الأمم المتحدة وضرورة التفكير خارج النص

إين
د.إيناس محمد أحمد
في الرابع والعشرين من أكتوبر من كل عام يحتفل المجتمع الدولي بيوم الأمم المتحدة ، المنظمة التي جاءت لتخلف عصبة الأمم وأنشئت على يد الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وكان جوهر إنشائها هو حماية العالم من أي حرب عالمية أخرى ، وحماية الأمن والسلم الدوليين ، وتم وضع ميثاق الأمم المتحدة على هذا الأساس ويتألف من 19 فصل و111 مادة توضح مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها .
وفي حالة وقوع تهديد للسلام العالمي يمنح الفصل السابع مجلس الأمن الدولي صلاحية فرض عقوبات واتخاذ تدابير دولية بمستويات متفاوتة تصل إلى حق استخدام القوة العسكرية.
لكن علي أرض الواقع عانى العالم من الحروب الأهلية والنزاعات الدولية واحتلال أراضي دول وانتشار المجاعات والفقر والأوبئة والانهيار الاقتصادي وانتهاك لحقوق الإنسان وارتكارب جرائم دولية بشعة وتدهور الوضع البيئي والاحتباس الحراري ، دون التعامل بشكل جاد وفاعل مع كل ذلك مما أدى إلى زيادة التدهور الاقتصادي والسياسي للكثير من الدول وتفاقم مشاكل الهجرة غير الشرعية وزيادة أعداد اللاجئين والنازحين في أرجاء العالم هرباً من واقع مؤلم ومصير مجهول.
للأسف الشديد لم تستطع الامم المتحدة مواكبة تطور مجريات الأحداث في العالم، والمتابع يجد أن مجلس الأمن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذه المؤسسات بكل ما لديها من تأثير ونفوذ داخل النظام العالمي إلا أنها لم تستطع التصدي للكثير من القضايا الدولية وتركتها دون حلول ناجعة.
ليبقي السؤال المحوري هل يستطيع ميثاق الأمم المتحدة – بوضعه الحالي – إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب والنزاعات والتدهور الاقتصادي والبيئي، هذا الميثاق الذي أعلن في سان فرانسيسكو في 26 يونيو 1945م ، وأعطى حق الفيتو كامتياز لخمس دول فقط دون بقية دول العالم ، إلا أن المادة 109من ميثاق الأمم المتحدة تنص علي أنه “يجوز عقد مؤتمر عام لأعضاء الأمم المتحدة لغرض استعراض هذا الميثاق في موعد ومكان يحددهما ثلثا أعضاء الجمعية العامة وتصويت أي تسعة أعضاء من مجلس الأمن ولكل عضو من الأمم المتحدة صوت واحد في المؤتمر”. من هذا النص يتضح أنه كان يسمح بتعديل ميثاق الأمم المتحدة عبر مؤتمر مراجعة في غضون (عشر سنوات)، واليوم مرت 81 عاماً تقريباً ولم تتحقق الإرادة الدولية لعقد المؤتمر ، وضاعت فرصة ذهبية كان بإمكان دول العالم تعديل الميثاق والحد من الفيتو ، لكن ذلك لم يحدث.
لذلك دعت مجموعة من الدول منها رومانيا والهند وألمانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا بشكل مشترك لاستعادة روح المادة 109من ميثاق الأمم المتحدة عبر مؤتمر مراجعة لمعالجة الاختلالات في هيكل المنظمة.
تاريخياً يذكر أرشيف القانون الدولي أنه قد تم تعديل الميثاق تعديلات محددة في نطاق محدود في الأعوام 1963م ، 1965م ،1973م كانت تهدف لزيادة أعضاء مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي .
أهمها التعديلات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر 1963م ودخلت حيز التنفيذ في 1965م ، وشملت مواد مهمة جداً منها المادة 23 لتوسيع عدد أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين من 6 إلى 10 أعضاء ليصبح إجمالي أعضاء مجلس الأمن 15 بدلاً من11 عضواً.
وكذلك المادة 27 الخاصة بالتصويت في مجلس الأمن حيث يلزم تصويت 9 أعضاء بدلا من 7 أعضاء من أصل 15عضو ، وتعديل المادة 61 التي نصت علي زيادة أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي. مع الوضع في الاعتبار أن تعديل الميثاق أمر بالغ الصعوبة إذ يتطلب ذلك مصادقة ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما فيهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن (أصحاب حق الفيتو) .
