت الاستجابة المناسبة هي عزل دولة كاملة ومعاقبة اقتصادها، أم التعامل مع أفراد أو جهات محددة؟ فالعقوبات الاقتصادية لا تصيب الحكومات فقط، بل تمتد آثارها إلى المواطن العادي، وتحد من قدرة الدولة على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والاستثمار.

وفي عام 1997 فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية شاملة على السودان، لتبدأ مرحلة طويلة من العزلة الاقتصادية والسياسية.

قصف مصنع الشفاء: عندما يصبح الخلاف السياسي مأساة إنسانية

في أغسطس 1998 تعرض مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم لقصف أمريكي بصواريخ كروز. وبررت الولايات المتحدة آنذاك هذه العملية بالقول إن المصنع مرتبط بإنتاج مواد كيميائية تستخدم في تصنيع أسلحة، وإن له صلة بتنظيم القاعدة. غير أن هذه الرواية تعرضت لاحقاً لتشكيك واسع من قبل عدد من الباحثين والصحفيين الذين تساءلوا عن مدى قوة الأدلة التي استند إليها القرار. كما أن القضايا التي رفعها صاحب المصنع أمام القضاء الأمريكي انتهت إلى منحه تعويضاً عن الأضرار المادية التي لحقت به، الأمر الذي يعزز الانتقادات القائلة بأن بعض القرارات الأمريكية الكبرى اتُخذت على عجل، ودون توفر أدلة محددة وكافية تبرر حجم ذلك الإجراء. بالنسبة للسودانيين، لم يكن مصنع الشفاء منشأة عسكرية، بل كان أحد أهم مصانع الأدوية في البلاد، وكان يوفر جزءاً مهماً من احتياجات المواطنين الصحية. ولهذا أصبح القصف في الذاكرة السودانية مثالاً على أن الخلافات السياسية بين الدول الكبرى والحكومات لا تتوقف آثارها عند الحكومات، بل قد يدفع ثمنها المجتمع بأكمله.

دارفور: مأساة إنسانية وأسئلة سياسية

في عام 2003 اندلع التمرد المسلح في دارفور، فتحول الإقليم إلى مركز اهتمام دولي واسع.

لا يمكن إنكار حجم المعاناة الإنسانية التي تعرض لها المدنيون في دارفور، ولا يمكن تبرير أي انتهاكات ارتكبتها أي جهة. فحقوق الإنسان قضية لا ينبغي أن تخضع للانتقائية. لكن كثيراً من السودانيين تساءلوا: لماذا تحولت أزمة دارفور إلى قضية دولية بهذا الحجم، بينما بقيت أزمات أخرى قد تكون أكبر من أزمة دارفور في مناطق أخرى من العالم خارج دائرة الاهتمام نفسها؟ وهل كان التعامل الدولي مع الأزمة يهدف فقط إلى تحقيق العدالة، أم أن القضية أصبحت أيضاً أداة ضغط سياسي على السودان؟

المحكمة الجنائية الدولية: العدالة أم ازدواجية المعايير؟

في عام 2008 طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير على خلفية أحداث دارفور، ثم صدرت المذكرة عام 2009، في سابقة تاريخية باعتبارها أول مرة تصدر فيها المحكمة أمراً بحق رئيس دولة لا يزال في السلطة. ثم أضيفت لاحقاً اتهامات أخرى عام 2010. وبغض النظر عن الموقف من البشير أو من سياسات حكومته، فإن كثيراً من السودانيين رأوا في هذه الخطوة مثالاً على ازدواجية المعايير، متسائلين: لماذا تُطبق العدالة الدولية على بعض الدول والقادة، بينما تفلت قوى أخرى من المساءلة بسبب وزنها السياسي والعسكري؟

