ما سر بروز المسلمين في الانتخابات الغربية؟

رمضان أحمد
شهدت الساحة السياسية في الولايات المتحدة، ولا سيما في بعض الانتخابات التمهيدية والاستحقاقات المحلية، بروزاً ملحوظاً لعدد من الأمريكيين ذوي الخلفية الإسلامية. وسبق ذلك حضور متزايد للمسلمين في الانتخابات البلدية والمحلية في بريطانيا. وقد أثار هذا الصعود سؤالاً مشروعاً: ما السر وراء تنامي الحضور السياسي للمسلمين في المجتمعات الغربية؟ وهل يعود ذلك إلى هويتهم الدينية وحدها، أم إلى قدرتهم على كسب ثقة مجتمعاتهم وتقديم خطاب سياسي يستجيب لاحتياجات المواطنين؟
ولعل الإجابة الأقرب إلى الواقع تكمن في مجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها التنشئة الأسرية، ومنظومة القيم، وطبيعة الخطاب السياسي الذي استطاع بعض المرشحين المسلمين تقديمه.
الأسرة والتنشئة:
شهدت المجتمعات الغربية، خلال العقود الماضية، تراجعاً نسبياً في تأثير الدين والمؤسسات التقليدية، بالتزامن مع ترسخ النموذج العلماني واتساع النزعة الفردية والمادية. وقد تركت هذه التحولات آثاراً عميقة في بنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية، وأثارت نقاشات واسعة حول تراجع التضامن الاجتماعي، واتساع الفجوة بين الطبقات، وتأثير النفوذ الاقتصادي والمالي في الحياة السياسية.
وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، يظل التفاوت الاقتصادي والاجتماعي أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع. فالثروة والنفوذ المالي يؤديان دوراً كبيراً في تشكيل المجال السياسي والإعلامي، بينما تعاني فئات واسعة من الفقر أو الهشاشة الاقتصادية أو صعوبة الحصول على السكن والخدمات الأساسية.
وفي خضم هذه التحولات، تواجه الأسرة الحديثة تحديات متزايدة، سواء بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة أو ضغوط العمل أو تغير أنماط العلاقات الاجتماعية. وعندما يضعف حضور الأسرة الممتدة أو تتراجع شبكات الدعم الاجتماعي، يصبح الأطفال أكثر عرضة للتشتت وفقدان التوجيه، وهو ما قد ينعكس على مسارهم التعليمي والاجتماعي.
وفي المقابل، ما تزال الأسرة تحتل موقعاً محورياً في التصور الإسلامي للحياة والمجتمع. فالأسرة ليست مجرد إطار خاص، بل هي مؤسسة للتربية والتوجيه ونقل القيم وتحمل المسؤولية. ولذلك ينشأ كثير من أبناء الأسر المسلمة في بيئة تقوم على المتابعة الأسرية، والاهتمام بالتعليم، وتعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع.
ولا يعني ذلك أن المسلمين يحتكرون القيم الأسرية أو أن المجتمعات الغربية تخلو منها، لكن قوة الروابط الأسرية في كثير من البيئات المسلمة تظل عاملاً مهماً في تشكيل شخصية الأبناء وتوجيه مساراتهم التعليمية والمهنية.
وضوح المعنى ودور التربية الدينية:
من أهم ما تمنحه التربية الدينية للطفل أنها توفر له إطاراً أخلاقياً ومعنوياً لفهم الحياة. فالطفل المسلم ينشأ، في الغالب، وهو يتلقى إجابات عن أسئلة الوجود الكبرى: من أين جاء الإنسان؟ وما الغاية من حياته؟ وما مسؤوليته؟ وإلى أين يمضي؟
قد تبدو هذه الأسئلة فلسفية أو بعيدة عن الحياة اليومية، لكنها في الحقيقة تؤثر بعمق في بناء الشخصية. فوجود منظومة قيمية ومعنوية واضحة يساعد الإنسان على توجيه طاقته نحو أهداف محددة، ويمنحه إحساساً بالمسؤولية والانتماء.
وهنا لا يكون الدين مجرد هوية اجتماعية، بل مصدراً للمعنى والانضباط الأخلاقي والتكافل مع الآخرين. وهذا الجانب قد يفسر، جزئياً، قدرة بعض أبناء الجاليات المسلمة على تحقيق نجاحات تعليمية ومهنية، ثم الانتقال لاحقاً إلى العمل العام والسياسي.
كيف انعكست الخلفية الإسلامية على الخطاب السياسي؟
عند التأمل في الخطاب السياسي لبعض الشخصيات الأمريكية ذات الخلفية الإسلامية، مثل “عبد الرحمن السيد” و “زهران ممداني” وغيرهما، يمكن ملاحظة حضور قضايا ترتبط، بدرجات متفاوتة، بمنظومة قيمية تركز على العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني.
ومن أبرز هذه القضايا:
* الدفاع عن الأسر وذوي الدخل المحدود؛
* الاهتمام بالفقراء والفئات المهمشة؛
* الدعوة إلى معالجة التفاوت الاقتصادي؛
* المطالبة بزيادة مساهمة أصحاب الثروات الكبيرة في تحمل الأعباء العامة؛
* الحد من تأثير المال والنفوذ الاقتصادي في السياسة؛
* اتخاذ مواقف واضحة من القضية الفلسطينية ومن حقوق المدنيين.
