رأي

ياسر سرور في الخرطوم… سفيرٌ لمرحلة ما بعد الحرب

 

مهند عوض محمود

وصلتني الدعوة الكريمة من مكتب سعادة السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير السودان لدى مصر، لحضور حفل تكريم السفير ياسر سرور بمناسبة تعيينه سفيراً لجمهورية مصر العربية لدى السودان، وحرصت على الوصول في الموعد تماماً.

كان الحفل، في سطر واحد، لوحةً جميلة اختصر فيها «مقر إقامة سفير السودان» بالقاهرة عمق العلاقة بين شمال الوادي وجنوبه؛ حضور دبلوماسي وسياسي وإعلامي واقتصادي رفيع من البلدين، وكلمات دافئة أطالت الوقوف على المنصة حتى بدا أن كل متحدث لا يريد لكلمته أن تنتهي، وكورال صدح بأغنيات مصر والسودان فأكمل المشهد وجداناً وجمالاً.

كان في مقدمة الحضور، إلى جانب السفير ياسر سرور وحرمه، الوزير المفوض كريم مختار، نائب مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان، ومعالي الدكتور محمد العرابي، وزير الخارجية المصري الأسبق ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، وعدد من كبار مسؤولي الخارجية المصرية والإعلاميين ورجال الأعمال.

ومن الجانب السوداني حضر وزير الخارجية السابق السفير الدكتور علي يوسف الشريف، وعدد من وزراء حكومة الأمل الذين تصادف وجودهم في القاهرة، أبرزهم وزير الثقافة والإعلام والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر، الذي تحدث من على المنصة، إلى جانب نخبة واسعة من الدبلوماسيين والوزراء السابقين ورجال الأعمال.

كما حضر صديقي المهندس منجد يوسف ممثلاً للشركة المصرية السودانية، وهو، في تقديري، أكثر مصري تفاؤلاً بمستقبل العلاقات السودانية المصرية.

لم يكن الحفل مجرد وداع مسؤول يغادر موقعاً إلى آخر، بل بدا كأنه تجديد علني لعهد قديم بين شعبين جمعهما النيل قبل أن ترسم السياسة الحدود.. ولو أُتيحت لي فرصة الحديث في تلك الأمسية، لبدأت بالسفير هاني صلاح، سفير مصر لدى السودان، الذي انتهت فترة عمله خلال الأيام الماضية، وسيخلفه السفير ياسر سرور. وقد اختتم السفير هاني صلاح مهمته بتكريم رفيع، حين منحه فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وسام النيلين من الطبقة الأولى، تقديراً لجهوده في تعزيز العلاقات بين البلدين.

تزامنت مهمة السفير هاني صلاح مع واحدة من أصعب الفترات التي يمكن أن يواجهها سفير في تاريخ عمله الدبلوماسي. فقد اندلعت الحرب، وتفككت حياة الملايين، وغادر أكثر من مليون ونصف المليون سوداني إلى مصر، فوجدوا أبواب مجتمع قريب منهم مفتوحة، وعاشوا وسط المدن والأحياء، لا داخل الخيام ومعسكرات اللجوء.

ولم يكن وجود السودانيين في مصر عبئاً في اتجاه واحد؛ فقد استأجروا واشتروا العقارات، وفتحوا المطاعم والمتاجر، وأسّسوا الشركات والمصانع، وخلقوا حركة اقتصادية وفرص عمل. وما كان لهذا الاندماج أن يتحقق بهذه السهولة في بلد آخر؛ فمصر بالنسبة إلى السوداني ليست مكاناً غريباً، بل امتداد طبيعي لوطنه ومجتمعه وثقافته.. وهذه وقفة سيظل السودانيون يذكرونها سراً وعلانية، مهما اختلفت تقديرات السياسة وتقلبت الظروف.

وفي المجال السياسي، حافظت مصر على موقف بالغ الأهمية: دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، ورفض تقسيمه أو إنشاء كيانات موازية لدولته. وقد بلغ هذا الموقف ذروته في إعلان فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي «خطوطاً حمراء» واضحة، أبرزها الحفاظ على وحدة السودان وعدم المساس بمؤسساته.

لقد وقفت دول شقيقة وصديقة عديدة مع السودان، لكن أكثر ما أقدّره في الموقف المصري هو إصراره على عبارة «دعم مؤسسات الدولة». فالسودان اليوم، بعد الدمار الهائل الذي أصاب مؤسساته واقتصاده وبنيته الأساسية، لا يحتاج فقط إلى المساعدات؛ إنه يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الدولة نفسها.

ومن يدعم المؤسسات السودانية إنما يدعم بقاء السودان موحداً وقادراً على النهوض. وهذا الموقف يعكس معرفة مصرية عميقة بطبيعة السودان، كما يعكس نية صادقة في حماية كيان الدولة، لا إدارة أزمتها إلى ما لا نهاية.