جون قرنق والانفصال: هل ضاعت فرصة السودان الجديد؟

كان جون قرنق شخصية محورية مثيرة للجدل في تاريخ السودان الحديث. ورغم قيادته للحركة الشعبية في حرب طويلة ضد الحكومة المركزية، فإنه لم يكن يدعو في معظم مراحل مشروعه السياسي إلى انفصال الجنوب، بل طرح مشروع “السودان الجديد” القائم على إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والمساواة. وفي عام 2005 تم توقيع اتفاقية السلام الشامل التي أنهت الحرب الأهلية ومنحت الجنوب حق تقرير المصير.
لكن بعد أسابيع قليلة من توقيع الاتفاق، توفي جون قرنق في حادث تحطم طائرته أثناء عودته من أوغندا. وأعلنت التحقيقات الرسمية أن السبب كان سوء الأحوال الجوية، لكن توقيت الحادث وشخصية قرنق السياسية جعلا وفاته مثار تساؤلات وشكوك لدى قطاعات واسعة من السودانيين.

وفي عام 2011 انفصل جنوب السودان، وفقد السودان معظم إنتاجه النفطي، إذ كانت غالبية الحقول تقع في الجنوب. وكان ذلك ضربة اقتصادية هائلة لبلد كان يعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط.

الذهب: آخر شريان اقتصادي تحت الضغط

بعد فقدان معظم الثروة النفطية، أصبح الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات في السودان. وتحول قطاع التعدين إلى مورد استراتيجي للاقتصاد السوداني، رغم ما صاحبه من تحديات تتعلق بالتهريب وضعف التنظيم والرقابة.

وفي الآونة الأخيرة، وبعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب في عام 2023، اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات استهدفت جهات وشبكات مرتبطة بتجارة الذهب السوداني، بحجة الحد من تمويل أطراف النزاع ومنع الاستفادة غير المشروعة من الموارد الطبيعية غير أن وجهة النظر السودانية ترى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سلسلة طويلة من الضغوط الاقتصادية التي تعرض لها السودان، والتي انتهت عملياً إلى التضييق على أحد آخر مصادر الدخل الرئيسية للبلاد. كما يرى منتقدو هذه السياسات أن القيود المفروضة على تجارة الذهب، وصعوبة حصول قطاع التعدين على المعدات والمواد اللازمة للإنتاج، لا تؤثر فقط على الجهات المتهمة بتمويل الحرب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني والمجتمعات المحلية التي تعتمد على هذا القطاع.

ومن هذا المنظور، فإن معالجة أزمة السودان لا ينبغي أن تكون عبر إجراءات تزيد من إضعاف الاقتصاد، بل عبر دعم بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الشفافية، ومكافحة التهريب، مع ضمان ألا يتحول المورد الأخير المتبقي للسودان إلى أداة ضغط جديدة على الشعب السوداني.

إن مأساة السودان لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. نعم أخطأت الحكومات السودانية. نعم فشلت النخب السياسية في إدارة التنوع وبناء مؤسسات قوية. نعم دفعت البلاد ثمناً باهظاً لصراعاتها الداخلية. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السودان واجه خلال أربعة عقود سلسلة من الضغوط الدولية والإقليمية التي ساهمت في إضعافه: توقف مشروع النفط، العقوبات، العزلة السياسية، الصراعات التي انتهت بانفصال الجنوب، ثم الضغوط المتزايدة حول الذهب.

إن إعادة قراءة تاريخ السودان لا تعني إنكار أخطائه، بل تعني رفض اختزال تاريخه في رواية واحدة. فالسودان لم يكن دولة بلا مشاكل، لكنه أيضاً لم يكن دولة بلا إمكانات. لقد كان بلداً يمتلك كل مقومات النهوض، لكنه وجد نفسه في مسار تاريخي حُرمت فيه أجياله المتعاقبة من الاستفادة الكاملة من موارده.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً ليس فقط: لماذا فشل السودان؟
بل أيضاً: هل أُتيح للسودان فعلاً أن ينجح؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى