رأي

من صدمة الأسعار إلى إدارة الغلاء: كيف تنجو الأسرة السودانية من اقتصاد التضخم؟

 

نعمان يوسف محمد **

 

لم تعد صدمة الأسعار في السودان مجرد مفاجأة عابرة يواجهها المواطن عند دخوله السوق، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. فالأسعار تتغير بوتيرة أسرع من قدرة كثير من الأسر على تعديل دخولها، بينما تتآكل القوة الشرائية ويتسع الفارق بين تكلفة المعيشة والدخل المتاح.

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب والنزوح والاضطرابات الاقتصادية، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا ارتفعت الأسعار؟
فالإجابة أصبحت معروفة إلى حد كبير.

السؤال الأكثر إلحاحا هو:
كيف تستطيع الأسرة السودانية إدارة حياتها الاقتصادية في بيئة تتسم بارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وعدم استقرار الدخل؟

هنا تنتقل القضية من مجرد “صدمة أسعار” إلى ضرورة بناء ثقافة لإدارة الأسعار والدخل والاستهلاك والإنتاج.

من مراقبة الأسعار إلى إدارة الدخل:
أول خطوة في مواجهة التضخم لا تبدأ من السوق، وإنما من داخل الأسرة.. فكثير من الأسر تعرف حجم دخلها، لكنها لا تعرف كيف تدير هذا الدخل. ومع ارتفاع الأسعار، تصبح هذه الفجوة في الإدارة المالية أكثر خطورة.

تسجيل المصروفات اليومية والشهرية يمكن أن يكشف عن تسربات مالية تبدو صغيرة، لكنها تتحول في نهاية الشهر إلى مبالغ مؤثرة.. وهنا تظهر ضرورة التمييز بين ثلاثة أنواع من الإنفاق:
الاحتياجات الأساسية، والرغبات، والمصروفات التي يمكن تأجيلها.

هذه ليست دعوة إلى التقشف القاسي، وإنما إلى الانتقال من الاستهلاك التلقائي إلى الاستهلاك الواعي.. ففي اقتصاد تضخمي، تصبح إدارة المصروفات جزءاً من إدارة الدخل نفسه.

القوة الشرائية لا ترتبط بالدخل وحده:

من الأخطاء الشائعة النظر إلى زيادة الدخل باعتبارها الحل الوحيد لمشكلة ارتفاع الأسعار.. صحيح أن زيادة الدخل مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد.. فالأسرة تستطيع أحيانا تحسين قدرتها الشرائية من خلال خفض تكلفة الحصول على احتياجاتها.

المقارنة بين الأسعار، البحث عن البدائل، التفاوض، الشراء الجماعي، والشراء بالجملة عندما يكون ذلك اقتصاديا، كلها أدوات يمكن أن تخفف تكلفة المعيشة.

وبعبارة أخرى:
القوة الشرائية لا تتحسن فقط عندما يزيد ما في جيبك، وإنما أيضا عندما تنخفض تكلفة ما تشتريه بهذا المال.. وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث أصبحت فروق الأسعار بين الأسواق والمناطق والمنافذ التجارية عاملا مؤثرا في ميزانية الأسرة.

المشكلة الأكبر: دخل واحد أمام أسعار متحركة

ربما يكون التحدي الأكثر خطورة بالنسبة للأسر هو الاعتماد على مصدر دخل واحد في بيئة اقتصادية شديدة التقلب.. فعندما يكون الدخل ثابتا، بينما ترتفع أسعار الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات، فإن القوة الشرائية لهذا الدخل تتراجع تدريجيا.

ولهذا أصبح تنويع مصادر الدخل ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار لتحسين مستوى المعيشة.. وهنا يمكن أن تلعب المهارات دورا حاسما. فخدمة مهنية، أو نشاط تجاري صغير، أو عمل منزلي، أو تدريب، أو نشاط زراعي، أو تصنيع غذائي، أو خدمة رقمية، يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل إضافي.

المطلوب ليس أن يتحول كل مواطن إلى رجل أعمال، وإنما أن ينتقل تدريجيا من الاعتماد الكامل على مصدر دخل واحد إلى محفظة دخل أكثر تنوعا وقدرة على امتصاص الصدمات.

من مستهلك إلى منتج:

لكن الحل لا يتوقف عند تنويع الدخل. فمن أهم الاستجابات الاقتصادية الممكنة للأسر السودانية في المرحلة المقبلة تحويل جزء من الاستهلاك إلى إنتاج.. فإنتاج بعض الاحتياجات المنزلية، حتى على نطاق صغير، يمكن أن يخفض تكلفة المعيشة، وفي الوقت نفسه يخلق فرصة لتوليد دخل إضافي.

وقد تبدأ التجربة بإنتاج غذائي منزلي بسيط، أو زراعة محدودة، أو تربية دواجن، أو صناعة منتجات غذائية، أو تقديم خدمة مهنية.

المهم هو تغيير المعادلة من:
دخل = استهلاك
إلى:
دخل = استهلاك + إنتاج + دخل إضافي.

