الدولة بعد الحرب: كيف نبني جهازاً حكومياً للدولة الجديدة (2-2)

د. الصادق علي حاج الشيخ
إذا كان السؤال في الجزء الأول هو: أي خدمة مدنية نريد للسودان الذي يولد من بين ركام الحرب؟ فإن الإجابة لا يمكن أن تكون مجرد تعديل قانون أو إعادة توزيع بعض الوظائف.
نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في طريقة عمل الدولة نفسها؛ في هياكلها، وموظفيها، وإجراءاتها، وعلاقتها بالمواطن، وفي الطريقة التي تقيس بها نجاحها.
فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة عادية. إنها مرحلة إعادة إعمار واسعة، تحتاج إلى جهاز حكومي قادر على التخطيط وإدارة الموارد والتعاقد والتنفيذ والمتابعة والتقييم. ولذلك فإن إصلاح الخدمة المدنية يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من مشروع إعادة بناء الدولة، لا ملفاً إدارياً هامشياً.
من الوظيفة إلى المهمة:
من الأفكار التي تستحق الدراسة أن تنتقل الخدمة المدنية، في جانب كبير من أعمالها، من التركيز على الوظيفة إلى التركيز على المهمة والنتيجة.
ليس المقصود إلغاء الوظائف الدائمة للدولة، فهي ضرورية لاستمرار مؤسسات التعليم والصحة والمالية والسجلات وغيرها من الوظائف الأساسية. وإنما المقصود أن يدار جزء كبير من العمل الحكومي في صورة برامج ومشروعات محددة الهدف والمدة والموارد والنتائج.
فبدلاً من أن تكون وحدة حكومية معنية بعدد موظفيها، يمكن أن تكون مسؤولة عن محفظة واضحة من المشروعات: رقمنة السجلات، تحسين الإيرادات، تطوير الخدمات الصحية، إعادة تأهيل المدارس، تبسيط إجراءات الاستثمار، تطوير الأراضي، أو إنشاء قاعدة بيانات وطنية.. لكل مشروع هدف ومدير وفريق وميزانية وجدول زمني ومؤشرات أداء.
وبذلك يصبح الموظف جزءاً من فريق يعمل على نتيجة محددة، ويمكن بعد انتهاء المشروع أن ينتقل بخبرته إلى مشروع آخر تحتاج إليه الدولة فيه.
وهذا النموذج لا يلغي الوظيفة العامة، بل يمنحها مرونة أكبر ويجعل الخبرة الحكومية مورداً وطنياً يمكن تحريكه حيث تكون الحاجة.
الرقمنة: من تقليل الورق إلى تقليل الظل الإداري ، لكن لا يمكن أن تنجح هذه الرؤية من دون تحول رقمي حقيقي.
والرقمنة التي نحتاجها ليست مجرد تحويل الملفات الورقية إلى ملفات إلكترونية؛ فإدخال جهاز كمبيوتر إلى مؤسسة تعمل بإجراءات خاطئة لا يجعلها مؤسسة حديثة.
المطلوب هو إعادة هندسة الإجراءات أولاً، ثم رقمنتها.
إذا كانت معاملة المواطن تمر على خمس وحدات بينما يمكن أن تنجزها جهة واحدة، فإن رقمنة الوحدات الخمس لن تحل المشكلة. ستصبح لدينا بيروقراطية إلكترونية بدلاً من البيروقراطية الورقية.
ولهذا ينبغي أن تبدأ الرقمنة بالسؤال: ما الخطوة الضرورية؟ وما الذي يمكن إلغاؤه؟ وما الذي يمكن دمجه؟ ومن يحتاج إلى هذه المعلومة؟ ولماذا يطلب المواطن المستند نفسه أكثر من مرة؟
وبعد ذلك يمكن ربط قواعد البيانات الحكومية وإنشاء ملف وظيفي إلكتروني موحد للعاملين، يوضح الوظائف والمؤهلات والمرتبات والتدريب والترقيات والشواغر.
كما يمكن للبيانات أن تكشف أماكن التداخل والازدواجية، وتساعد الدولة في معرفة أين توجد الحاجة إلى الموظفين وأين توجد الوفرة، وبذلك تصبح الرقمنة أداة لتقليل الظل الإداري وليس مجرد وسيلة لتجميله.
إعادة تخطيط الوزارات والوحدات:
وتحتاج عملية الإصلاح إلى مراجعة شاملة للوزارات والوحدات التابعة لها والهيئات والمؤسسات المستقلة، ينبغي ألا يكون السؤال: كم وزارة نريد؟ وإنما: ما الوظائف التي تحتاجها الدولة؟ ومن الجهة الأفضل لأدائها؟ فقد يكون دمج وحدتين أكثر كفاءة، وقد يكون فصل وظيفة عن وزارة وإسنادها إلى جهة أكثر تخصصاً هو الحل، وقد يكون تحويل بعض الوحدات إلى خدمات مشتركة بين الوزارات أكثر فاعلية.
لكن إعادة الهيكلة يجب ألا تتحول إلى مجرد تغيير أسماء. المطلوب هو إعادة تصميم مؤسسي حقيقي يحدد المسؤوليات والصلاحيات والموارد ومؤشرات الأداء، فالهيكل الجيد هو الذي يعرف المواطن من خلاله أين يذهب، ويعرف الموظف من خلاله ماذا يفعل، وتعرف القيادة من خلاله من المسؤول عن النتيجة.
تجربة أوروبا .. الدرس لا النسخة:
يمكن للسودان أن يستفيد من التجارب الأوروبية في تطوير الإدارة العامة، لكن من دون استنساخها.
الدرس الأوروبي المهم هو أن الخدمة العامة الحديثة تقوم على المهنية والجدارة واستمرارية المؤسسة، وعلى الاستثمار في الموظف، وتطوير القيادات، واستخدام البيانات والتكنولوجيا، وجعل المواطن في مركز الخدمة.
وتختلف النماذج الأوروبية نفسها من دولة إلى أخرى؛ ولذلك ينبغي للسودان أن يأخذ المبادئ التي تتناسب مع واقعه، وأن يبني نموذجاً سودانياً يستفيد من التجربة العالمية ولا يفقد خصوصيته.
والأهم أن الإصلاح الأوروبي الحديث لا ينظر إلى الرقمنة باعتبارها مشروعاً تقنياً فقط، وإنما باعتبارها إعادة تصميم لطريقة عمل الدولة.
أكاديمية العلوم الإدارية: من مؤسسة تدريب إلى بيت خبرة:
وفي السودان توجد فرصة مهمة في أكاديمية العلوم الإدارية التابعة لمجلس الوزراء، فبدلاً من إنشاء مؤسسات جديدة، يمكن إعادة تأهيل الأكاديمية وتحديث دورها لتصبح مركزاً وطنياً لإعداد القيادات الحكومية وتطوير الإدارة العامة.
يمكن أن تقدم برامج متخصصة في الإدارة الاستراتيجية، وإدارة المشروعات، والسياسات العامة، والموارد البشرية، والتحول الرقمي، والمالية العامة، والحكومة المحلية، والحوكمة، كما يمكن أن تكون بيت خبرة للحكومة في إعادة تصميم الهياكل، ودراسة الاختصاصات، وتقييم الأداء، وبناء القيادات.
وتتعاون الأكاديمية في ذلك مع الجامعات السودانية ومراكز البحوث، ومع المؤسسات الإقليمية والدولية، بحيث تصبح المعرفة الإدارية جزءاً من عملية بناء الدولة لا مجرد دورات تدريبية متفرقة.
الموظف والدولة: عقد جديد
لكن كل هذه الإصلاحات ستظل ناقصة إذا لم نصل إلى علاقة جديدة بين الدولة وموظفها.
الموظف يحتاج إلى راتب عادل، وبيئة عمل تحفظ كرامته، ومسار مهني واضح، وفرص تدريب وتطور، ونظام تقييم منصف. والدولة تحتاج في المقابل إلى موظف منضبط، مسؤول، متعلم باستمرار، وقادر على تحقيق النتائج.
ومن هنا يمكن بناء معادلة جديدة: أجر عادل، مقابل عمل واضح؛ تطوير مهني، مقابل مسؤولية؛ استقلال مهني، مقابل مساءلة؛ وثقة، مقابل أداء.
وهذا أفضل من النظر إلى الموظف باعتباره تكلفة، أو النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد جهة لدفع الراتب.
الحكومة الاتحادية والولايات
ويحتاج السودان كذلك إلى حسم العلاقة بين المستوى الاتحادي والولائي.
ليس المطلوب أن يظل كل شيء في المركز، كما لا ينبغي أن تؤدي اللامركزية إلى تعدد المعايير وتفاوت جودة الخدمة بصورة كبيرة.
يمكن أن تقوم العلاقة على قاعدة: معايير وطنية موحدة، وتنفيذ لا مركزي حيث يكون ذلك أكثر كفاءة.
فيضع المستوى الاتحادي المعايير العامة للوظائف والموارد البشرية والتدريب والبيانات والأداء، بينما تمتلك الولايات الصلاحيات والموارد اللازمة لإدارة الخدمات الداخلة في اختصاصها.
وبذلك تصبح اللامركزية وسيلة لتحسين الخدمة، لا مجرد نقل للمكاتب من مكان إلى آخر.
إعادة الإعمار كاختبار للخدمة المدنية:
ستكون إعادة الإعمار أكبر اختبار لقدرة الجهاز الإداري السوداني، فالمشروعات القادمة ستحتاج إلى إدارة محترفة للمشتريات والعقود والتمويل والتخطيط والتنفيذ والرقابة. وستحتاج إلى مهندسين ومحاسبين وقانونيين ومخططين وخبراء بيانات وتقنية وإدارة مشروعات.