هذه القضايا لا تخص المسلمين وحدهم، وهي حاضرة في تقاليد سياسية وفكرية متعددة داخل المجتمعات الغربية. غير أن الخلفية الإسلامية قد تمنح بعض المرشحين المسلمين رصيداً أخلاقياً يدفعهم إلى التعامل معها باعتبارها جزءاً من منظومة قيمهم الشخصية، لا مجرد شعارات انتخابية.
ففي التصور الإسلامي، لا يقتصر الاهتمام بالفقراء والمحتاجين على كونه سياسة عامة، بل يرتبط أيضاً بمفهوم التكافل والمسؤولية الاجتماعية وخدمة الإنسان. ومن هذه الزاوية، يستطيع السياسي المسلم أن يجد مساحة التقاء بين مقتضيات العمل العام وقيمه الدينية، دون أن يجعل من الدين أداة انتخابية أو وسيلة لفرض هوية خاصة على المجتمع.
خطاب يلامس هموم المجتمع:
ربما يكون أحد أهم أسباب نجاح بعض المرشحين المسلمين أنهم لم يقدموا أنفسهم بوصفهم ممثلين لطائفة دينية فحسب، بل بوصفهم سياسيين يحملون برامج تتناول هموم المجتمع بأكمله.
فالناخب الأمريكي، مثل أي ناخب في العالم، يبحث عن حلول لقضايا السكن والتعليم والرعاية الصحية وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وعدم المساواة. وعندما ينجح مرشح ما في تقديم خطاب واضح ومباشر حول هذه القضايا، فإنه يستطيع تجاوز حدود الهوية الدينية والعرقية.
ولهذا فإن نجاح السياسي المسلم لا ينبغي تفسيره على أنه تصويت للمسلمين بوصفهم مسلمين فقط، وإنما هو، في جانب مهم منه، نتيجة لقدرتهم على بناء تحالفات اجتماعية وسياسية واسعة، وتقديم خطاب يتجاوز الجماعة الخاصة إلى المجتمع الأوسع.
المسلم والسياسة بلا خطاب اعتذاري
من الملاحظ أيضاً أن بعض الشخصيات السياسية المسلمة الجديدة تتحدث بدرجة أكبر من الثقة والاستقلالية مقارنة بما كان سائداً في مراحل سابقة. فهي لا تتعامل مع هويتها الإسلامية باعتبارها عبئاً ينبغي إخفاؤه، ولا تجعل منها في الوقت نفسه محوراً وحيداً للعمل السياسي.
هذا التوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على المجتمع الأوسع يمثل أحد عناصر القوة. فالمواطن قد يختلف مع المرشح في الدين أو الثقافة، لكنه يستطيع أن يدعمه إذا وجد لديه الكفاءة والوضوح والقدرة على الدفاع عن مصالحه.
وقد أصبح من الواضح أن التحولات داخل المجتمع الأمريكي، وخاصة بين الأجيال الجديدة، تفتح المجال لمراجعة كثير من المسلمات السياسية القديمة، بما في ذلك طبيعة العلاقة مع القوى واللوبيات المؤثرة في السياسة الخارجية. كما أن النقاش العام حول القضية الفلسطينية والعدالة الدولية أصبح أكثر اتساعاً وحضوراً، وهو ما أتاح مساحة أكبر للأصوات التي تتبنى مواقف مختلفة أو أكثر استقلالاً.
خلاصة:
إن بروز المسلمين في الانتخابات الغربية لا يمكن تفسيره بسبب واحد، ولا يصح اختزاله في مجرد الانتماء الديني. فالهويـة وحدها لا تصنع سياسياً ناجحاً، كما أن المال وحده لا يضمن الفوز في كل الظروف.
لكن يمكن القول إن هناك مجموعة من العناصر أسهمت في هذا الصعود، من بينها:
* قوة التنشئة الأسرية في كثير من البيئات المسلمة؛
* الاهتمام بالتعليم والانضباط الشخصي؛
* وجود منظومة أخلاقية ومعنوية تمنح الفرد شعوراً بالغاية والمسؤولية؛
* القدرة على الجمع بين الهوية الخاصة والمواطنة العامة؛
* تقديم خطاب سياسي يهتم بالعدالة الاجتماعية والفقراء والأسر وذوي الدخل المحدود؛
* تنامي قدرة المرشحين المسلمين على بناء تحالفات تتجاوز الانتماء الديني والعرقي.
إن التجربة السياسية للمسلمين في الغرب تؤكد حقيقة مهمة: النجاح السياسي لا يتحقق بمجرد امتلاك هوية، وإنما بتحويل القيم التي يؤمن بها الإنسان إلى خدمة عامة، وبرامج واقعية، وقدرة على كسب ثقة الناس.
وإذا كان المال والنفوذ لا يزالان عاملين مؤثرين في السياسة الغربية، فإن التحولات الاجتماعية تثبت أن الناخب لا يمكن اختزاله دائماً في الدعاية والإنفاق السياسي. فحين يجد الناس خطاباً صادقاً وواضحاً يعبر عن مخاوفهم وآمالهم، فإنهم يستطيعون تجاوز حواجز الدين والعرق والأصل.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في بروز السياسيين المسلمين اليوم: لم ينجحوا لأنهم مسلمون فحسب، بل لأن بعضهم استطاع أن يجعل القيم التي يحملها جسراً لخدمة مجتمع أوسع، وأن يتحول من ممثل لهوية إلى ممثل لقضايا الناس.