وهذه ليست مسألة أسرية فقط؛ بل يمكن أن تشكل إحدى ركائز التعافي الاقتصادي المحلي، إذا ارتبط الإنتاج المنزلي والصغير بالأسواق وسلاسل القيمة والتمويل والتدريب.

الإدماج المالي جزء من القدرة على الصمود:

في بيئة اقتصادية مضطربة، يصبح الإدماج المالي أكثر أهمية، لا أقل.. فامتلاك حساب مصرفي أو محفظة إلكترونية، والاحتفاظ بسجل واضح للدخل والمصروفات، والادخار المنتظم ولو بمبالغ محدودة، واستخدام الخدمات المالية بصورة منظمة، كلها أدوات تساعد الأسرة على إدارة مواردها بصورة أفضل.

كما أن بناء تاريخ مالي منظم يمكن أن يصبح عاملا مساعدا في الوصول إلى التمويل مستقبلا.. وهنا يجب ألا ننظر إلى الإدماج المالي باعتباره مجرد امتلاك حساب مصرفي، وإنما باعتباره قدرة المواطن على استخدام النظام المالي لإدارة دخله وادخاره وتمويل نشاطه الاقتصادي وحماية جزء من معاملاته من مخاطر التعامل النقدي.

التضخم يعاقب الفرد.. والتعاون يخفف التكلفة:

في الأزمات الاقتصادية، لا تكفي الحلول الفردية دائماً، فالتعاون يمكن أن يتحول إلى أداة اقتصادية حقيقية.

مجموعات الادخار، التعاونيات، الشراء الجماعي، الإنتاج المشترك، التسويق الجماعي، وتقاسم بعض الخدمات، كلها أدوات تستطيع تخفيض التكلفة وتحسين القدرة التفاوضية للمنتجين والمستهلكين.

فالأسرة التي تشتري وحدها ليست مثل مجموعة من الأسر تستطيع التفاوض والشراء بكميات أكبر.. والمنتج الصغير الذي يسوق بمفرده ليس مثل مجموعة منتجين تستطيع تجميع منتجاتها وتحسين شروط التسويق والوصول إلى الأسواق.

من هنا يمكن أن يصبح رأس المال الاجتماعي أحد أهم الأصول الاقتصادية في مرحلة التعافي.. المطلوب ليس التكيف مع الغلاء فقط.. بل بناء اقتصاد أسري أكثر صمودا.

من الخطأ أن نختزل مواجهة ارتفاع الأسعار في مطالبة المواطن فقط بتقليل المصروفات. فهذه معالجة جزئية.

والاستجابة الأكثر استدامة تقوم على أربعة مسارات متوازية:
– خفض تكلفة المعيشة.
– زيادة وتنويع مصادر الدخل.
– تحويل جزء من الاستهلاك إلى إنتاج.
– الاندماج في منظومة مالية وإنتاجية أكثر تنظيما.

وبذلك يصبح المواطن فاعلا في إدارة وضعه الاقتصادي، بدلا من أن يكون مجرد متلق لآثار التضخم.

المعركة القادمة هي معركة القدرة على الصمود:

لا يستطيع المواطن وحده إيقاف التضخم، ولا يستطيع أن يخفض أسعار الإيجارات أو تكلفة النقل بقرار شخصي.

هذه مسؤوليات ترتبط بالسياسات الاقتصادية، واستقرار الأسواق، والإنتاج، وسلاسل الإمداد، وسعر الصرف، والسياسة النقدية والمالية، واستعادة النشاط الاقتصادي.

لكن المواطن والأسرة يستطيعان، في المقابل، تحسين القدرة على الصمود أمام هذه الصدمات.. وهنا تتغير طبيعة السؤال.

لم يعد السؤال فقط: كيف أكسب مالا أكثر؟
بل: كيف أحافظ على قيمة دخلي؟ وكيف أخفض تكلفة معيشتي؟ وكيف أنوع مصادر دخلي؟ وكيف أحول جزءا من استهلاكي إلى إنتاج؟ وكيف أستفيد من الأدوات المالية؟
وكيف أتعاون مع الآخرين لتحقيق ما لا أستطيع تحقيقه بمفردي؟

هذه الأسئلة تمثل، في تقديري، جزءا مهما من الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب.. فالتعافي الاقتصادي لا يبدأ فقط من المصانع والمشروعات الكبرى والسياسات الحكومية، وإنما يبدأ أيضا من الأسرة والمنتج الصغير والمشروع متناهي الصغر.

وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نجعل الأسعار تعود غدا إلى ما كانت عليه.. لكننا نستطيع أن نبني أسرا أكثر وعياً بإدارة المال، ومنتجين أكثر قدرة على الصمود، ومجتمعات أكثر تعاونا، واقتصادا أكثر اعتمادا على الإنتاج.

فالنجاة من صدمة الأسعار ليست معركة ضد السوق فقط؛ إنها معركة من أجل حماية القوة الشرائية، وتنويع الدخل، وتعزيز الإنتاج، وبناء القدرة الاقتصادية على الصمود.

وهنا تبدأ العودة الحقيقية..
فالعودة إلى الوطن لا تكتمل بمجرد العودة إلى البيت.. وإنما حين نستعيد قدرتنا على الإنتاج والعمل وبناء حياة اقتصادية أكثر استقرارا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى