الجامعات السودانية… مكاسب الثورة وتحديات العودة

د. الهيثم الكندي يوسف
تلاحظ خلال الفترة القليلة الماضية إعلانات مكثفة لوكالات تعلن للطلاب السودانيين عن فرص قبول بالجامعات في الدول الخارجية. أهمية الموضوع تكمن في أنها تأتي بالتزامن مع ما أعلنته وزارة التعليم العالي من إلزام الجامعات بالرجوع إلى السودان وممارسة وظائفها من الداخل.
المعروف أن الحرب قد ألقت بظلالها السالبة على الجامعات، كما هجرت في من هجرت طلابها مع أسرهم وأجبرتهم على النزوح إلى مناطق أخرى في البلاد، أو اللجوء إلى دول الجوار. فانتقلت أغلب الجامعات إلى خارج السودان، خاصة الدول التي لجأت إليها مجاميع كبيرة من السودانيين كمصر، حيث افتتحت العديد من الجامعات السودانية مراكز لها، وكذا الحال في المملكة العربية السعودية، فيما اختارت بعض الجامعات تحويل مراكزها لبعض دول شرق إفريقيا.
وهنا تقودنا الذاكرة لبداية التسعينات حين انطلقت ما سمي بثورة التعليم العالي والتي كانت تهدف لزيادة استيعاب التعليم الجامعي وتوسيع نطاقه الجغرافي وإنشاء جامعات في مختلف الولايات. وقد كان عرابها البروفيسور إبراهيم أحمد عمر (وزير التعليم العالي والبحث العلمي حينها). حيث نجح في رفع عدد المقبولين في الجامعات السودانية الذي كان لا يتعدى 6,000 طالب سنوياً، وكان إجمالي الطلاب المقيدين في الجامعات حوالي 22,000 طالب، فوصل العدد خلال سنوات قليلة إلى 200,000 طالب.
كان الكثير من الطلاب الذين لا يجدون فرصاً للالتحاق بالجامعات يوقفون مسيرتهم التعليمية ويتجهون إلى العمل الحر أو الحكومي، فيما كانت أسر الطلاب الميسورة تبعثهم لنيل التعليم الجامعي في الخارج، حيث كانت وجهتهم عادة مصر والهند ودول شرق أوروبا. بينما كان يحظي عدد قليل نسبياً من الطلاب بالبعثات الدراسية الحكومية أو المنح التي تفردها بعض الدول للسودان.
وكان عدد هؤلاء الطلاب الذين يدرسون بالخارج يقدر ما بين 20,000 إلى 30,000 طالب، قامت الثورة التعليمية بإعادة أغلبهم للداخل واستيعابهم في الجامعات الجديدة، حيث تم افتتاح عدد من الجامعات بكل ولاية، فضلاً عن توسعة الفرص للجامعات الموجودة قبلاً، وكذلك إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للعمل في تقديم خدمات التعليم الجامعي. وبفضل ذلك وصل عدد الطلاب المستوعبين في الجامعات قبل حرب أبريل 2023 إلى ما يقارب 750,000 طالب وطالبة، 70% منهم في الجامعات الحكومية.
ولعل إختلاف الظروف بين تلك الحقبة والواقع الحالي قد أبرز الكثير من التحديات التي تواجه قرار عودة الجامعات لداخل السودان، والتي تتمثل في عدم وجود الكثير من الطلاب بالداخل، حيث ما زال الكثير من المواطنين خارج البلاد بسبب تأثر منازلهم وفقدان المستلزمات المنزلية جراء السرقة بواسطة المليشيا والبيئة التي وفرتها لتكمل العصابات على ما تبقى من ممتلكات المواطنين، إضافة إلى فقدان الكثيرين لمصادر دخلهم، وارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بالبلدان التي يوجدون بها. كما أن هذا الدمار والسرقة قد أصاب الجامعات أيضاً في استهداف ممنهج بواسطة المليشيا، مما يعني أن البيئة الدراسية غير متوفرة للكثير من الجامعات.
الأستاذ الجامعي وكبقية المواطنين لجأ للخارج والكثير منهم التحق بوظائف بتلك الدول، مما يعيق عودتهم خاصة إذا قارنا رواتبهم الجديدة مع تلك التي توفرها الجامعات السودانية والتي بالكاد تكفي لأيام معدودات، فيما التحق العديد من الطلاب بجامعات أخرى في البلاد التي لا توجد بها مراكز لجامعاتهم السودانية.
وللتغلب على هذه التحديات ينبغي العمل التكاملي بين الجامعات مع بقية مؤسسات الدولة لتهيئة البيئة المساعدة على عودة اللاجئين، فعلى الجامعات صيانة مرافقها التي لحق بها الدمار وكذلك بالطرق والبنية المحيطة بها، مع تفعيل دورها في البحث العلمي الذي يمكن من المساعدة في حل مشاكل إعادة الإعمار ومشاريع الطاقة البديلة، والبحوث الاجتماعية التي يمكن أن تلعب دوراً في رتق النسيج الاجتماعي الذي تأثر بالحرب. كذلك يجب إقرار هيكل راتبي واقعي يساعد على جذب الأساتذة مرة أخرى، ليس بالضرورة أن يعادل المعروض في سوق العمل خارج السودان، ولكن من المنطقي أن يحقق بعض الأمان المعيشي، وأنا متأكد من أن أساتذة الجامعات وكالعهد بهم سيعودون لأجل دفع ضريبة الوطن.
إن قرار إعادة توطين العملية التعليمية في الداخل ينبغي ومع الإهتمام بتجهيز البنية المادية، الاستفادة من تجربة التعليم الإلكتروني (التعليم عن بعد) والذي فرضته ظروف اللجوء والنزوح، خاصة في مساقات التعليم النظرية. فالجمع بين الحلول الرقمية وإعادة إعمار القاعات والمختبرات يمثل الحل الواقعي لاستمرار التحصيل الأكاديمي للطلاب الذين تحول ظروفهم الأمنية أو الاقتصادية دون العودة الفورية، مما يضمن الاستمرارية التعليمية لحين اكتمال التعافي.
في النهاية تجد وزارة التعليم العالي والجامعات السودانية نفسها أمام لحظة مفصلية تتطلب تجاوز القرارات الفوقية إلى تبني استراتيجية مدروسة للعودة. فالنجاح في استعادة مؤسساتنا التعليمية يجب أن يقاس بالتمرحل في إغلاق المراكز الخارجية، كما يقاس أيضاً بمدى القدرة على توفير الأمن والكرامة لأطراف العملية التعليمية من طلاب وأساتذة. وكذلك تصحيح الاختلالات المادية. فبدون التصدي لهذه التحديات فإن قرار العودة يخاطر بإهدار مكاسب عقود من النجاح والتوسع الأكاديمي.