ومع تقديرنا للدور المؤسسي للدولة المصرية، فإن تقارير السفراء والبعثات وتوصياتهم تظل من المدخلات الأساسية في صناعة القرار. ومن هنا يستحق السفير هاني صلاح التقدير على ما بذله خلال مرحلة الحرب والضغط السياسي والإنساني، وهي مرحلة استثنائية لا تقاس بنتائج العمل الدبلوماسي التقليدي.

لقد اعتدنا أن يترك سفراء مصر في السودان أثراً يصعب تجاوزه. ويكفي أن نذكر السفير أسامة شلتوت، الذي ظل قريباً من السودانيين حتى بعد انتهاء مهمته، إلى درجة أن بعضهم يصفه مازحاً بأنه «سفير السودان في مصر»، وما يزال حاضراً في مناسباتهم وقضاياهم، وكان ضمن الحضور الأنيق في ذات الحفل.

وكلما ظننا أن سفيراً قد وضع معياراً يصعب على من بعده بلوغه، جاء خلفه ليضيف إلى ذلك الرصيد. وكأننا نستعير ما قيل عن عمر بن الخطاب ونقول لكل واحد منهم: لقد أتعبتَ السفراء من بعدك.

اليوم تنتقل المسؤولية إلى السفير ياسر سرور، لكن في مرحلة مختلفة تماماً. فإذا كانت مرحلة السفير هاني صلاح هي مرحلة الحرب والحفاظ على الدولة، فإن مرحلة السفير ياسر سرور ينبغي أن تكون مرحلة العودة وإعادة الإعمار وبناء الشراكات الاقتصادية الكبرى.

واختيار دبلوماسي في مستوى السفير ياسر سرور لهذه المهمة يحمل دلالة واضحة على مكانة السودان في حسابات القيادة المصرية. فقد شغل منصب مساعد وزير الخارجية ومدير إدارة شؤون السودان وجنوب السودان، وعمل سنوات طويلة في ملفات حوض النيل، كما خدم في بعثة مصر لدى الأمم المتحدة وفي سفاراتها بباكستان وإيطاليا والبوسنة والهرسك.

إنه لا يذهب إلى السودان ليبدأ التعرف إليه، بل يصل وهو يحمل معرفة متراكمة بملفاته وتشابكاته وموقعه في الأمن القومي المصري.

وتشهد العودة الطوعية للسودانيين من مصر حركة متزايدة؛ إذ يغادر آلاف السودانيين يومياً عائدين إلى بلادهم، وبدأت الأعداد في الارتفاع بصورة أوضح بالتزامن مع قرارات الحكومة السودانية بعودة موظفي الدولة للعمل من الداخل، بما شمل العاملين في الضرائب ووزارات ومؤسسات حكومية مختلفة. وكان لقرار عودة الجامعات إلى العمل من الخرطوم أثر واضح في تحريك أعداد كبيرة من الأساتذة والموظفين والطلاب وأسرهم.

لكن شريحة كبيرة من الأسر وأصحاب الأعمال لا ترتبط عودتها بقرار إداري؛ وإنما ستعود عندما تجد الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس والخدمات. ولذلك فإن أسرع طريق لتوسيع العودة الطوعية وتسريعها هو تسريع إعادة الإعمار واستعادة الخدمات، وهنا تستطيع مصر، بخبرتها وشركاتها وقربها الجغرافي، أن تؤدي دوراً لا تستطيع دولة أخرى أن تؤديه بالكفاءة والسرعة نفسيهما.

غير أنني أرى أن المهمة الأكبر للسفير ياسر سرور تتجاوز إعادة ما دمرته الحرب إلى بناء علاقة اقتصادية جديدة تقوم على المصالح المشتركة.

فالتجارة الرسمية بين البلدين تجاوزت مليار دولار سنوياً تقريباً، حتى في سنوات الحرب، لكن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك؛ لأن جزءاً مقدراً من تجارة الحدود، ولا سيما في السمسم والمواشي والذهب وسلع أخرى، لا يدخل كاملاً في الإحصاءات الرسمية ولا ينعكس كما ينبغي على اقتصادي البلدين.

والمطلوب ليس وقف هذه الحركة، بل تقنينها وتطوير المعابر وأنظمة الدفع والنقل والفحص، حتى تتحول من تجارة حدودية مبعثرة إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

لقد تم إطلاق مبادرات كثيرة تحت عنوان «شكراً مصر»، وكل تعبير صادق عن الوفاء محل تقدير. لكنني أؤمن بأن مصر لا تُشكر بالشعارات وحدها؛ تُشكر ببناء المصالح المشتركة، وزيادة التجارة والاستثمار، وربط الإنتاج والأسواق والبنية التحتية، حتى تصبح العلاقة عصية على تقلبات السياسة لأنها راسخة في حياة الناس ومنافعهم اليومية.

ومن أهم الملفات التي أرجو أن يضعها السفير الجديد في مقدمة أولوياته تغيير الصورة الذهنية عن السودان..
هناك مقولة متداولة في الأوساط الدبلوماسية: إن السفير يبكي مرتين؛ يبكي حين يُقال له إنه ذاهب إلى السودان، ثم يبكي عندما يحين موعد مغادرته.