ولهذا يمكن إنشاء سجل وطني للكفاءات الحكومية، بحيث تعرف الدولة أين توجد خبراتها، وتستطيع تشكيل فرق عمل للمشروعات الكبرى من داخل الخدمة المدنية، بدلاً من إنشاء جهاز إداري جديد لكل مشروع.
كما يمكن الاستفادة من الكفاءات السودانية في الخارج في التدريب والاستشارات ونقل المعرفة، مع بناء آليات مؤسسية تحفظ هذه الخبرات داخل الدولة.
قياس النجاح بالمواطن
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون نجاح الإصلاح في عدد اللوائح الجديدة ولا عدد الدورات التدريبية ولا عدد الأنظمة الإلكترونية.
المقياس الحقيقي هو المواطن:
كم يحتاج المواطن لإنجاز معاملته؟ كم مرة يضطر إلى مراجعة المؤسسة؟ هل يعرف أين يذهب؟ هل يحصل على الخدمة في الوقت المناسب؟ وهل يستطيع أن يقدم شكوى ويتلقى رداً؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تصبح مؤشرات أداء حقيقية للمؤسسات، فالإدارة العامة التي لا يشعر المواطن بتحسنها لم تحقق غايتها، مهما كان جمال هيكلها التنظيمي.
خاتمة: أن نبني ما هو أبعد من الخراب
ربما لا تكون أعظم خسائر الحرب تلك التي نستطيع عدّها؛ فما يمكن عده يمكن تعويضه، وما تهدم يمكن إعادة بنائه، وما احترق يمكن تشييده من جديد. أما ما يضيع من خبرة المؤسسات، ومن ثقة الناس، ومن قدرة الدولة على الفعل، فيحتاج إلى سنوات حتى يستعيد عافيته.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة لن تكون معركة إعادة بناء الحجر وحده، وإنما معركة إعادة بناء القدرة.
قدرة الموظف على أن يعمل بكرامة، وقدرة المؤسسة على أن تعرف مهمتها، وقدرة الوزارة على أن تنجز، وقدرة الولاية على أن تقدم ما يقع في مسؤوليتها، وقدرة الدولة كلها على أن ترى مواطنيها لا باعتبارهم أرقاماً في السجلات، وإنما باعتبارهم الغاية التي من أجلها وجدت الدولة.
وفي هذه المعادلة لا ينبغي أن يكون الموظف خصماً للدولة، ولا أن تنظر الدولة إلى موظفها باعتباره رقماً ثقيلاً في دفتر الرواتب. كلاهما يحتاج إلى الآخر.
الدولة تحتاج إلى موظف مؤهل ومخلص وقادر، والموظف يحتاج إلى دولة تمنحه الأجر العادل والبيئة المهنية وفرصة التطور. وبين الاثنين يمكن أن يولد عقد إداري جديد: الدولة تعطي الثقة والفرصة والعدل، والموظف يعطي الكفاءة والانضباط والنتيجة.
وعندها يمكن أن تتغير صورة الجهاز الحكومي كله؛ فلا تبقى الوزارات جزرًا متباعدة، ولا الوحدات ظلالاً تتكرر فيها الاختصاصات، ولا الإجراءات متاهة يضيع فيها المواطن.
تعاد هندسة المؤسسات، وتزال الازدواجية، وتستخدم الرقمنة لتقليل المسافات بين المواطن والدولة، وتصبح المشروعات ساحات للعمل المشترك، يجتمع حولها أصحاب الخبرة والكفاءة لإنجاز أهداف محددة ومرئية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله السودان بعد هذه السنوات الثقيلة ألا يحاول أن يستعيد الأمس كما كان، بل أن يتعلم منه، ثم يمضي أبعد منه.
فالأمم لا تعيد بناء نفسها لكي تعود إلى نقطة الخراب؛ إنها تعيد البناء لكي تفتح نافذة على زمن آخر.
والخدمة المدنية التي نريدها ليست تلك التي تنجو من الحرب فحسب، بل تلك التي تساعد السودان على النهوض بعدها؛ ليست إدارةً للماضي، وإنما ذاكرةٌ للماضي، وعقلٌ للحاضر، وجسرٌ إلى المستقبل.
فإذا كانت إعادة الإعمار ستعيد إلى السودان مبانيه وطرقه ومرافقه، فإن إعادة بناء الخدمة المدنية يمكن أن تعيد إليه شيئاً أعمق: قدرته على أن يحلم، وأن يخطط، وأن ينجز، وأن تصبح الدولة مرة أخرى مكاناً يلتقي فيه حلم المواطن بقدرة المؤسسة.



