اقتصاد التطوع في السودان: بين نبل الغاية وغياب الحوكمة

وليد دليل **
صور متطوعي مستشفى النو، وهم ينهارون باكين أو يجلسون على الأرض في صمت بعد إيقافهم عن العمل التطوعي، تستحق وقفة تتجاوز المشهد العاطفي إلى ما هو أعمق؛ فهي تفتح بابًا نادرًا ما يُطرق في النقاش السوداني، وهو البعد الاقتصادي والمؤسسي للعمل الطوعي الذي تضخّم حجمه وتشابكت أدواره منذ اندلاع الحرب حتى صار قطاعًا موازيًا يستحق التحليل بمعزل عن قداسة الفعل الإنساني الذي يقوم عليه.
فالسودان، على خلاف كثير من التجارب التي مررت بها أو قرأت عنها، يقدّم نموذجًا فريدًا لما يمكن تسميته التطوع طويل الأمد أو التطوع القهري، حيث يتحول العمل التطوعي من نشاط مؤقت مكمل للحياة المهنية إلى مسار حياة كامل بذاته؛ فيتزوج المتطوع، وينجب، ويُدخل أبناءه المدارس، وهو لا يزال يحمل الصفة نفسها التي بدأ بها قبل عقدين، دون أن ينتقل يومًا إلى وظيفة أو مسار مهني مستقل. وهذا التحول، من الناحية الاقتصادية البحتة، يطرح سؤالًا مشروعًا لا ينبغي التهرب منه: كيف يموّل هؤلاء التزاماتهم الحياتية وهم بلا دخل ثابت معلن؟ والإجابة، في غالب الأحيان، لا تكمن في فساد مفترض بقدر ما تكمن في اقتصاد غير مرئي من البدلات والتسهيلات والشبكات الاجتماعية التي ينسجها العمل التطوعي نفسه، وهو اقتصاد لا يظهر في أي ميزانية معلنة، ولذلك بالضبط يستحق أن يُدرس لا أن يُدان.
ولفهم إصرار كثير من المتطوعين على الاستمرار رغم قرارات الإيقاف الرسمية، لا بد من الاستعانة بمفهوم الهوية التطوعية، وهي ظاهرة موثقة في أدبيات علم النفس الاجتماعي، حيث يتحول الدور التطوعي من نشاط يمارسه الفرد إلى جزء أصيل من تعريفه لذاته وقيمته الاجتماعية. فحين يُطلب من متطوع أمضى سنوات طويلة في موقعه أن يتوقف، فإن الأمر لا يُقرأ لديه كإجراء إداري عابر، بل كتهديد وجودي لهويته، ومن هنا يأتي الانهيار النفسي والتصعيد الإعلامي، ومن هنا أيضًا تفهم الصراعات المتكررة بين المتطوعين وإدارات المؤسسات التي يفترض أن تكون شريكة لهم لا خصمًا.
غير أن هذا الفهم النفسي لا ينبغي أن يعفي القطاع من مساءلة اقتصادية صارمة، خصوصًا في ملف التكايا الذي تضخم بشكل غير مسبوق خلال الحرب. فحين تتحول مبادرة أهلية بسيطة إلى شبكة تدير تبرعات بمئات الملايين، وتصبح مصدر رزق فعلي وإن غير معلن لعدد من القائمين عليها، فإن استمرار العمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي، ورفض الانصياع لقرارات الإيقاف حتى حين تصدر عن جهات الدولة المختصة، يتحول من موقف إنساني نبيل إلى إشكال في الحوكمة لا يمكن تبريره بحجة استمرارية الخدمة وحدها. فالمبادرات التي أنفقت طوال أربعين عامًا قبل الحرب دون أن توزع وجبة واحدة، ثم صارت تدير موارد ضخمة خلال سنوات قليلة، تستحق أن يُسأل عنها بالضبط ما تُسأل عنه أي مؤسسة مالية: من يملك حق التوقيع؟ وأين تُحفظ الأموال؟ وهل تُراجع الحسابات من جهة مستقلة؟
والحقيقة أن غياب الإجابات الواضحة عن هذه الأسئلة ليس ترفًا بيروقراطيًا، بل هو بالضبط ما يحرم هذه المبادرات من الانتقال إلى مصاف المؤسسات القادرة على جذب التمويل الدولي؛ ذلك أن الجهات المانحة الكبرى، بحكم سياساتها الداخلية، لا تدعم الأفراد مهما بلغ إخلاصهم، وإنما تدعم كيانات لديها تسجيل قانوني، وميزانية معتمدة، وتقارير مالية دورية قابلة للتدقيق. وبذلك فإن كل مبادرة تصر على البقاء خارج هذا الإطار، مهما بلغت نيتها الطيبة، تحكم على نفسها بالبقاء رهينة التبرعات العشوائية القصيرة الأمد، بينما تفوّت فرصة تحويل عملها إلى استدامة مؤسسية حقيقية.
وما يستحق التوقف عنده أيضًا هو العلاقة الملتبسة بين هذا القطاع الطوعي المتضخم وبين مؤسسات الدولة الرسمية؛ فحين تصدر جهة مختصة قرارًا بإيقاف نشاط معين، ويقابَل هذا القرار بمقاومة علنية بل وأحيانًا بتصعيد عسكري أو شبه عسكري دفاعًا عن استمرار العمل، فإننا أمام أزمة أعمق من مجرد خلاف إداري، وهي أزمة تتعلق بموقع العمل الأهلي من هيبة الدولة ذاتها في زمن هي أحوج ما تكون فيه إلى ضبط كل الفاعلين تحت مظلة واحدة، مهما كان نبل نوايا هؤلاء الفاعلين.
إن العمل التطوعي في السودان خلال هذه الحرب أدى دورًا إنسانيًا لا يمكن إنكاره، وأنقذ فعلًا أرواحًا كثيرة كان يمكن أن تُزهق لولا تضحيات هؤلاء الشباب. لكن استمرار هذا القطاع بلا إطار قانوني واضح، وبلا حوكمة مالية شفافة، وبلا حدود مؤسسية تفصله عن الهوية الشخصية لمنتسبيه، سيبقيه أسير الشبهات مهما بلغت نزاهة أغلب العاملين فيه، وسيحرمه من التطور إلى الشكل الذي يستحقه: مؤسسات إنسانية سودانية راسخة، قادرة على الاستمرار بعد الحرب لا فقط أثناءها، ومؤهلة لكسب ثقة الداخل والخارج معًا لا بالعاطفة وحدها، بل بالشفافية والمساءلة اللتين لا غنى عنهما لأي جهة تدير أموال الناس.
** خبير مصرفي