منذ العام 1945م ، مر العالم بالكثير من الأحداث والحروب والتغيرات الجيوسياسية التي تستدعي الأخذ بمراجعة ميثاق الأمم المتحدة بجدية وفاعلية أكثر مما سبق ، حيث يتفق أغلب أعضاء الأمم المتحدة على ضرورة الإصلاح ، فمنذ سقوط جدار برلين عام 1989م والنظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية حرجة، حيث شهد العالم كله موجات متضاربة ومتناقضة بين العولمة والقومية والليبرالية وظهور سياسات اقتصادية جديدة، ونظم تجارة حرة وتزايد حركة الأفراد على الحدود الدولية وظهور الجرائم الدولية بصورة سافرة ، والهجرة غير الشرعية والتدفق الهائل للمعلومات نظرا للتطور في ثورة الاتصالات والتقدم في صناعة الأسلحة وأطماع الدول في ثروات دول أخرى بل والعدوان عليها طمعا في تلك الثروات .
الجميع يدرك أهمية الإصلاح لكن التفاعل معه يتفاوت من دول تسعى للإصلاح وإعادة هيكلة الأمم المتحدة بما يخدم المصلحة العامة ويحقق العدالة و التنمية ، وبين الدول صاحبة امتياز الفيتو التي تتفاعل بدون حماس لأنها ستخسر (امتياز ) استمتعت به 81 سنة ولا زالت تتمسك به.
هذا الجمود الاستاتيكي أدى إلى سعي دول غربية إلى التأثير على إدارة المنظمات التي تعمل تحت إدارة الأمم المتحدة لتؤثر في عمليات توزيع الأموال لتمويل الأنشطة التشغيلية للأمم المتحدة مما يمنحها تأثيراً قوياً على أولويات المساعدات الانمائية ، مما يجعله اختراق غير مباشر في سياسة إصلاح المنظمة.
في العام 1973م كان هناك ضغط دولي لإصلاح النظام الاقتصادي الدولي ، ومعالجة صنع القرار في كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وفي العام 1974م بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة عملية مراجعة للميثاق مع التركيز في المقام الأول علي التمثيل العادل في مجلس الأمن والحد من استخدام حق الفيتو، وفي العام 1992م قام مجلس الأمن نفسه باجراء تعديلات إلا أنه لم يتفق عليها من قبل الدول الأعضاء ، وبالتالي لم تخرج للنور .
لكن جوهر الدعوة للتعديل جاء نتيجة سجل الأمم المتحدة الضعيف في مجال حل النزاعات وإيقاف الحروب التي كانت ولا تزال معضلة الأمم المتحدة، والأمثلة كثيرة منها القضية الفلسطينية المستمرة من العام 1948 للآن مع زيادة معاناة الشعب الفلسطيني وتفاقم إزماته، لم تستطع الأمم المتحدة منع غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979م ، وحرب البلقان بين عامي 1992, 1995م واحتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003م ، ووقف العالم متفرجاً حينما وقعت حرب الابادة الجماعية في رواندا 1994م ، وحرب روسيا وأوكرانيا 2022م، والحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإيران ، والحرب الاهلية في اليمن منذ 2014م والحرب في السودان 2023م ، وغيرها وغيرها الكثير من النزاعات والصراعات الدولية والأهلية.
ربما لم تنجح محاولات الإصلاح لأسباب كثيرة منها:
1/عدم القدرة علي إصلاح مجلس الأمن نتيجة تعنت أعضائه الدائمين بقبول هذه الإصلاحات التي تسلبهم حق الفيتو ، والذي يعد أداة سحرية لتحقيق مصالحهم الدولية .
2/ رفض المساهمين الماليين الرئيسين في الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمحاولات تقليص دورهم في صنع القرار مما يؤثر علي أولويات المساعدات الانمائية .
3/ ظهور تجمعات وتحالفات دولية مثل عدم الانحياز (NAM) و مجموعة 77G ، وهناك تجمعات وتحالفات اقتصادية جديدة ، وهذه أخطر من التحالفات السياسية ، مثل البريكس ومجموعة آسيان ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها ، والتي يرى أعضاؤها أنها تحقق مصالحهم بشكل أفضل ، وفي نفس الوقت لها أثر اقتصادي وسياسي مؤثر علي المدي البعيد .
في المقابل هناك تيار أكاديمي مؤثر من علماء القانون الدولي يري أنه لن ينصلح حال الأمم المتحدة طالما أن هناك تزايد مستمر في نفوذ المنظمات غير الحكومية التي تضع الخطط والاستراتيجيات والاجندات الدولية خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الدور المتزايد للتمويل الخاص لأنشطة الأمم المتحدة ، المعتمدة على المساهمات التطوعية وهذا يجعلها تسير وفق مصالح وأهداف المساهمين ، مما يضعف الثقة والحياد والمهنية في أداء الأمم المتحدة وبالتالي يؤثر علي ثقل المنظمة دولياً.
إلى أن يحدث التغيير نحو الأفضل بالفعل وبما يراعي التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في دول العالم في الحاضر المعاصر ويراعي التوزيع العادل للدول الأعضاء ، يبقي التزامنا باحترام الامم المتحدة ووكالاتها و المواثيق الدولية والقانون الدولي أمر يفرضه الواقع ، لكنه لا يمنع التفكير خارج نصوص وأسوار المنظمة الأممية.