وقد حكى لنا صديقي غراهام، سفير جنوب أفريقيا الأسبق لدى السودان، أن أصدقاءه سألوه عند تعيينه: (ما الذي فعلته مع ربك حتى يتم نقلك إلى السودان؟!)
ثم اكتشف، بعد وصوله، بلداً مختلفاً تماماً عن الصورة التي صنعتها الأخبار؛ شعباً كريماً، شهماً، حسن الضيافة والمعشر، ووطناً غنياً بموارده وثقافته وتنوعه.

هذه المفارقة تكشف ظلماً إعلامياً كبيراً. فالسودان يظهر للعالم غالباً عند الحرب أو المجاعة أو الانقلاب، بينما تختفي موارده وفرصه وثقافته وإنسانه.. والأسوأ أن قطاعات من رجال الأعمال والمثقفين في مصر نفسها لا تعرف عن السودان إلا القليل، إلا من سبق له العمل فيه أو الاحتكاك بأهله. وهذه «نقطة عمياء» عطلت فرصاً كثيرة للتعاون.

لذلك أتمنى أن يجعل السفير ياسر سرور العمل الإعلامي جزءاً من مهمته؛ بتفعيل ملحقية إعلامية قوية في السفارة المصرية، وتشجيع القنوات والصحف وشركات الإنتاج المصرية على الحضور في السودان، لا لتجميل الواقع، بل لنقله كاملاً: تحدياته وفرصه وموارده وقصص نهوضه.

فالإعلام المصري، بخبرته وتأثيره وانتشاره، يستطيع أن يقدم خدمة استراتيجية للبلدين إذا ساعد المصريين والعالم على رؤية السودان كما هو، لا كما تختصره نشرات الأزمات.

أما جوهر رؤيتي، كرجل أعمال مهتم باقتصاد البلدين، فهو أن مصر ستتجه جنوباً عاجلاً أو آجلاً، وأن الأفضل أن تفعل ذلك الآن ضمن شراكة استراتيجية مدروسة، لا لاحقاً تحت ضغط الضرورة.

حصة مصر من مياه النيل ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، بينما انخفض نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب، أي قرابة نصف حد الفقر المائي، ويُستهلك نحو ثلاثة أرباع الطلب المائي في الزراعة.

ومع استمرار الزيادة السكانية واتساع الفجوة المائية، تصبح زيادة الرقعة الزراعية داخل مصر أكثر كلفة وضغطاً على الموارد. وفي المقابل، يمتلك السودان أراضٍ زراعية شاسعة ومياهاً وموارد طبيعية، بينما تمتلك مصر خبرة زراعية متقدمة، وبذوراً وتقنيات ومزارعين قادرين على مضاعفة الإنتاجية.

المعادلة بسيطة: كلما توسع الاستثمار الزراعي المصري في السودان، خف الضغط على المياه والأراضي في الشمال، وزاد الإنتاج والأمن الغذائي في البلدين.

ليست الدعوة إلى أن تأخذ مصر من السودان، بل إلى أن ينتج البلدان معاً؛ الأرض والمياه والفرص من السودان، والخبرة والتكنولوجيا ورأس المال والأسواق من مصر، في شراكات عادلة تحفظ السيادة وتوزع المنافع وتوفر الوظائف للسودانيين والمصريين.

لقد قُدمت مبادرات وأوراق عديدة حول التكامل الزراعي، لكنها كثيراً ما بدأت بحماس ثم توقفت من دون أن نعرف السبب. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى الخروج من الندوات إلى المشروعات: مناطق إنتاج مشتركة، وشركات مساهمة، وتمويل مصرفي، وطرق ونقل وتخزين وتصنيع غذائي، واتفاقات شراء طويلة الأجل. عندها يمكن لخبرة المزارع المصري وموارد السودان أن تعيدا المعنى الحقيقي لعبارة «السودان سلة غذاء العالم».

هذه، في تقديري، هي المهمة التاريخية التي تنتظر السفير ياسر سرور: أن ينتقل بالعلاقات من قوة العاطفة إلى قوة المصلحة، ومن إدارة آثار الحرب إلى صناعة ما بعدها، ومن تكرار الحديث عن التكامل إلى تنفيذ أول مشروعاته الكبرى.

ونحن، رجال الأعمال والمستثمرين العاملين بين مصر والسودان، لن نكون متفرجين. سنكون عوناً وسنداً لكل خطوة تبني هذه العلاقة الأبدية على أسس الإنتاج والاستثمار والمنفعة المتبادلة.

لقد كان حفل الوداع جميلاً، لكن الرسالة الأجمل لم تُكتب بعد. ستُكتب في الخرطوم، حين يبدأ السفير ياسر سرور مهمته، وتبدأ معه مرحلة نرجو أن تُذكر يوماً بوصفها اللحظة التي تحولت فيها وحدة وادي النيل من قصيدة جميلة إلى مشروع اقتصادي يصنعه شعبان ومصير واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى